سينسيناتوس — نموذج في القيادة الإدارية

نظرة عامة:

تحتاج مدارسنا اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى إلى قادة إداريين نكرانين للذات، حاسمين في قراراتهم، يتصرّفون بنزاهة ومسؤولية بدلًا من الانقياد وراء الأنا.

أنا مأخوذ تمامًا بتاريخ روما القديمة — ليس فقط سيرة الأباطرة الأوائل بتاكيتوس، بل عهد الجمهورية المبكرة. ومن يقرأ يجد أوجه التشابه بين هؤلاء القادة وبين من يديرون مؤسساتنا اليوم.

أحد أفضل نماذج القيادة التي قرأتها هو سينسيناتوس، الدكتاتور الروماني (وهو هنا ليس بـ«الديكتاتور» بالمفهوم الحديث). في وقت أزمة، زاره مجلس الشيوخ في أرضه، فوجده على محراثه — متّسخًا من الطين وهو يحرث حقله. عُرضت عليه الديكتاتورية فلبّى النداء، نظّف ثيابه، هزم جيوش العدو لصالح روما، وبعد خمسة عشر يومًا فقط تنحّى عن المنصب وعاد إلى أرضه. كمثل جورج واشنطن، أتيح له البقاء في السلطة لكنه تخلّى عنها. هذه قدرة على خضوع النفس لغاية أعلى بعد أن يمر الإنسان بتجربة السلطة المطلقة.

يا لها من درس للسياسيين! ويا له من درس لمديري المدارس!

وللأسف، حين نحتاج إلى مثل هذا النوع من القيادة، نادرًا ما نجده. ما نراه غالبًا هم «الأباطرة» — رجال تحكمهم الغرور والأنانية، يوزّعون المسؤوليات بينما يقيمون في قصورهم، وفي أحسن الأحوال متقوقعون في مكاتبهم البعيدة.

قيصرُنا أغسطس — دعونا نسميه السيد دوليتل — يجول في الممرات صارخًا بصوته، يختار بمنتهى الانتقائية من يُنذر بعقوبة الإيقاف لعشرة أيام، ومن يُعامل برفق ويُسمح له بالتجوال طوال اليوم لأن «فقَد وقع في شفقة». وفي حين يظن البعض أن ذلك تجاوبٌ رحيم، تزداد ظاهرة التجوال في الممرات ويتضاءل احترام الكادر له. ومن المفارقات أن صعوده من قِبل صفوف المعلمين كان يفترض أن يجعله أكثر تعاطفًا مع همومنا، لكنه اختار أن يتجاهل فريقه وهم يغرقون في العمل طالما أن بريقه لم يتعرّض للخدش — وهكذا يزول مجد الدنيا.

يقرأ  تاكر كارلسون — انعطاف في المشهد التلفزيوني

ثم لدينا تِيبيريوس — سنسميه السيد تريبوشت — الذي تقوم سلطته على مبدأ «أنت صديق القيصر» طالما التزامك ظاهر. يمكنك أن تعمل بجهد لتثبت ولاءك، لكن هناك دائمًا استثناء: إذا دلّلت غروره وهاديته بتملّق، تُتسامح أخطاؤك وتُغفر، وتتجنب عرض المحكمة الإدارية الأسبوعية.

وعندما يبدأ تريبوشت بقوله: «جوني راسب في حصّة الدعم!» فها هو يطلق النار الافتتاحي.

وترغب أنت أن تردّ: «جوني ينام في الحصّة لأن دماغه ضبابي من المخدر… آه… ذلك الجد العجوز البنفسجي… كم اشتاقه جوني!» لكن الرد المتوقع هو: «وفقًا لقائمة التحقق الفردية للطالب، جوني كان متوقّعًا لمدة ثلاثين دقيقة من أصل ثماني دقائق للتعليم الفعلي، ومحاولة الاتصال بالمنزل باءت بالفشل لوجود رقم مفصول، وأُرسلت رسالة إلى [email protected].» وتتبسم الآن «بابا شوسكوت» أو «بابالينا شوسكوت» بازدراء وهم يخططون لأسبوع عطلة إضافي بعد الإجازة.

آخر اتهامات تريبوشت كانت بتوجيه لوم إلى معلمة بأنها حرضت طالبًا على إثارة مشكلة. غريبٌ أن هذا التلميح جاء بعد أيام فقط من مدحه لها وطلب مساعدتها. والآن صارت كلمة «حقيرة» سببًا في اتهام — «إن أردت مني أن أكون حقيرًا فسأتصل بالمنزل على الفور لشتمها». والطالب يردّ: «أريد أن أعتدي عليك هنا، آنسة»؛ درزدِن، الطالب، «مُساءٌ فهمه» — الضرب هنا وجودي، «استعاري أكثر منه حرفي…»

سألت المعلمة: «لكن كيف تكون كلمة “حقير” استعاريّة؟»

فجاءها الجواب البيروقراطي: «لا… حين تنعت الطفل بـ”حقير” فأنت تقتحم مساحته الشخصية، و…» ثم يتوالى مصطلح الإدارة الرسمي.

لكن الإدارة ليست كلّها سلبية.

أفضل مدائر (مشرف) مرّ عليّ وكان أقرب ما يكون إلى سينسيناتوس، هو مديري الأول. يمكن تشبيهه بسكيبيو الإفريقي — إنسان مبادر، منظّم، ذو شخصية قوية. لم يكن «لطيفًا في صندوق اللعب»، وربما وصفه البعض بـ«الصارم»، لكنه كان من ذلك النوع الذي يُحترم. كانت قواعده واضحة: الفتاة التي تأكل الشوكلاته الفرنسية للمرة الرابعة تُخرَج، والفتى الذي أخرج سلاحًا بعد المدرسة يُطرد. صراحته القاسية أيقظت تشخيصي الخفيّ لـADHD وكان في محله. نعم، تقدّم في المناصب ويعمل الآن بمستوى أعلى في مكتب المنطقة — وهو استحقاق نابع من جهد وعرق.

يقرأ  ستة وزراء خارجية أوروبيون يدينون خطة إسرائيل لشن عملية في مدينة غزة

في المقابل، هناك من يُطلب منه تقديم ستة أسابيع من البيانات ليبرّر عدم نقل طالب لا يمكن الوثوق به حتى مع المقصات — طالب اضطررنا لإزالة الدباسات من الفصل لأجله.

لا أطيق الإداريين الذين لا أثر لصعابهم في أظافرهم، الذين لا يراهنون على شيءٍ في الميدان، ومع ذلك ينالون من الآخرين بسهولة.

أعطني سينسيناتوس!

أعطني سكيبيو الإفريقي!

ولكن الآن — تصبح على خير يا سينسيناتوس، أينما كنت!

أضف تعليق