هل ينجح ترامب في إحياء محادثات السلام بين روسيا وأوكرانيا؟

زيارة مبعوثَي البيت الأبيض ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى موسكو وكييف أثارت أسئلة أكثر مما قدّمت إجابات. التفاصيل حول ما جرى في اللقاءين شبه غائبة، لكن جميع الأطراف تصف الحديث بأنه “إيجابي”.

لا شكّ أن تحرّك الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإحياء المفاوضات في هذه المرحلة تطور إيجابي بحدّ ذاته. غير أن أكبر عقبة تواجهه هي أن الموقف الروسي ازداد تشدداً.

فروسيا تريد أوكرانيا محايدة فعلاً، من دون أي وجود عسكري غربي، سواء كان علنياً أو خفياً. وهي تريد الإبقاء على الأراضي التي سبق أن ضمّتها، وتصرّ على انسحاب أوكرانيا من الجزء الصغير من دونباس الذي ما زال تحت سيطرتها.

كما تطالب موسكو بوضع سقف لحجم الجيش الأوكراني ولأنواع الأسلحة التي يُسمح لأوكرانيا بحيازتها. وتريد أيضاً حلّ الجماعات اليمينية المتطرفة والفصائل شبه العسكرية ومنعها قانونياً، وإلغاء القوانين التي تحدّ من استخدام اللغة الروسية، وإجراء انتخابات يمكن للأحزاب الموالية لروسيا أن تخوضها بحرية مقابل الأحزاب الموالية للغرب.

بالنسبة لأوكرانيا وداعميها الأوروبيين، سيكون هذا الأمر صعب الهضم، خصوصاً بعد أن أمضوا الصيف في محاولة إقناع الرأي العام الأوروبي وترامب بأن “الكفّة تميل” لصالح أوكرانيا في الحرب.

وقد أشار المسؤولون الأوكرانيون والغربيون مراراً، كدليل على ذلك، إلى تباطؤ الهجوم الروسي، وإلى تكثيف أوكرانيا ضرباتها في عمق الأراضي الروسية، مستهدفة منشآت النفط ومسبّبة نقصاً في الوقود في أنحاء روسيا.

كان الهدف من الحملة على البنية التحتية للطاقة الروسية هو الضغط على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لقبول سلام بشروط أكثر ملاءمة لأوكرانيا.

لكن حصل العكس تماماً. فالموقف التفاوضي الروسي أصبح أقل استعداداً للمساواة أو التنازل. ومبادلة الأراضي التي كانت تُطرح كوسيلة لتعويض أوكرانيا عن انسحابها من دونباس أصبحت الآن خارج نطاق البحث.

يقرأ  لماذا يُحاكم جايير بولسونارو في البرازيل — وما الذي ينتظره بعد ذلك؟

في هذه الأثناء، شنّ الكرملين حملته المدمرة الخاصة به، بهدف إسقاط الاقتصاد الأوكراني. فإلى جانب وقف صادرات أوكرانيا الرئيسية من الحبوب والخام عبر موانئ أوديسا، تعمل روسيا بشكل منهجي على تدمير المراكز اللوجستية والمستودعات المملوكة لكبار تجار التجزئة، وكذلك المنشآت الصناعية الكبرى، من مصانع المعادن إلى مصانع المشروبات.

وفي هذه النقطة بالتحديد ظهر ثنائي ترامب للسلام من جديد على الجبهة الروسية الأوكرانية بعد غياب طويل. إن مجرد قيام كوشنر وويتكوف بهذه الرحلة وحصولهما على استقبال شخصي من بوتين يشير إلى تغيّر في النهج الأميركي.

قبل أسبوع من وصولهما، ظهر مدير المخابرات المركزية الأميركية جون راتكليف بشكل غامض في موسكو. لكن بوتين تجاهله فعلياً، إذ رفض منحه مقابلة عندما وصل موكب رئيس المخابرات إلى الكرملين. وبدلاً من ذلك، التقى راتكليف برؤساء الأجهزة الأمنية الروسية، جهاز الأمن الفيدرالي (FSB) وجهاز الاستخبارات الخارجية (SVR)، ثم غادر.

لا شيء صدر عن هذا اللقاء سوى تكهّنات إعلامية استندت إلى مصادر مشكوك فيها. زعمت وسائل إعلام متشددة أن راتكليف وصل حاملاً تحذيراً صارماً لروسيا من مهاجمة أعضاء الناتو في أوروبا الشرقية.

