أوري فيلتمان بدا متوتراً. هو المدير القُطري الميداني في حركة «الوقوف معاً»، وهي مؤسسة تضم ناشطين من اليهود والفلسطينيين يدافعون عن السلام، وقد اجتمعوا لمحاولة التصدي لعشرات الآلاف من المتظاهرين اليمينيين المتطرفين الذين كانوا يتوجهون إلى البلدة القديمة في القدس الشرقية المحتلة.
يوم القدس، الذي يحتفل به اليهود الإسرائيليون سنوياً بذكرى احتلال المدينة عام 1967، تحوّل إلى مناسبة تُستغل لإحضار آلاف المشاركين بالحافلات من أنحاء اسرائيل والضفة الغربية المحتلة للمشاركة في «مسيرة الأعلام»، حيث يجوبون أزقة البلدة القديمة ويهاجمون الفلسطينيين — وحتى الناشطين اليهود المؤيّدين للسلام. الشرطة منعت دخول الفلسطينيين المقيمين خارج البلدة القديمة.
الاشتباكات اندلعت هذا العام قبل انطلاق المسيرة رسمياً، حين اعتدى إسرائيليون متطرفون وطنياً — كثير منهم مراهقون — على فلسطينيين في الحي المسيحي، وتعرضت أملاك للتخريب، كما اضطرّ رجال الشرطة الفلسطينيين إلى إغلاق محالّهم. وكانت محلات فلسطينية عديدة قد أغلقت أبوابها منذ الصباح خوفاً من الاعتداءات والمضايقات.
«الوضع تفاقم كثيراً منذ 7 أكتوبر»، قال فيلتمان، في إشارة إلى هجوم حماس على اسرائيل عام 2023، وما تلاه من حرب موسعة على قطاع غزة وصفها كثيرون بأنها إبادة جماعية. حاول فيلتمان وحوالي مئتي ناشط من حركة «الوقوف معاً» يرتدون صدريات بنفسجية أن يقفوا بين المتظاهرين اليمينيين والفلسطينيين، لكنهم تعرّضوا هم أيضاً للاعتداءات في كثير من الأحيان.
المتظاهرون هتفوا شعارات معادية للفلسطينيين مثل «ليحترق قريتك» و«الموت للعرب»، وقد وثّقهم آخرون وهم يبصقون ويشتمون الفلسطينيين. حتى الآن، أوقفت الشرطة ثلاثة عشر شخصاً، بينهم يهود وفلسطينيون.
الجهات اليمينية المتطرفة كانت تحظى بدعم واضح من حكومة اسرائيل. في وقت سابق من اليوم قاد وزير الأمن الوطني إيتامار بن غفير مجموعة كبيرة من الإسرائيليين اليهود إلى باحة المسجد الأقصى ورفع العلم الإسرائيلي أمام قبة الصخرة، ما أثار استنكار الأردن التي دانت ما اعتبرته «انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي واستفزازاً غير مقبول وانتهاكاً فاضحاً للوضع التاريخي والقانوني الراهن». تُشرف الأردن عبر دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس على المواقع المقدسة في القدس الشرقية المحتلة بموجب اتفاق طويل الأمد، ويسعى الفلسطينيون لأن تكون القدس الشرقية عاصمة لدولتهم المستقبلية.
مجتمع عنيف
في العام الماضي تدفق حشود من المتطرفين اليمينيين والمتدينين اليهود المتشددين إلى المدينة، وهاجموا فلسطينيين ورددوا شعارات عنصرية. وصفت صحيفة هآرتس الأمر كدعوة برعاية الدولة لمجموعات قومية متطرفة لدخول الحي المسلم وتحطيم لافتات المحال وكسر الأقفال وضرب الأبواب المعدنية بقضبان الأعلام ولصق ملصقات عنصرية في أرجاء البلدة القديمة.
قال فيلتمان إن الخطاب المعادي للفلسطينيين والعنف المرتبط بـ«يوم القدس» كان يتصاعد بالتوازي مع نمو الحركة القومية الدينية المتطرفة في اسرائيل قبل عام 2023. وأضاف أن قوات الشرطة، التي يشرف عليها بن غفير، كانت تغذي كثيراً من هذا العنف، إذ غالباً ما تصدّر مسؤولية حفظ النظام من قِبله بينما يكون مشاركاً نشطاً في الأحداث نفسها.
