لم تمضِ أيام على اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في 15 أبريل 2023 حتى أجبر صوت إطلاق النار عائشة آدم، البالغة خمسين عامًا، على الفرار من منزلها في حي الكلاكلة بالخرطوم. لجأت إلى مدينة أم درمان المجاورة، لكن القتال تبِعها، فاضطرت في مايو 2023 إلى البحث عن ملجأ جديد. قادها ذلك إلى مخيم للنازحين داخليًا في بورتسودان، على ساحل البحر الأحمر، حيث تعيش مع حفيدها اليتيم وابن أخيها.
قالت عائشة إنها في خضم الاشتباكات خرجت مع حفيدها إلى محطة الحافلات، وكانت تنوي السفر إلى ود مدني في ولاية الجزيرة جنوب الخرطوم، لكنها وجدت حافلة متجهة إلى بورتسودان فصعدت إليها، رغم أن كل ما عرفته عن المدينة أنها آمنة.
وبحسب عاملين في المجال الإنساني، أسفرت الحرب بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع عن مقتل ما يصل إلى 200 ألف شخص، ونزوح 13 مليون شخص، وأدت إلى مجاعة في أجزاء من البلاد.
بعد اضطرار عائشة إلى الانتقال إلى بورتسودان، أقامت في البداية في مأوى للنازحين في وسط المدينة. وفي يونيو، نُقلت هي وآخرون إلى مركز للنزوح في أطراف المدينة. وُزعت أماكن الإقامة حسب حجم الأسرة، فأُعطيت خيمة لتتقاسمها مع الطفلين اللذين ترعاهما، وكانت تشترك في حدودها مع أسرتين أخريين.
تقول عائشة إنها تلقت في المأوى الأول بعض المساعدة من منظمات ووكالات وحتى من أشخاص عاديين، لكن الوضع هنا مختلف. فقد انخفضت المساعدات التي تتلقاها بدرجة كبيرة، ما دفعها إلى محاولة إيجاد عمل لتجنب الموت جوعًا.
وتأتي معاناة عائشة في تأمين الطعام للطفلين في وقت يواجه فيه السودان نقصًا متزايدًا في الغذاء. ففي بيان مشترك صدر في 27 أكتوبر، حذرت وزارة الخارجية الأميركية من تدهور توافر الغذاء ومن خطر المجاعة في الأشهر المقبلة. وجاء في البيان أن السودان يشهد تدهورًا مقلقًا في أمنه الغذائي، وأن خطر المجاعة في الأشهر المقبلة، كما حذر التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، يتطلب تحركًا عاجلًا.
ورغم تنوع الغذاء في متجر قريب، تعتمد عائشة آدم أساسًا على الأرز والعدس، فيما تبقى مواد غذائية أخرى خارج قدرتها المالية. وتعيش عائشة واقع هذه التحذيرات، إذ أصبح البحث عن الطعام صراعًا يوميًا. فقد كانت المساعدات الإنسانية محدودة خلال الأشهر الستة الماضية، وتتذكر أنها تلقت مساعدة ثلاث مرات فقط. في إحدى المرات تلقت 550 ألف جنيه سوداني، أي ما يعادل 59.13 دولارًا، نقدًا. وفي مرة أخرى أُعطيت 12 كيلوغرامًا من الطحين. وفي آخر توزيع حصلت على مستلزمات نظافة شخصية للنساء.
تقول عائشة إنه لا خيار أمامها سوى العمل، إذ لا أحد يمكنها الاعتماد عليه. فابناها مفقودان ولا تعرف مكانهما، بينما توفي ابنها الآخر قبل أن تبدأ الحرب.
تخرج عائشة من مكان إقامتها مبكرًا وتتجه إلى سوق قريب، حيث تصنع وتبيع الزلابية، وهي حلوى مقلية تقليدية في السودان، إلى جانب الشاي والقهوة. بعض الأيام تربح، وفي أيام أخرى تخسر.
قالت إنها لا تعرف كيف تحسب ربحها، لكنها بمجرد أن تنتهي من بيع الزلابية تذهب لشراء مكونات اليوم التالي: ثلاثة كيلوغرامات من الطحين بـ21 ألف جنيه، أي 2.25 دولار، ولترين من الزيت بـ22 ألف جنيه، أي 2.36 دولار، وثلاثة أكياس فحم بـ9 آلاف جنيه، أي 0.97 دولار.
وتقول عائشة إن المال المتبقي بعد شراء هذه المستلزمات غالبًا لا يكفي لتوفير وجبة لها وللطفلين اللذين ترعاهما. فكيلوغرام واحد من العدس، وهو من أرخص المواد الغذائية المتاحة لها، يكلف 16 ألف جنيه، أي 1.72 دولار. ولم يعد اللحم على قائمة مشترياتها، ويتكون غذاؤها الآن أساسًا من العدس والأرز.
