الحظر البحري الأميركي على إيران يدخل حيز التنفيذ
دخل الحظر البحري الذي تفرضه الولايات المتحدة على الموانئ الإيرانية حيز التنفيذ، في إطار محاولة إدارة الرئيس دونالد ترامب زيادة الضغوط على طهران لإجبارها على قبول شروط إنهاء الصراع عبر خنق الاقتصاد الإيراني. أعلن بدء الحصار عند الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش يوم الاثنين، وردت القوات المسلحة الإيرانية بوصفه «عملاً غير قانوني» يصل حد القرصنة.
كيف سيؤثر الحصار على عوائد النفط الإيرانية؟
تعتمد إيران في صادراتها بشكل رئيسي على النفط والغاز المنقولة عبر موانئها ومضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط والغاز العالمية في أوقات السلم. بعد اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في 28 فبراير، أبلغت طهران عملياً عن إغلاق للمضيق، وهو ما رفع أسعار النفط والغاز عالمياً، لكن في الوقت نفسه سيطرت إيران على الممر وسمحت بعبور سفن بعقود فردية.
رغم ذلك ظلت صادرات إيران عبر المضيق مستمرة خلال الأسابيع الماضية، وتُقدّر حصة صادرات النفط المتدفقة عبر هرمز بنحو 80% من إجمالي صادراتها النفطية. أظهرت بيانات مؤسسات مراقبة التجارة أن صادرات الخام الإيرانية بلغت نحو 1.84 مليون برميل يومياً في مارس، وما يقارب 1.71 مليون برميل يومياً في مطلع أبريل، مقابل متوسط نحو 1.68 مليون برميل يومياً في عام 2025. بعبارة أخرى، ارتفعت الصادرات عبر المضيق في مارس وبدايات أبريل.
في الفترة من 15 مارس إلى 14 أبريل صدّرت إيران حوالي 55.22 مليون برميل. وسعر البرميل الإيراني (بمختلف أنواعه: خفيف، ثقيل ومزيج فوروزان) لم ينخفض خلال الشهر الماضي تحت مستوى 90 دولاراً، وفي أيام كثيرة تجاوز 100 دولار للبرميل. وعلى تقدير متحفظ بقيمة 90 دولاراً للبرميل، فإن عائدات النفط الإيرانية خلال الشهر الفائت قُدّرت بنحو 4.97 مليار دولار، مقارنة بما كان تحققه إيران في أوائل فبراير قبل الحرب والمقدّر بنحو 115 مليون دولار يومياً (أي نحو 3.45 مليار دولار شهرياً). وبذلك تكون الإيرادات الشهرية الحديثة أعلى بنحو 40% من ما كانت عليه قبل الحرب.
غير أن الحصار الأميركي على الممرات البحرية وموانئ إيران سيضرب قدرة طهران على تصدير الخام مباشرة وبشكل حاد، وفق خبراء. يقول محمد المصري، أستاذ في معهد الدوحة للدراسات العليا، إن إيران لن تكون قادره (خطأ شائع) على التصدير بالمستوى نفسه، خصوصاً بعد تقارير عن تقاضي طهران رسوم عبور من سفن دولية سمحت لها بالمرور، وهو ما يقلص أيضاً إمكانية جني إيرادات تلك الرسوم. ويذهب فريدريك شنايدر، زميل غير مقيم في مجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية، إلى القول إن الأسابيع الستة الماضية كانت فترة انتعاش لعائدات إيران النفطية، لكن الحصار سيقلب المعادلة.
تتوفر لدى إيران احتياطيات نفطية عائمة في صهاريج مراقبة («ناقلات متوقفة») تقدر بنحو 127 مليون برميل في فبراير، ووفق تقديرات وكالة استخبارات بحرية بلغت مخزونات النفط الإيرانية على المياه حوالي 157.7 مليون برميل مع نهاية الأسبوع، وأكثر من 97% منها متجهة إلى الصين. تحذّر وكالات مثل Windward من أن كل هذا النفط قد يتأثر بالحظر الأميركي.
