تخيّم الحرب من جديد على اليمن، البلد الذي وُصف في وقتٍ ما بأنه أكبر كارثة إنسانية في العالم. ويمر اليمن حالياً بأخطر موجة قتال منذ عام 2022، عندما أوقفت هدنة توسطت فيها الأمم المتحدة ثماني سنوات من الحرب التي أودت بحياة عشرات الآلاف.
وفي هذا الأسبوع، شنت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً هجمات مضادة ضد الحوثيين، وتصاعد القتال الاثنين في محافظات تعز والبيضاء والجوف، التي تُعد بوابة رئيسية للعاصمة صنعاء الخاضعة للحوثيين. ومن جهتها، قال الحوثيون إنهم صدّوا بعض تقدم القوات الحكومية، ونفّذوا هجوماً على السعودية التي تدعم الحكومة اليمنية.
غير أن المشهد الإقليمي الأوسع، الذي يتسم بعدم الاستقرار والصراع، خلق ظروفاً جديدة لإشعال الحرب اليمنية العالقة من جديد.
وفي يوليو الماضي، تصاعدت التوترات بعدما أعلنت القوات الحكومية استهداف مطار صنعاء الذي يسيطر عليه الحوثيون، ما حال دون هبوط طائرة قادمة من إيران. وتوالت الهجمات بعد ذلك، ثم تصاعد الموقف أكثر الأسبوع الماضي حين شن الحوثيون هجوماً واسعاً في محاولة للتقدم عبر غرب تعز وجنوب الحديدة، متوجهين نحو مدينة المخا الساحلية ومضيق باب المندب في البحر الأحمر. وفي هذه المرحلة الجديدة من الحرب، تضع الحكومة المعترف بها دولياً نصب أعينها استعادة العاصمة من الحوثيين المدعومين من إيران.
وفي الوقت نفسه، يتنافس الطرفان على السيطرة على المنطقة القريبة من باب المندب، التي اكتسبت أهمية أكبر في ظل إغلاق إيران الفعلي لمضيق هرمز، وهو شريان حيوي لإمدادات النفط والغاز في العالم. ويشن الحوثيون هجمات منتظمة على حركة الشحن في البحر الأحمر منذ عام 2023.
ويقول محللون إن القوات الموالية للحكومة أصبحت أفضل تجهيزاً من أي وقت مضى خلال النزاع، لكنهم يحذرون في الوقت نفسه من توقع نصر سريع. وقال محمد الباشا، المحلل اليمني الأميركي ومؤسس شركة استشارات المخاطر “باشا ريبورت” ومقرها الولايات المتحدة، للجزيرة: “من المرجح أن تكون هذه حرباً طويلة الأمد، وليست حملة خاطفة”.
تغيير الوضع القائم
يرى محللون أن هدف الحكومة اليمنية هو استعادة السيطرة على البلاد بأكملها، بعد سنوات من الحرب الأهلية وتشتت القيادة. وبعدما نجحت الحكومة في وقت سابق من هذا العام في استعادة مناطق في جنوب اليمن كانت خاضعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، الفصيل الانفصالي المدعوم إماراتياً، باتت تضع الحوثيين في صلب هدفها.
وقال محجوب زويري، أستاذ سياسة الشرق الأوسط في جامعة قطر، للجزيرة: “تمكنت الحكومة من السيطرة على مساحة أكبر، وأصبح عدد الميليشيات على الأرض أقل… واللاعب الآخر الوحيد الآن هم الحوثيون في صنعاء”.
ومع تراجع المجلس الانتقالي الجنوبي، ركزت الحكومة اليمنية على تقديم قواتها المناهضة للحوثيين كقوة موحدة لها سلسلة قيادة عسكرية واحدة، بعد سنوات من الانقسام. غير أن الحوثيين ما زالوا يشكلون “قوة عسكرية هائلة”، وفق الباشا، الذي أضاف أنهم “سيخوضون القتال بشراسة ولن يرضخوا ببساطة”.
وإذا أُجبر الحوثيون على التراجع، فقد يتحصنون في المناطق القبلية الجبلية الشمالية حول صعدة وحجة وصنعاء والمحافظات المجاورة. وقال الباشا: “سيخلق ذلك مواجهة أكثر تحديداً من الناحية الجغرافية بين معقل شمالي يسيطر عليه الحوثيون ومناطق تسيطر عليها الحكومة المعترف بها دولياً وحلفاؤها”.
الأزمات الإقليمية عامل حافز
على خلفية الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، والهجمات التي تشنها إيران وحلفاؤها على الخليج، أصبحت الفرصة مواتية أمام الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية لمواجهة الحوثيين.
وقال زويري إن “هناك نظرة واسعة إلى ضرورة إنهاء الفاعلين غير الحكوميين، أي الميليشيات، على المستوى الإقليمي”، مشيراً إلى أن دول المنطقة باتت تنظر إلى هذه الجماعات بنفور متزايد. وأوضح أن هذا ينعكس أيضاً على ما يحدث في اليمن، حيث تملك الحكومة “ضوءاً أخضر لإنهاء الوضع القائم في اليمن”.