بينما زعم آخرون أن راتكليف كان يحاول نقل رواية “الكفّة تميل” إلى بوتين والدفع نحو مفاوضات جديدة على هذا الأساس. وقد ادعت مجلة “ذا أتلانتيك” الشهر الماضي أن مدير المخابرات المركزية هو من زرع فكرة أن روسيا بدأت تخسر في رأس ترامب خلال جولات الغولف.

أما منصة “أجنتستفو” الروسية المهاجرة، فنقلت عن مصدر في الكرملين تأكيد أن بوتين ألغى اللقاء بعد أن علم بما كان راتكليف يقوله لمرؤوسيه وخلص إلى أنه يعاني من الأوهام.

سواء كان ذلك صحيحاً أم لا، فمن اللافت جداً أن راتكليف، وهو مسؤول أميركي أعلى رتبة من كوشنر وويتكوف، صُرف، بينما حظيا هما باستقبال حار في موسكو وقضيا وقتاً طويلاً مع بوتين. يبدو واضحاً أن مبعوثَي ترامب لم يقطعا هذه المسافة الطويلة ليكررا ما يعتبره الرئيس الروسي دعاية غربية.

يقرأ  قراصنة صومال متهمون بخطف ناقلة نفط ثانية قبالة سواحل اليمن خلال ثلاثة أشهر

أما إذا كانت مهمة كوشنر وويتكوف قد أضافت شيئاً جوهرياً إلى عملية السلام، فهذا سؤال آخر. لقد أعربا عن تفاؤل حذر بشأن ما تحقق. وقالا إنه لا يُتوقع تحقيق اختراق فوري، لكنهما ينظران إلى إجراء محادثات ثلاثية مباشرة بين روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة.

ما يلفت النظر في مهمة ويتكوف وكوشنر هو العدد الهائل من المعلقين الذين سارعوا إلى القول إنها محكوم عليها بالفشل منذ البداية. وهذا يعكس القوة التي ما زالت تمارسها دوائر الحرب، رغم تنامي التعب من الحرب في المجتمعات الغربية.

حزب الحرب ببساطة يريد أن تفشل أي محادثات مع روسيا، تماماً كما أراد إفشال محادثات إسطنبول في ربيع 2022، ومن قبل ذلك التخلي عن اتفاقيات مينسك.

في محاولته لإحياء مفاوضات السلام، سيتعين على ترامب أيضاً مواجهة هذا التيار، الذي يشمل حكومات أوروبية، وقيادة الناتو، وجزءاً من المؤسسة السياسية في بلاده نفسه.

من المحتمل أنه حريص على إحراز تقدم في محادثات السلام قبل انتخابات التجديد النصفي، والضغط على بوتين للحد من تعاونه العسكري مع إيران، لكن هذا مستحيل التحقيق ما دامت الولايات المتحدة تلعب دوراً حاسماً في مساعدة أوكرانيا على استهداف البنية التحتية داخل الأراضي الروسية.

في غضون ذلك، تُطرح علامات استفهام متزايدة حول قدرة أوكرانيا على الصمود في ظل القصف الوحشي المستمر من الجيش الروسي. ومع اقتراب الشتاء، قد يؤدي استهداف البنية التحتية للطاقة والمياه إلى تدهور شديد في الظروف المعيشية في البلاد.

كييف تهتزّ أصلاً بسبب أزمة سياسية، تتفاقم بفضائح فساد تطال مسؤولين كباراً مقرّبين من زيلينسكي، وبسبب صراع على النفوذ بين الأجهزة الأمنية. وهناك أيضاً عجز بقيمة 26 مليار دولار في ميزانية الدفاع الأوكرانية، ويجب تغطيته بمساعدة غربية ليس من المؤكد أنها ستأتي.

يقرأ  الجوع يخيّم على اليمن — حاجة إنسانية ملحّة إلى تحرّك فوري لإنقاذ الأرواح

لا حدود لضغوط محرّضي الحرب على أوكرانيا لخوض حرب انتحارية ضد خصم أقوى بكثير، لكن هناك حداً لاستعداد الأوكرانيين للموت من أجل أجندة تتعارض بشكل متزايد مع مصالحهم الوطنية والشخصية.

أضف تعليق