توفر كرة القدم متنفسًا لغزة، لكن روح المونديال باهتة أخبار كأس العالم 2026

مدينة غزة، قطاع غزة — جالساً أمام خيمته المؤقتة قرب ملعب اليرموك، يحدق سميح طوطح (43 عاماً) في شاشة هاتفه المحمول وهو يشاهد مباراة من مباريات كأس العالم جرت ليلة البارحة.

بينما يتابع ملايين مشجعي كرة القدم حول العالم المباريات مباشرة، لا يجد سميح أمامه إلا الاعتماد على بثوث متأخرة أو مقتطفات من اللقاءات بسبب انقطاعات متكررة في الكهرباء والانترنت. «الوضع سيء، خصوصاً شبكات الاتصالات. تنقطع باستمرار»، يقول. «أحياناً تفر لك فرصة تشاهد مباراة كاملة، لكن قطع التيار يفسد التجربة. لم يعد الأمر كما كان قبل الحرب، حين كانت الكهرباء متوفرة وكانت هناك أماكن يجتمع فيها الناس لمتابعة المباريات».

أب لستة أولاد، يستحضر سميح ذكريات كأس العالم 2022 في قطر، حين كان لا يزال يقيم مع عائلته في حي الزيتون بغزة. كانت مشاهدة الكرة حينها مناسبة اجتماعية تجمع الأصدقاء والأقارب وتمنح لحظات هروب مؤقتة من ضغوط الواقع الصعب. «على الأقل آنذاك كان الناس يشعرون براحة نسبية»، يضيف. «كنا نجتمع مع الأهل والأصدقاء لمتابعة المباريات. رغم كل شيء، كان لا يزال هناك متسع للحياة».

لم يعد سميح يعيش في الزيتون؛ نزح نتيجة الحرب الإسرائيلية التي وُصفت بالإبادة، والتي أودت، بحسب الإحصاءات، بأكثر من 73,000 فلسطيني منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما زال منزله داخل منطقة نزوح قسري محددة من قبل الاحتلال. الآن، من داخل خيمة قرب ملعب اليرموك، يقارن بين تلك الذكريات وواقعه الحالي.

الحرب لم تجعل متابعة الكرة أصعب فحسب، بل سلبت كثيراً من الحماسة التي كانت ترافق البطولة. «من الصعب جداً متابعة المباريات بالطريقة التي اعتدناها»، يقول سميح. «أحياناً أشاهد ملخصات بعد أن أعرف النتيجة بالفعل. ما إن تعرف النتيجة حتى تختفي الفرحة والإثارة». ومع ذلك، تمنحه كرة القدم لحظات قصيرة من التخفيف عن وقع التهجير والحرب: «أحياناً ألتقط هاتفي وأشاهد مباراة لأخفف قليلاً من التوتر وأنسى، ولو للحظة، المعاناة التي نعيشها». «الحياة في الخيمة شديدة الصعوبة. لا خصوصية ولا شيء من راحة المنزل».

يقرأ  ناسا تستعد لإرسال بعثة مأهولة إلى القمر بحلول فبراير ٢٠٢٦— أخبار الفضاء

— حياة تغيّرت —

تتجاوز صعوبات متابعة كأس العالم في غزة مسألة الكهرباء والإنترنت فحسب؛ لقد غيرت الحرب جذرياً حياة الناس وعلاقتهم بما كانوا يستمتعون به سابقاً. بينما يحاول بعض السكان التمسك بتقليد مشاهدة كرة القدم، يرى آخرون أن الحرب جردت البطولة من كثير من الشغف الذي كان يحيط بها.

بالنسبة إلى يوسف النعَيْزي (21 عاماً) من مدينة غزة، لا تزال كرة القدم تحتل مكانة خاصة، وهو من مشجعي المنتخب البرتغالي منذ زمن. لكن متابعة كأس العالم هذه المرّة تحولت إلى مجهود مرهق أكثر منه متعة. خرج ذات ليلة مع أصدقائه باحثين عن مقهى يعرض إحدى المباريات. «مشينا مسافة طويلة إلى مقهى لنجد أنه مغلق عند الفجر لعدم وجود كهرباء»، يقول. وبعد أن وجدوا مكاناً للمشاهدة تمكنوا من متابعة حوالي أربعين دقيقة فقط قبل أن تغلبهم الإرهاق.

يعتبر يوسف أن ذلك مثال بسيط على كيف أن أبسط أمور الحياة اليومية تحولت إلى معاناة منذ اندلاع الحرب: «تغيرت حياتنا تماماً. لا توجد ضروريات أساسية. حتى الذهاب إلى الحمام يتطلب الانتظار لساعة». ويضيف: «في البيت كنت أفعل ما أشاء بحرية. الآن نعيش في خيام بلا خصوصية».