وقالت إن منظمات إغاثية وفرت الماء خلال الأيام الخمسة الماضية، أما قبل ذلك فكانت تشتري 18 لترًا بـ1500 جنيه، أي 0.16 دولار. وأحيانًا لم يكن معها المال فكانت تضطر إلى الاقتراض.
تقول عائشة إن أولويتها هي الحفاظ على مشروعها الصغير، فهو يساعدها على وضع الطعام على المائدة، ويساعدها أيضًا على التعامل مع ألم عدم معرفة ما حدث لابنيها المفقودين. وتضيف أن المهم هو أن يأكلوا، حتى لو كان الطعام عدسًا وماءً فقط دون أي شيء آخر، لكن أكبر خوفها أن يمرضوا، لأنهم لا يملكون مالًا للعلاج.
تعكس معاناة عائشة أزمة الغذاء الأوسع التي يواجهها ملايين الأشخاص في السودان. ففي 22 أكتوبر 2026، أعلن برنامج الأغذية العالمي أن نقص التمويل أجبره على خفض المساعدة الغذائية الشهرية للنازحين، بما يؤثر في نحو 900 ألف شخص.
وفي الوقت نفسه، يواجه نحو 19.5 مليون شخص في أنحاء البلاد جوعًا حادًا، بينهم خمسة ملايين يعانون مستويات طارئة من نقص الغذاء. ويستمر خطر المجاعة في عدة بؤر جوع، خصوصًا في دارفور الكبرى وكردفان الكبرى، بحسب البرنامج.
وتقول إسراء محمد، مشرفة مخيم السريحة 8 للنازحين في الأبيض، إن الأسر النازحة تواجه نقصًا حادًا في المساعدات الإنسانية، وتفتقر حتى إلى أبسط الضروريات. وأضافت أن في المخيم 450 نازحًا مسجلًا، إضافة إلى 40 شخصًا وصلوا حديثًا ولم يضافوا بعد إلى السجلات الرسمية. ويصل معظمهم بملابس ممزقة بعد رحلاتهم، ولا شيء يحميهم من الشمس أو المطر، ولا يجدون حتى وجبة واحدة.
وتقول إسراء إن بعض المنظمات تقدم مساعدات غذائية، منها نحو 400 مليلتر من زيت الطهي للشخص و250 غرامًا من البازلاء للشخص. وتوزع منظمة أخرى العدس والطحين والزيت والملح. لكن هذه الإمدادات لا تكفي لإعالة أسرتها شهرًا كاملًا، ما يدفعها ويدفع نازحين سودانيين آخرين إلى البحث عن أعمال عارضة لتغطية احتياجاتهم. بعضهم يجدون عملًا، وفي أحيان أخرى يذهبون إلى النوم دون طعام.
وقالت محمد إن في المخيم مئة طفل، بينهم ثلاثون يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم، ويحتاجون بشكل عاجل إلى ملابس تقيهم الطقس القاسي وتغطي أجسادهم الصغيرة.
وذكرت محمد أن بعض النازحين القادمين من جنوب كردفان أخبروها بأنهم اضطروا إلى أكل أوراق الأشجار وهم يفرون من ديارهم خوفًا من القتل على يد قوات الدعم السريع، بعد تقارير عن مقتل مدنيين أو احتجازهم أو اغتصابهم على يد مقاتلين من القوات.
ويصف أحمد إسماعيل، وهو خبير في شؤون الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية، الوضع الإنساني في السودان بأنه خطير للغاية، إذ تتجاوز الاحتياجات الأساسية للسكان بكثير الدعم المقدم.
وقال إن السودان يواجه أزمة مركبة تشمل المجاعة والنزوح وانهيار الخدمات الصحية وتدمير سبل العيش وانتهاكات جسيمة بحق المدنيين.
وأشارت المراقبة الإنسانية إلى ارتفاع وفيات المدنيين، بما في ذلك وفيات مرتبطة بصعوبة الوصول إلى الغذاء والرعاية الصحية والمأوى، إضافة إلى ضحايا الهجمات والانتهاكات، ومنها هجمات بطائرات مسيرة.
وقال إسماعيل إن تراجع المساعدات يحرم الأسر الأشد ضعفًا من الغذاء والدواء، ما يزيد خطر الموت بين الأطفال والنساء وكبار السن، خصوصًا في مناطق النزاع والنزوح.
وحذر من أن استمرار تقليص المساعدات، مع تصاعد الانتهاكات وقيود الوصول الإنساني، قد يحول الأزمة إلى كارثة أوسع.
وقال إن نفي خطورة الأوضاع في بعض المناطق لم يغيّر واقع المعاناة التي يعيشها المدنيون.