أما المحلل السياسي السعودي خالد باطرفي فيرى أن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران عامل محفز مهم بشكل خاص. وقال للجزيرة: “المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران غيّرت القيمة الاستراتيجية لليمن”. يرى محللون أن الحوثيين لم يعودوا يتحركون فقط في إطار الحرب الأهلية اليمنية؛ فقد أثبتوا أن لديهم القدرة والرغبة على ربط الميدان اليمني بأمن البحر الأحمر والملاحة الدولية والبنية التحتية الإقليمية للطاقة. وتمثل هجمات الحوثيين الأخيرة على الأراضي السعودية، التي أصيب فيها عشرات الأشخاص، أمراً بالغ الدلالة. ويقول المحلل عبد العزيز باترفي إن هذه الهجمات قد تعيد تحويل الصراع من مواجهة يمنية داخلية إلى أزمة أمنية مباشرة بين السعودية والحوثيين. بيد أن المحلل الباشا يرى أنه حتى لو حُلّت المواجهة الأوسع مع إيران أو تراجعت حدتها، فلن يكون من الضروري أن ينتهي الصراع السعودي-الحوثي؛ ففي اليمن حرب لم تُحسم بعد، وديناميكيات خاصة على الأرض، ومطالب سياسية مستقلة.
أما على صعيد القوى الإقليمية الكبرى، فيبدو أن السعودية وإيران توصلتا إلى تفاهم يمنع التصعيد المباشر بينهما، لكن الجماعات المسلحة المتحالفة مع إيران، ومنها الحوثيون، قد تتعاون للضغط على الرياض عسكرياً وسياسياً. ويرى الباشا أن الحوثيين قادرون على فرض كلفة كبيرة على السعودية عبر هجمات منسقة بالصواريخ والمسيّرات بعيدة المدى، حتى لو واجهوا ضغطاً متزايداً على الأرض. وفي المقابل، تظل الأولوية السعودية هي تفادي العودة إلى حرب مفتوحة في اليمن، لكن باترفي يلفت إلى أن استهداف المنشآت المدنية ومنشآت الطاقة يغيّر الحسابات حتماً؛ فلا يمكن لأي دولة أن تتحمل إلى ما لا نهاية هجمات مباشرة على أراضيها. أما إيران، المنشغلة بحربها مع الولايات المتحدة، فقدرتها على تقديم دعم إضافي للحوثيين محدودة، لكن من المرجح أن تواصل إرسال مكوّنات الصواريخ والمسيّرات والوقود المكرر وسلع أخرى إليهم.
من الأهداف الرئيسية للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً أيضاً تأمين مضيق باب المندب. فإيران تستخدم هذا المضيق كورقة ضغط عبر الحوثيين، ولذلك فإن أحد أهداف الحرب هو ضمان خضوع الممر المائي لسيطرة الحكومة المركزية في اليمن، بحسب المحلل زويري. وهذا يفسر جزئياً دعم السعودية للهجوم العسكري؛ إذ كان الحوثيون قد أعلنوا حصاراً على السفن السعودية التي تمر عبر هذا المضيق الحيوي الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن. ويحظى باب المندب بأهمية أكبر لصادرات النفط السعودية منذ أن بدأت إيران تقييد المرور في مضيق هرمز عند اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية عليها. غير أن الحوثيين يسعون أيضاً إلى التقدم نحو هذا الممر الحيوي. فقد أثبتوا امتلاكهم قوة نارية تستطيع تهديد الملاحة التجارية والعسكرية في البحر الأحمر وخليج عدن وأجزاء من بحر العرب، وربما يحاولون لاحقاً فرض رسوم عبور في الممر المائي على غرار النهج الإيراني في هرمز. ويقول باترفي إنه إذا تعطل هذان المضيقان بشكل خطير في الوقت نفسه، فلن تكون العواقب مقتصرة على اليمن أو السعودية، بل ستتحول إلى مشكلة كبرى تتعلق بأمن الطاقة والتجارة الدولية.
ويتفق المحللون على أن مسار الصراع يبدو متجهاً نحو حرب أوسع نطاقاً في الأيام المقبلة. يقول أحمد ناجي، المحلل البارز في مجموعة الأزمات الدولية لشؤون اليمن، إن الحكومة تبدو في موقف أقوى من أي وقت مضى، وتعتبر هذه الجولة من القتال فرصة لتعزيز موقعها وانتزاع مزيد من الأراضي من الحوثيين. وهي المرة الأولى أيضاً التي تخوض فيها الحكومة قتالاً على أكثر من جبهة، إذ تنشّط عدة ميادين ضد الحوثيين وتتحول من موقع الدفاع إلى الهجوم. كما أن قوات الحكومة أكثر تنسيقاً ولديها أسلحة أكثر تطوراً مما كانت عليه في الجولات السابقة. لكن هذا لا يعني أن الصراع سيكون قصيراً؛ فهو مرشح للإطالة. وفي هذا السياق، يرى الباشا أن من توقعوا انهياراً سريعاً لمواقع الحوثيين على غرار ما حدث لنظام بشار الأسد في أواخر 2024 قد يخيب ظنهم. ويضيف أن ما نشهده قد يكون أقرب إلى السيناريو السوداني؛ حيث تتصادم كتلتان جغرافيتان محددتان نسبياً في صراع طويل ومكلف.