لا يتحمّل العالم فشله في دعم صحة النساء والأطفال والمراهقين — الصحة

في كثير من مناطق العالم، ما زال الولادة تحيط بها مخاوف أكبر من الآمال: عيادة بلا كهرباء، ممرضة بلا مستلزمات، أم تعلم أن إنعاش حياة قد يكلفها حياتها. هذه المخاوف ليست مجرد شعور؛ بل تؤكدها الأرقام. كل دقيقتين على مستوى العالم تموت امرأة أثناء الولادة. سنوياً، يكاد يقارب خمسة ملايين أطفا لا يعيشون حتى عيد ميلادهم الخامس. وتلك الأرقام ستقفز إذا استمرت التخفيضات في المساعدات. مجلة لانست الطبية تقدر أنه بحلول 2030 قد تموت أكثر من 14 مليون شخص إضافي، من بينهم 4.5 مليون طفل دون سن الخامسة — بمثابة محو مدينة بحجم أبوجا أو برازيليا أو روما.

المعيار الحقيقي لتقدم العالم لا يقاس في أسواق المال أو بيانات القمم، بل فيما إذا نجت المرأة من الحمل والولادة، وما إذا تلقى الطفل لقاحات كافية وتغذية مناسبة، وما إذا تمكن المراهق من النمو بصحة وأمان وأمل. حين تزدهر النساء والأطفال والمراهقون، تصبح المجتمعات أقوى والاقتصادات أكثر مرونة، والدول أكثر استعداداً للمستقبل. وعندما يُخيّب أملهم، تُقاس الخسائر ليس فقط بالأرواح والمعاناة التي كان يمكن تجنبها، بل بإهدار إمكانات بشرية هائلة.

لذلك؛ يُعد الاستثمار في صحة النساء والأطفال والمراهقين من أهم الاستثمارات التي يمكن لأي حكومة القيام بها. الأدلة غَزيرة وواضحة: سد الفجوة في صحة النساء وحدها قد يضيف على الأقل تريليون دولار للاقتصاد العالمي سنوياً بحلول 2040. كل دولار يُستثمر في تطعيم الأطفال أو في الصحة النفسية للمراهقين يعيد نحو عشرين دولاراً على مدى العمر — عبر وفورات في النفقات الصحية، وزيادة الإنتاجية، وفي أرواح تستمر في البناء والعطاء. النساء الصحيات يؤسسن لعائلات واقتصادات قوية؛ الأطفال الأصحاء يشكلون قوى عاملة ومواطنة مستقبلية قادرة على المشاركة وبناء سُبل عيش مستقرة ومجتمعات أكثر رخاء.

يقرأ  النيابة العامة التركية تصادر تكتلًا إعلاميًّا في إطار تحقيق بتهمتي «الاحتيال»

ومع ذلك، تُدفع أنظمة الصحة حول العالم إلى حافة الانهيار بفعل تقليص المساعدات، وتنامي الدين، والصراعات، وضيق المساحات المالية. في 2025، تراجع حجم المساعدات الإنمائية الرسمية بنسبة 23% — أكبر هبوط سنوي في التاريخ. في أكثر من خمسين بلداً يفقد العاملون في الرعاية الصحية وظائفهم وتنهار خطوط التدريب. في أماكنٍ عديدة، خُفضت خدمات رعاية الأمهات والتطعيمات والاستجابة للطوارئ بنسبة تصل إلى 70%. وفي الوقت نفسه، تتعرض الحقوق الجنسية والإنجابية لهجمات سياسية متصاعدة، مما يُهدد مكتسبات تحققت بشق الأنفس.

الوِزر الأكبر يقع على كاهل النساء والفتيات. في 2023، كانت ستة من بين كل عشرة وفيات أمومة في بلدان تشهد نزاعاً أو هشاشة. في الواقع، المرأة التي تعيش في بلد متأثر بالصراع معرضة لخطر الوفاة لأسباب متصلة بالحمل أكثر بخمس مرات من مثيلتها في دولة مستقرة. كثير من النساء ما زلن محرومات من رعاية أمومية ذات جودة، ومن وسائل منع الحمل، ومن خدمات إنجابية أساسية. كثير من الفتيات يواجهن العنف والتمييز وحواجز تحول دون حصولهن على الرعاية، مما يقيد ليس فقط صحتهن، بل حريتهن ومستقبلهن. وعندما تضيق الميزانيات، تكون النساء والأطفال أول من يتأثرون وآخر من تُحمى مصالحهم.

هذا الواقع ليس حتمياً. إنه خيار سياسي.

