منع الهواتف في المدارس خطوة جيّدة… لكن الأهم الآن إعادة الاعتبار للتفكير على الورق.

حظر الهواتف المحمولة في الفصول الدراسية كان خطوة مهمّة، بل انتصاراً حقيقياً للمدارس، لأنه أزال مصدر إلهاء كبيراً. لكن هذا الجيل من الطلاب لم يعرف يوماً تعليماً لا تكون فيه الشاشات هي الوسيلة الأساسية. لذلك على المدارس أن تسأل نفسها: هل الشاشات الأخرى التي نستخدمها مناسبة فعلاً لتطوير التفكير النقدي؟

لدرّست ثلاثة أجيال من الطلاب. الجيل الأول، من 2003 إلى 2008، كان جيل ما قبل الهواتف الذكية. كان الطلاب يحملون هواتف، لكنها لم تكن أدوات جذابة أو مشتتة، ولم يكن الأمر يتجاوز أحياناً توجيه ملاحظة لطالب يلعب لعبة “الأفعى” في الفصل.

أما الجيل الثاني، من 2009 إلى 2019، فهو جيل الهواتف الذكية. خلال هذه الفترة أصبحت التكنولوجيا جزءاً أكبر من الفصل الدراسي، خاصة بعد انتشار أجهزة “كروم بوك” بشكل واسع حوالي عام 2012. صار من المتوقع وجود بعض التقنية في الدرس، مثل شرائح “باور بوينت” أو فيديو تعليمي قصير، إلى جانب وسائل إلهاء رقمية أخرى. لاحظت في هذه الفترة أن مدى انتباه الطلاب تقلّص، وأصبح إلقاء الدرس أكثر صعوبة.

الجيل الثالث، جيل ما بعد كوفيد، بدأ حياته الدراسية مع الحاسوب المحمول. وهذا الجيل غالباً لم يعرف تعليماً لا يتضمن جهازاً رقمياً داخل الفصل. التعليم القائم على الشاشات أصبح هو القاعدة بالنسبة له.

لاحظت الفرق بوضوح عند تكليف الطلاب بواجبات منزلية يكتبونها في البيت ويرسلونها عبر الإنترنت. كانت الأعمال التي يسلّمونها إلكترونياً مختلفة نوعياً عن الكتابة التي يقومون بها يدوياً في الفصل. الشيء الرئيسي الذي لفتني هو أن تفكيرهم ولغتهم كانا أبسط بكثير عندما طلبت منهم الكتابة في المدرسة.

ربما كان بعضهم يكتب أفكاره بنفسه ثم يضعها في أداة تدقيق رقمية مثل “غرامرلي” أو ما شابه ذلك لتحسين الصياغة. وقد يكون بعضهم يستعين بنموذج ذكاء اصطناعي. لذلك بدت الكتابة المنزلية أكثر نضجاً من الكتابة الصفية.

يقرأ  «قُتل نصف أصدقائي»قصف مدرسة في الأبيض

عندما سمحت للطلاب باستخدام أجهزتهم المحمولة في واجب صفي، واجهت صعوبة كبيرة في إبقائهم مركزين على المهمة. بعضهم كان يطلب فوراً الاستماع إلى الموسيقى عبر السماعات، مدعياً أنه “لا يستطيع الكتابة بدون موسيقى”. وبعضهم كان يبدأ مباشرة في “البحث عن الموضوع”، وكان هذا البحث يتطلب دائماً فتح عدة نوافذ، واحدة منها على الأقل لعبة أو شيء لا علاقة له بالدرس. كنت أستطيع رؤية كل هذا من خلال تطبيق مراقبة على حاسوبي. كان الطلاب يعرفون أنني أرى نشاطهم الرقمي، لكن ذلك لم يمنعهم.

وصلت إلى نتيجة مفادها أن أحد التحديات الكبرى لهؤلاء الطلاب هو أنهم لم يتعلموا أبداً القيام بعمل مركّز، بحيث يوجّهون معظم انتباههم إلى مهمة واحدة. تعلّم التركيز كان دائماً صعباً، لكن الفرق الآن هو أن الأدوات الرقمية التي تساعد الطلاب تكفي لجعل حتى أبسط الأعمال تبدو جيدة.