يتذكر أيضاً أجواء كأس العالم في قطر 2022، عندما كانت تجمعات المشاهدة احتفالات وليست تحديات لوجستية: «كان لدينا شاشة كبيرة، أعلام وطنية، قهوة وشاي وحلويات ووجبات خفيفة. كنا نجتمع ونستمتع بالأجواء». من المفارقات أن ملعب اليرموك نفسه، الذي يعيش فيه الآن مهجّراً بعد تهجيره من حي الشجاعية، كان جزءاً من تلك الذكريات العزيزة: «كنت آتي إلى هنا لمتابعة مباريات محلية. كان الملعب يحمل ذكريات جميلة للجميع. اليوم صار مأوى للمهجّرين بدل أن يكون مكان فرح».

بسبب الحرب، أعيد توظيف العديد من المنشآت الرياضية والملاعب عبر القطاع كملاجئ للعائلات النازحة، بينما دُمرت منشآت أخرى وأُخرجت من الخدمة. ورغم أنه لا يزال يتابع المباريات متى ما تيسّر، فإن الحرب غيرت علاقته بالرياضة: «بصراحة، لم أعد متحمساً للمباريات كما كان سابقاً. أتابعها غالباً لتمضية الوقت. الشغف الحقيقي اختفى». كاد الشغف بأغلبه أن يندثر في غزة بعد كل ما عايشنا من أحداث.

يقرأ  رونالدو يضيع فرصًا ذهبية في فوز ودي للبرتغال على نيجيريا — أخبار كأس العالم ٢٠٢٦

الخوف من الهجوم

رغم المصاعب، لا يزال بعض الناس يحاولون استعادة فسحة صغيرة من أجواء كأس العالم لأسر النازحين. في أزقّة المخيمات المؤقتة الضيّقة، أنشأ عدد من الأفراد أماكن للتجمّع حيث يتقاسم الناس لحظات نادرة من الفرح.

داخل مقهى مؤقت مكوَّن من قماش مشمع وألواح خشبية، تتدلّى أعلام المنتخبات من جدران منسوجة مزخرفة برسومات فوتبولية، فتُعيد إلى الذاكرة أجواء البطولات السابقة. يدير المكان شاب في السادسة والعشرين من عمره، تارق الجدبا، يقضي ساعات طويلة ليمنح سكان المخيم مقعدًا لمتابعة المباريات.

يشدد أن مشاهدة مباريات المونديال معًا باتت أصعب بكثير مما كانت عليه سابقًا. حتى عندما يتجمّع عشرات المشجعين في المقهى خلال المباريات الكبرى، يبقى الخوف حاضرًا كظل لا يزول. “نأتي لمشاهدة الكرة، لكننا نشاهد ونحن عاجزون من الخوف”، يقول. “خاصة المباريات التي تُقام في ساعة متأخرة من الليل أو قبل الفجر؛ دائمًا هناك خشية من قصف قريب أو هجوم.”

ولا تقتصر التحديات على المسألة الأمنية فحسب. فالنقص المزمن في الكهرباء والوقود — نتيجة القيود الإسرائيلية — يجعل تشغيل الشاشات معركة يومية. “كلنا نعتمد على مولدات الحي”، يوضح. “أحيانًا نحاول التنسيق مع أصحاب المولدات لتوفير التيار خلال المباريات، لكن كثيرًا ما ينفد لديهم الوقود. والطاقة الشمسية وحدها لا تكفي لاستمرار الحركة حتى ساعات متأخرة.”

ورغم هذه الصعوبات، يصرّ الجدبا على إبقاء المقهى مفتوحًا. كرة القدم، بالنسبة إليه، جزء غائب لا يتجزأ من ثقافة غزة. “تابعت كرة القدم منذ أن كنت في الخامسة من عمري”، يقول. “الفلسطينيون في غزة يحبون الكرة؛ نحن مجتمع شاب ورياضي.”

هذه الظروف جعلت من مشاهدة المباريات مهمة شاقة، لكنه يضيف: “حين تلعب فرق عربية، تعود الحيوية ويستعاد الحماس من جديد.” الناس هنا يبحثون عن أي مساحة تتيح لهم الهروب من قسوة الحرب واستعادة، ولو للحظات وجيزة، طعم الحياة الطبيعية.

يقرأ  لولا يُشيد بحكمٍ بشأن بولسونارو يقول لترامب: ديمقراطية البرازيل غير قابلة للتفاوض

أضف تعليق