طهران — يؤكّد رئيس أرقى جامعة علمية وهندسية في إيران أن الولايات المتحدة وإسرائيل تستهدفان رموز تقدّم البلاد وليستا الجهات الحاكمة فحسب، معتبرًا تلك الضربات محاولة لشلّ مسارات التنمية العلمية الوطنية.
انفجرت جامعة شريف للتكنولوجيا في طهران يوم الإثنين، ما أدى إلى تدمير وتضرّر عدّة مبانٍ، من بينها ما وصفته الجهات الرسمية بمركز للذكاء الاصطناعي كان يضم قواعد بيانات حيوية. تعطّلت مواقع الجامعة وخدماتها الإلكترونية، فيما أفادت السلطات أن مرافقًا بحثية حسّاسة تعرضت للضرب بشكل مباشر.
قال رئيس الجامعة مسعود طجريشي إن “العدو استهدف هذه المباني ودمر البنية التحتية بأكملها لأنه لا يريدنا أن نصل إلى تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي”، مضيفًا أن الجامعة عملت على تدريب نماذج ذكاء اصطناعي باللغة الفارسية لمدة عامين وقدمت خدمات لمئات الشركات. وأضاف عند موقع الانفجار أن هذه الهجمات وحدت الجامعات بدل أن تفرّقها. دقائق لاحقة استهدفت ضربة أخرى العاصمة، مع رؤيا صواريخ كروز تحلّق منخفضة فوق وسط طهران وتشغيل أنظمة الدفاع الجوي.
وأشار طجريشي أيضًا إلى أن لا دولة كانت مستعدة لنقل المعرفة التقنية اللازمة لإيران بسبب العقوبات الأميركية والمزايا التنافسية، لذا أُجريّت كلّ الأبحاث داخليًا.
لم تُعلِن واشنطن ولا تل أبيب سببًا رسميًا لاستهدافها لمراكز التعليم العالي والمواقع التراثية والثقافية الإيرانية، التي تُعدّ بنى تحتية مدنية. لم تُسجّل إصابات داخل حرم جامعة شريف لأن المحاضرات تُعقد عن بُعد، لكن أكثر من ألفي شخص قُتلوا منذ اندلاع الحرب.
جاءت الضربة على الجامعة العريقة، التي تأسست قبل ستة عقود، بعد سلسلة غارات استهدفت مراكز بحثية في مؤسسات بارزة أخرى، بينها معهد باستور الذي يعود إلى قرن من الزمن، ومختبر فوتونيكس في جامعة شهيد بهشتي، ومختبر لتطوير الأقمار الصناعية في جامعة العلوم والتكنولوجيا.
أفاد وزير العلوم والبحوث والتكنولوجيا حسين سیمایی سراف لقناة الجزيرة الأسبوع الماضي أن أكثر من ثلاثين جامعة تضررت جراء هجمات أميركية وإسرائيلية منذ بداية الحرب في 28 فبراير.
دفعت هذه الهجمات الحرس الثوري الإسلامي إلى اعتبار الجامعات المرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل “أهدافًا مشروعة”. من جهة أخرى، كتب محمد حسين أميد، رئيس جامعة طهران، رسالة نيابة عن خمس عشرة جامعة رفيعة الأسبوع الماضي يدعو فيها الحرس إلى الامتناع عن ضرب جامعات أخرى، كاشفًا عن التزام طهران بحماية مؤسسات التعليم العالي بوصفها “تراثًا إنسانيًا وعالميًا”. إلا أنه تراجع لاحقًا وطلب هجمات انتقامية بعد رد فعل عنيف من وسائل إعلام متشددة محلية.