منذ انسحاب اسرائيل من غزة عام 2005 ازداد نفوذ التيار الصهيوني الديني في صفوف المستوطنين، فقد بدأ كثيرون يشعرون أن الأراضي التي احتلت عام 1967 — غزة والضفة والقدس الشرقية وهضبة الجولان — مهددة. استغل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وحزبه اليميني المؤيد للمستوطنين هذا التيار لكسب النفوذ، وبعد هجوم 7 أكتوبر دعمت حكومته الحرب الشاملة على غزة التي أدّت، بحسب تقارير، إلى مقتل أكثر من 72 ألف فلسطيني.
تحت إشراف نتنياهو ووزير المالية اليميني المتطرف بيتسائيل سموتريتش، شهد عدد المستوطنات غير القانونية في الضفة المحتلة تصاعداً ملحوظاً. كما برزت مجموعة «شباب التلال» كشبكة فضفاضة من المستوطنين الشباب المتطرفين والعنيفين الذين ازدادت وضوحيتهم وشعورهم بالإفلات من العقاب، فيما تفشّت عنف المستوطنين الذي طالما ميّز وجود اسرائيل في الضفة.
«هناك عنصر مواجهة عميق في المسيرة»، قال إيرام تزدكياهو، باحث في العلاقات اليهودية‑العربية. «الأمر لا يقتصر على الاحتفال بانتصاراتنا؛ بل هو احتفال بانتصاراتنا في غرف المعيشة لدى من خسروا. الاحتفال وحده لا يحمل نفس الأثقال. المقصود الذهاب والترديد من كتاب الصلوات، وتأكيد أنك الشعب المختار، عمداً داخل الحي المسلم في البلدة القديمة.»
«العنف متأصل في ذلك، ويغذيه شباب مفعمون بالهرمونات يبحثون عن المواجهة وموحّدون في رفضهم المطلق للآخر»، أضاف. «لم يبدأ ذلك في 7 أكتوبر، بل له جذور عميقة.»
شرطة متواطئة
غالباً ما تقاعست الشرطة الإسرائيلية عن حماية الفلسطينيين خلال مسيرة الأعلام، ونادراً ما عوقب إسرائيليون يهود على الجرائم العديدة التي ارتكبوها. قال أوفر كسيف من حزب الحدّاش اليساري: «ما يُسمى مسيرة الأعلام… كانت دائماً حدثاً عنيفاً»، مضيفاً أنها تفاقمت في السنوات الأخيرة، خصوصاً منذ 7 أكتوبر. واتهم كسيف حكومة نتنياهو بـ«التحريض الفاشي» على العنف.
ووصف كسيف الشرطة بأنها «ميليشيا خاصة» لبن غفير التي لم توقف «العنف والقتل الجماعي وتدمير المحلات والاعتداءات ضد الفلسطينيين في البلدة القديمة وفي المدينة برمتها».
مع ذلك، حذّر المراقبون من أن اختزال الأمر في شخص بن غفير أو اعتبار عنف مسيرة الأعلام حادثة منفصلة هو تفويت للنقطة الأوسع، خاصة في سياق الحروب المتتالية على غزة ولبنان وإيران. كما قال الباحث آفيب تاتارسكي من مجموعة «إير أمّيم» الناشطة: «من السهل تقليل بن غفير إلى مهرج. يفعل ذلك كثير من الليبراليين الإسرائيليين ليشعروا بتحسن. إنه مريح، لكنه تبسيط مخادع». هم يرفضون الاعتراف بأن هذا جزء من النسيج الاجتماعي الإسرائيلي، وطالما أنهم لا يشعرون بالثقة الكافية ليقولوا امام الناس إن للفلسطينيين حقوقاً وأنهم جزءٌ من هذا المجتمع، فسيبقى الواقع على حاله.
بين-جفير ليس مهرجاً؛ إنه إسرائيل 2026. هو جزء من سلطة ومجتمع يضعان، رغم الحروب مع إيران ولبنان، أولويةً مطلقة لإبعاد الفلسطينيين أينما كانوا، فوق أي اعتبار آخر.