في السنوات الأخيرة، جعلت الطلاب يكتبون واجباتهم يدوياً في مجلة علمية أسبوعية. كان عليهم أن يكتبوا ما أكتبه على السبورة، وأن يدوّنوا ملاحظاتهم وأسئلتهم وتأملاتهم بشكل رسمي. كان هذا يتطلب كتابة ثلاثة أو أربعة صفحات أسبوعياً خلال الحصة المزدوجة.

اشتكى الطلاب كثيراً من هذا الأمر. كان رد فعلهم المباشر أن يطلبوا استخدام الحواسيب المحمولة. رفضت ذلك إلا إذا أحضروا توقيعاً من طبيب، وقد حصل أحدهم فعلاً على ذلك بسبب عسر الكتابة. أما الباقون فكان عليهم الكتابة باليد.

مع مرور العام الدراسي، لاحظت تغيراً. أصبحت كتاباتهم أكثر نضجاً، وملاحظاتهم أدق، وتأملاتهم أعمق، وجودة أسئلتهم أفضل. لقد صنعوا لأنفسهم سجلاً يوضح تطور تفكيرهم وتغير عاداتهم الذهنية. رأى الطلاب وأهالهم الفرق بين قدرتهم على التعبير عن أفكارهم في سبتمبر مقارنة بشهر يونيو.

من الممكن أن الكتابة اليدوية تحفّز استجابة عصبية مختلفة لدى الطلاب. لكن يبدو أكثر احتمالاً أن الكتابة في المجلة فرضت عليهم نوعاً من الضغط الذي لم يعتادوا عليه، وهو التركيز المستمر على مهمة واحدة.

يقرأ  شي جين بينغ يدافع عن التعددية في قمة آبيك عقب إبرام صفقة مع ترامب

لا أريد أن يبدو كلامي وكأني ألوم الطلاب. فهذه ليست مشكلة صنعوها بأنفسهم. لقد تعلموا أن الكتابة أداة لإظهار ما يعرفونه، وليست وسيلة لاكتشاف أفكارهم وتوضيحها. تعلموا أن الكتابة لعرض المعرفة، وليس لاستكشاف التفكير.

كما أنني لا أريد أن أذكر نظام التعليم في التسعينيات بطريقة مثالية. فأنفسي كنت طالباً سهل التشتت، وكنت أفضل كتابة الواجبات على الآلة الكاتبة أو الحاسوب. ولا أعتقد أن أحداً علّمني رسمياً أن الكتابة يمكن أن تكون أداة لاكتشاف الفكر وبلورته.

لكن الفرق الأساسي بين التعليم الذي تلقيته والتعليم الذي يتلقاه طلاب اليوم هو أنني كنت مضطراً لقضاء وقت أطول في التركيز على العمل الموجود أمامي، لأن فرص تشتيت انتباهي بما هو أكثر جذباً كانت أقل. أحلام اليقظة والرسم على الهامش ليسا بنفس إغراء ألعاب الفيديو وتبادل الصور والميمات.

المدارس خطت خطوة إيجابية بحظر الهواتف، وهي أكبر مصدر إلهاء. لكن إذا لم نقلل من اعتماد الطلاب على جميع الشاشات الأخرى، فلن يطوروا النوع المعقّد من التفكير الذي يأتي من إطالة الانتباه إلى فكرة واحدة والعمل عليها.

حاولت المدارس إغلاق المواقع، وحظر الموسيقى، وتصفية المحتوى، لكن الطلاب سرعان ما يجدون طرقاً لتجاوز هذه القيود، بل ويفتخرون بمشاركة معرفتهم مع زملائهم. أما تكليف الطلاب بمزيد من العمل على الورق فيزيل تماماً إمكانية الانشغال بأي شيء آخر.

إذا جعلت المدارس من سياساتها تشجيع الكتابة اليدوية بشكل صريح بدلاً من السماح بالطباعة في كل شيء، فستشجع بذلك شكلاً أبطأ من التفكير، وهو الشكل الذي يفتقر إليه هذا الجيل. لقد رأيت تحسناً في تفكير طلابي، لكنه كان صراعاً. وسيكون الصراع أقل إذا اعتمدت المدارس هذا الاتجاه كجزء من رسالتها، وشدّدت على التفكير الورقي كخيار أساسي وليس كخيار احتياطي.

يقرأ  محكمة أمريكية تمنح ترامب نصراً في مواجهة الناشط المؤيد للفلسطينيين محمود خليل — أخبار المحاكم

أضف تعليق