رفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب الرد الإيراني على آخر مقترح سلام قدمه لإنهاء الحرب التي قلبت موازين الاقتصاد العالمي.
ردّاً على المقترح المضاد الذي أرسلته طهران إلى واشنطن عبر وسيط باكستان، اتهم ترامب طهران بـ«اللعب بالأوراق» في تدوينة على منصته، وكتب أن إيران «لعبت ألعابًا مع الولايات المتحدة وبقية العالم لمدة 47 عامًا. لن يضحكوا بعد الآن!» وبعد ساعتين أعاد نفس المنبر قائلاً: «قرأت الآن ردّ ما يسمى بممثلي إيران. لا يعجبني — غير مقبول تمامًا!»
خلافات جوهرية وساحة التفاوض
منذ بدء الهدنة المؤقتة في 8 نيسان/أبريل، تعثّرت المحادثات بين الجانبين. طهران تشترط إنهاء الحرب على كل الجبهات وبخاصة في لبنان، وضمان الأمن البحري في الخليج ومضيق هرمز كبند أولي للمفاوضات، قبل الانتقال إلى قضايا ثانوية تشمل البرنامج النووي والدعم لمحاور إقليمية. من جهته، يطالب ترامب بإعادة فتح مضيق هرمز كشرط أول، وقد جعل القدرات النووية لإيران «خطًا أحمر».
مضمون الرد الإيراني
بحسب تقارير وسائل الإعلام الإيرانية ومصادر مطلعة، اقترحت طهران وقف الأعمال العدائية في كل المنطقة كمرحلة أولى، مع التأكيد على تأمين الملاحة البحرية ورفع الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية وإطلاق الأصول الإيرانية المجمدة، إلى جانب مطالب بسيطة بإنهاء الضربات الإسرائيلية على لبنان والتعهد بعدم التصعيد الإقليمي.
على مستوى البرنامج النووي، عرضت طهران ـ وفقًا لما نقلت عنه بعض الصحف ـ تخفيف تركيز جزء من اليورانيوم عالي التخصيب وتوريد الباقي إلى دولة ثالثة، كما أعلنت استعدادها لتعليق التخصيب لكن لفترة أقصر من مهلة العشرين عامًا التي طلبتها واشنطن، ورفضت مقترحات تفكيك منشآتها النووية. وفي المقابل تطالب الولايات المتحدة بتسليم ما يُقدر بنحو 440 كيلوجرامًا من اليورانيوم عالي التخصيب وخفض مستوى التخصيب إلى صفر.
تباينات في الروايات
وكالة تسنيم شبه الرسمية قالت إن المقترح الإيراني ركّز أكثر على رفع العقوبات النفطية وإطلاق الأصول المصرفية المجمدة ورفع الحصار البحري، ووصفت الرد بأنه «واقعي وإيجابي». المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، قال إن مطالب واشنطن لا تزال «غير معقولة»، وإن رد طهران لم يكن مبالغًا فيه، مضيفًا أن مطلب إنهاء الحرب ورفع الحصار والقرصنة وإطلاق الأصول الإيرانية مطالب «مشروعة».
ساحة العمليات والضغوط المستمرة
على الأرض والبحر، استمر الطرفان في استهداف وسلب واعتراض السفن، وتجدّدت الهجمات على دول خليجية. الإدارة الأميركية فرضت حصارًا بحريًا على الموانئ الإيرانية رغم اتفاق الهدنة، ما زاد من التصعيد. المحللون يرون أن كل طرف يتمسّك بشروطه: واشنطن تصرّ على معالجة الملف النووي قبل إنهاء الحرب، وإيران تصرّ على وقف القتال في الخليج قبل التفاوض حول النووي.
تقديرات ومآلات محتملة
خبراء مثل كريس فيذرستون يشيرون إلى أن طهران لم تتنازل حتى الآن عن شروطها طويلة الأمد، ما أربك موقف ترامب الذي يبدي ترددًا بين عدم تقديم تنازلات تتعارض مع رواية القوة الأميركية، وعدم قدرته على إجبار الإيرانيين على التخلي عن شروطهم. علي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، يرى أن «لا قوة اقتصادية أو عسكرية ستجبر إيران على الاستسلام لمطالب أميركية أقصائية»، وأن أمام ترامب خيارين سيئين: تصعيد حرب لا يستطيع كسبها، أو قبول تسوية يصعب ترويجها سياسياً.
ما الذي قد يفعله ترامب؟
مصادر أخرى ترى أن ترامب من غير المرجح أن يعود إلى حرب شاملة، لكنه قد يختار تصعيد الضغوط الاقتصادية وتوسيع الحصار البحري، وربما تنفيذ عمليات عسكرية محدودة على زوارق وطائرات بدون طيار ومنصات صواريخ مهددة للملاحة حول مضيق هرمز، مع محاولة الدفع باتجاه مشاركة أوروبية وآسيوية في مرافقة السفن. لكن كما قال مراقبون، «لا تبقى في الصندوق الكثير من الأدوات».
خلاصة
الاختلافات الجوهرية حول تسلسل الخطوات: إيران تريد وقف القتال وضمان الملاحة ثم التفاوض بشأن النووي، والولايات المتحدة تريد ضبط الملف النووي أولاً. في غياب تحرّك جاد من أحد الطرفين للتنازل عن شرط محوري، تبدو المفاوضات عالقة بلا مسار واضح للخروج من المأزق، فيما تستمر الضغوط البحرية والاقتصادية وسياسات الإقناع على الأرض وتلوح إمكانيات تصعيد إقليمي يصعب التكهن بعواقبه. الخطر الأكبر يبقى في تحويل الجمود الدبلوماسي إلى تصعيد يصعب احتواؤه؛ والقرار النهائي مرهون بالموازين السياسية الاستراتيجية لدى واشنطن وطهران، وبقدرة الوسطاء على إيجاد صيغة مقبولة للطرفين في وقت قصير حفاظًا على الاستقرار الإقليمي.