واصلت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات عبر أنحاء إيران، مستهدفة بنى تحتية حيوية، قبل ساعات من مهلة أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب للقبول بشروطه. ضرب الجيش الإسرائيلي يوم الثلاثاء شبكة السكك الحديدية، فيما هدد ترامب بقصف محطات توليد الكهرباء والجسور الحيوية — تهديدات تعدّ انتهاكًا للقانون الدولي إن نُفّذت. قال ترامب إن “حضارة بأكملها ستموت الليلة” في إيران، بعد أيام من قصف مصانع الصلب والبتروكيماويات، ضربة ستطال حياة أكثر من تسعين مليون إيراني. تفاخر بأن إعادة الإعمار قد تستغرق عشرين عامًا لو انسحبت واشنطن اليوم، وربما مئة عام لو استمرّ الصراع.
على مدخل مبنى جامعة شريف المتضرر وُضع لافتة تقول: “قد وصلت مساعدة ترامب”. داخل الجامعة عقد أستاذ رياضيات محاضرة عبر الإنترنت داخل ركام مبنى مُدمر كرسالة تحدٍّ واستمرار للعمل الأكاديمي. ووضعت السلطات لافتات قرب الموقع تقول إن “مساعدة ترامب وصلت”، في إشارة إلى تكرار تصريحات ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن رغبتهم في “مساعدة” الشعب الإيراني على إسقاط النظام الذي تولى السلطة بعد ثورة 1979 لكنه واجه احتجاجات شعبية متكررة في السنوات الأخيرة.
أثارت الحملة المنهجية المتزايدة ضد البنى المدنية مخاوف واسعة داخل إيران، لا سيما مع معاناة البلاد من مشاكل اقتصادية وأزمة طاقة قبل اندلاع الحرب. قال طالب في جامعة شهيد بهشتي، طالبًا عدم كشف هويته، إن “الشعور غريب حين تستيقظ وتجد جامعتك مصدرة أو تتخيّل أنك قد تحرم من الكهرباء غدًا لتفقد أي وسيلة للتحقق من أمرك”. وأضاف: “إن أمكن تبرير ضرب محطات الطاقة والصلب والبتروكيماويات والجسور والجامعات والمعاهد العلمية فبِإمكانك تبرير أي شيء”.
دفعت الاعتداءات وسائل إعلام محلية إلى توجيه اتهامات إلى إيرانيين مقيمين في الخارج، بعضهم أعرب عن دعم لضربات أميركا وإسرائيل على أمل أن تؤدي إلى إسقاط القادة العسكريين والسياسيين والدينيين. زعمت وكالة فارس، المقربة من الحرس الثوري، يوم الثلاثاء أن الهجوم على جامعة شريف لا يمكن أن يتم دون “خيانة” من معارضين بالخارج، متهمة علي شريفي زارچي، أستاذ سابق تحول إلى معارض، بتسريب إحداثيات المركز المُستهدف دون تقديم دليل.
ردّ شريفي زارچي في تغريدة أن المركز مشار إليه على خرائط غوغل، وأنه يندّد قطعًا باستهداف الجامعات والمواقع المدنية، لكن “هدف أي هجمات ينبغي أن يكون إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية الذي احتجز الشعب الإيراني عبر القمع والقتل الجماعي وقطع الإنترنت”. نَشَرَ الأستاذ رسالة تداولتها مجموعات طلابية غير حكومية أدانت الهجمات الأميركية والإسرائيلية في الوقت نفسه التي حمّلت فيها السلطة مسؤولية سياساتها التي وضعَت البلاد على طريق تصادم مع الدولتين وحلفائهما.
كتب الطلاب: “شعبنا يريد أن يعمل، وأن يدرس، وأن يتنفس، وأن يحصل على الإنترنت، وأن يبني مستقبله”، وأضافوا تحذيرًا موجعًا: “العقول التي تهاجر لا تعود. الفتاة المعتقلة لم تعد تدرس”.
الطفل الذي تُقصف مدرسته لا يترعرع كما ينبغي.
ثمن هذه الخسائر سندفعه جميعًا في مستقبلنا — بما في ذلك أولئك الذين يستفدون اليوم من هذا الانقسام.