في جنوب أفريقيا نعمل على تعزيز الرعاية الصحية الأولية، وتوسيع الوصول العادل إلى خدمات ذات جودة، والاستثمار في القوى العاملة الصحية، وبناء نظام صحي أشمل يصل إلى الأكثر احتياجاً. نحن ندرك أن التقدم في الصحة مترابط بلا انفصال مع التقدم في المساواة والتنمية. لا يمكن لمجتمع أن يزدهر إذا حُرمت نساؤه من الرعاية، أو تُرك الأطفال بلا حماية، أو استُبعد المراهقون من الخدمات والفرص التي يحتاجونها ليزدهروا.

يقرأ  انضمام ناشطة من جماعة مرتبطة بالإرهاب إلى القافلة البحرية الأخيرة المتجهة إلى غزةبرفقة غريتا ثونبرغ

في إسبانيا، أدت الخدمة الصحية العامة الوطنية إلى تغطية شاملة وإلى واحدة من أدنى معدلات وفيات الأمهات والرضع في العالم. نؤمن — برؤية وعزيمة وتضامن — أن ما حققناه محلياً يمكن تحقيقه عالمياً. ولهذا فإن الاستراتيجية الإسبانية للصحة العالمية 2025–2030 تضع العدالة، وأنظمة صحية مرنة، والحقوق الجنسية والإنجابية في قلب عملنا الدولي، ونعمل على رفع الطموح العالمي بشأن تمويل التنمية المستدامة والدفاع عن المساواة بين الجنسين كقيمة ديمقراطية وتنموية. كما سنواصل الدفع من أجل إصلاحات في البنية المالية الدولية لضمان أن يحقق التموييل أثراً حقيقياً للفئات الأشد حاجة.

قد تبدو هذه القضايا تقنية، لكن عواقبها إنسانية بامتياز. هي التي تحدد ما إذا كانت أنظمة الصحة قادرة على تجنيد والاحتفاظ بالعاملين، وما إذا كانت الأدوية تصل إلى العيادات، وما إذا كانت المرأة تستطيع الوصول إلى الرعاية بأمان، وما إذا نال الأطفال والمراهقون فرصتهم العادلة في الحياة.

علينا أيضاً أن نكون صريحين في الدفاع عن الحقوق الجنسية والإنجابية. هذه الحقوق ليست ثانوية ولا قابلة للتفاوض. إنها جوهر الكرامة والمساواة والصحة العامة. لا ينبغي أن تُحرم أي امرأة أو فتاة من رعاية منقذة للحياة لأسباب سياسية أو فقر أو تمييز. ولا يمكن لأي مجتمع أن يدّعي تقديره للعدالة وهو يتسامح مع عنف قائم على النوع أو بتآكل استقلالية وحقوق النساء.

السؤال أمام المجتمع الدولي إذن ليس ما إذا كان بإمكاننا تحمل تكلفة الاستثمار في النساء والأطفال والمراهقين، بل ما إذا كان بإمكاننا تحمل عدم الاستثمار. الجواب واضح: تكاليف التقاعس طويلة الأمد — مزيد من عدم الاستقرار، تفاقم عدم المساواة، اقتصادات أضعف وملايين الوفيات الممكن تفاديها — أعلى بكثير من تكلفة العمل الآن. أعلى حتى من تكلفة إبقاء الأنوار مضاءة في تلك العيادة.

يقرأ  مقيم في تينيريفي يصف الخطة بأنها «متهورة» مع اقتراب سفينة يُشتبه في حملها فيروس الهانتا

في هذا الإطار تنضم إسبانيا إلى شبكة القادة العالمية، التي تجمع رؤساء حكومات ورؤساء دول ملتزمين بترقية صحة وحقوق النساء والأطفال والمراهقين. لكن هذا الجهد لا ينبغي أن يقتصر علينا. التحديات كبيرة والرهانات عالية لدرجة أن القيادة لا يمكن أن تظل محصورة في عدد قليل من البلدان.

نحتاج إلى حكومات أكثر تتقدم للحماية الفعلية للخدمات الصحية الأساسية، والاستثمار في العاملين في الخطوط الأمامية، والدفاع عن الحقوق الجنسية والإنجابية، وضمان أن تُثمر إصلاحات التمويل عن نتائج ملموسة لمن هم في أمسّ الحاجة إليها. نحتاج إلى مزيد من القادة ليدركوا أن النساء والأطفال والمراهقين ليسوا قضية هامشية في السياسة العالمية، بل هم المعيار الأوضح لنجاحها.

هذا وقت للجرأة السياسية: اختيار الاستثمار بدل الانسحاب، والتضامن بدل اللامبالاة، والعمل بدل الاكتفاء. وقبل كل شيء، لحظة للاعتراف بحقيقة بسيطة: إذا لم تكن النساء والأطفال والمراهقون في صلب قراراتنا، فلن يكون المستقبل عادلاً أو مستقراً أو مستداماً. وإذا وُضعوا في المركز، فإن مستقبلًا أفضل يبقى في متناول اليد.

أضف تعليق