هل سيتأثر سائر التبادل التجاري؟
نعم. لن تقتصر تأثيرات الحصار على النفط فقط، بل ستمتد إلى صادرات إيران غير النفطية كالبتروكيماويات والبوليمرات والمنتجات الزراعية التي تذهب بالأساس إلى أسواق مثل الصين والهند، وكذلك إلى واردات حيوية من آلات صناعية وإلكترونيات وغذاء من الصين والإمارات وتركيا. أظهرت بيانات جمارك إيران أن قيمة التجارة غير النفطية بلغت نحو 94 مليار دولار في فترة تسعة أشهر حتى يناير، مع عجز تجاري ناجم عن تفوق الواردات على الصادرات. أي تراجع في هذا النوع من التجارة سيؤدي لا محالة إلى ضغوط على الإمدادات المحلية وازدياد النقص في سوق تعاني أصلاً من آثار عقوبات سابقة.
في حال تعطّل النقل غير الهيدروكربوني سيكون الضرب مزدوجاً: خسارة إيرادات وتجدد أوجه النقص المحلي. يرى شنايدر أن السؤال المركزي هو ما إذا كانت زيادة المعاناة ستدفع إيران للتراجع والتنازل أم ستشدّ من عزيمتها وتصعّد الموقف؛ ومع ذلك يعرب عن شكوكه في أن تستمر فعالية الحصار أو أن يكون طويل الأمد.
هل لدى إيران بدائل؟
نعم، جزئياً. سعَت إيران مع الصين إلى تطوير روابط برية وقطارات تقلّل الاعتماد على ممرات بحرية حساسة مثل هرمز ومالاكا. استُخدمت خطوط سكة حديد عبر دول آسيا الوسطى (كازاخستان، أوزبكستان، تركمنستان) منذ منتصف العقد الماضي، ووصلت أولى القطارات البضائعية من الصين إلى إيران في 2016، ثم انطلقت روابط مباشرة من شيآن إلى ميناء بري جاف في إيران لاحقاً، ما يفتح ممراً بديلاً للنقل البري.
تُشير تقارير استشارية إلى أن السكة الحديد الصينية–الإيرانية تخفف مخاطر الاعتراض البحري من قبل قوى غربية، كما تُستخدم في بعض الأحيان لتقليل الاعتماد على سفن «الشحن المظلم» أو «الناقلات الشبحية» التي تطفئ أنظمة التعريف الآلي لتجنب الرصد وفرض العقوبات. مع ذلك، ثمة تحديات لوجستية كبيرة في نقل الهيدروكربونات بالقطار، ولا توجد دلائل قوية حتى الآن على نقل كميات معتبرة من النفط الإيراني براً إلى الصين.
المشهد المتبقي: كيف سينتهي الأمر؟
ثمة عوامل كثيرة تحكم مسار الأزمة، ومن بينها الموقف الصيني. يشير شنايدر إلى أن معظم الناقلات الإيرانية متجهة إلى الصين، ومن الصعب تصور قبول بكين للحصار أو أن تتخلى عن مصالحها التجارية بهذه السهولة. كما يستبعد أن تقوم البحرية الأميركية بمصادرة أو إسقاط هذه السفن، مما يجعل الموقف هشّاً للغاية وقد ينقلب سريعاً نحو هدنة وتهدئة أو نحو تصعيد يستدعي ضربات جوية وصاروخية جديدة.
الخلاصة: الحظر قد يسبب ضرراً اقتصادياً كبيراً لإيران على المدى القصير، لكنه يواجه قيوداً عملية وسياسية قد تحد من مدى ودوام تأثيره. وفي كل الأحوال، تبقى نتيجة المواجهة مرتبطة بمدى تصميم الأطراف الخارجية—وخاصة الصين—على الحفاظ على مصالحها أو تصعيد المواجهة. كما أن تأثيراته على الشعب الإيراني قد تكون فادحة إذا استمر وتعطلت شبكات الإمداد الأساسية، ما يفاقم أزمة اقتصادية كانت قد بدأت قبل الحرب. الشحونات (خطأ شائع) المتجهة للصين وبقية الأسواق ستكون مفتاح المعركة الاقتصادية المقبلة.