ميرسال عادل (47 عامًا) من مدينة إب، جنوب غرب اليمن، لم يجد يومًا صعوبة في تأمين لقاحات أطفاله؛ فالمستشفيات الحكومية وعيادات طب الأطفال في مدينته كانت توفرها مجانًا دائمًا. لكن حين جاء وقت تطعيم طفله الخامس، وهو رضيع يبلغ من العمر أربعة أشهر، لم تعد الأمور بسيطة.
قال عادل: “زرت المستشفى أكثر من مرة، وأخبروني أن اليونيسف، التي كانت تورد اللقاحات، توقفت عن إمدادها، ولا أحد يعرف متى ستصل.”
في أكتوبر/تشرين الأول 2025، أوقفت منظمة اليونيسف عملياتها في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، بعد أن احتجز الحوثيون عشرات موظفي الأمم المتحدة، بينهم عاملون في اليونيسف، ونفّذوا مداهمات على مكاتب المنظمة. ويخوض الحوثيون منذ سنوات حربًا ضد الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، وينفذون بين الحين والآخر حملات ضد العاملين في المجال الإنساني.
وأكدت وزارة الصحة في صنعاء، الخاضعة لسيطرة الحوثيين، للجزيرة أن آخر شحنة لقاحات وصلتها كانت في 4 سبتمبر/أيلول 2025. وفي أواخر يوليو/تموز 2026، حذّرت وزارة الصحة التابعة للحكومة في عدن من أن نحو خمسة ملايين طفل في مناطق الحوثيين أصبحوا محرومين من التطعيمات الروتينية الأساسية.
وكان طفل عادل الرضيع واحدًا من هؤلاء الأطفال. وقال عادل: “صحة أطفالنا خط أحمر، وعلينا أن نفعل كل ما في وسعنا لتطعيمهم”. لذلك قرر الأسبوع الماضي السفر مع ابنه إلى تعز، المدينة الخاضعة لسيطرة الحكومة والتي تبعد نحو 75 كيلومترًا عن إب، حيث لا تزال اللقاحات متوافرة.
وأوضح أن الرحلة كلّفته نحو 100 دولار، وهو مبلغ كبير يصعب على كثير من الأسر تحمّله في بلد يعاني من الفقر. ويعمل عادل أمين صندوق في شركة محلية.
قال عادل: “كانت فرق التطعيم تنتقل من بيت إلى بيت لتطعيم الأطفال، لكن في هذا العام تغير كل شيء فجأة، وأصبح الحصول على لقاح موثوق يتطلب تكاليف كبيرة. اليوم، لا يستطيع الجميع تحمل نفقات السفر لتطعيم أطفالهم”.
ورغم ارتياحه لنجاحه في الحصول على الجرعتين الأوليين من لقاح شلل الأطفال ولقاح المكورات الرئوية، فهو يشعر بالقلق من أي رحلات مقبلة. وأضاف: “آمل أن تتوفر لقاحات الأطفال محليًا في المرة القادمة، حتى لا أضطر إلى السفر مجددًا”.
إيقاف عمليات اليونيسف
بدأت الحرب في اليمن في أواخر عام 2014، حين سيطر الحوثيون على مناطق واسعة من شمال اليمن وغربه، بما فيها صنعاء. وفي مارس/آذار 2015، تدخّل تحالف عربي بقيادة السعودية دعماً للحكومة المعترف بها دوليًا. وفي عام 2022، أسهمت هدنة توسطت فيها الأمم المتحدة في خفض القتال بشكل كبير، لكن التوتر يتصاعد منذ يوليو/تموز، وتزداد المعارك ضراوة في الأيام الأخيرة.
وقال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في مارس/آذار من هذا العام إن 59.3 بالمائة فقط من المرافق الصحية في اليمن ما تزال تعمل بكامل طاقتها، في حين بلغت نسبة التغطية الكاملة بالتطعيم 63 بالمائة. لكن هذه الأرقام تعكس الوضع قبل النفاد الكامل لمخزونات اللقاحات في مناطق الحوثيين بحلول يوليو/تموز، مما يعني أن معدلات التغطية الوطنية الحالية أسوأ على الأرجح.
أنيس الأصبحي، المتحدث باسم وزارة الصحة في صنعاء، حمّل اليونيسف وتحالف اللقاحات المعروف بـ”غافي” مسؤولية انهيار إمداد اللقاحات. وقال إن السلطات أخطرت المنظمتين مبكرًا باحتمال حدوث نقص، لكن لم يُتخذ أي إجراء قبل أن تنفد جميع اللقاحات الروتينية التسعة للأطفال بالكامل.
وقال الأصبحي: “السبب الرئيسي لاختفاء لقاحات الأطفال هو تسييس العمل الإنساني”، مكررًا اتهامًا اعتاد الحوثيون توجيهه إلى وكالات الأمم المتحدة، خاصة بعد قرار العام الماضي نقل عملياتها إلى عدن. وأضاف: “منذ أن أوقفت اليونيسف عملياتها في صنعاء لأسباب سياسية، توقف إمدادنا باللقاحات. كما أننا نعيش تحت حصار تفرضه السعودية، ولا نستطيع استيرادها بأنفسنا”.
وعندما تواصلت الجزيرة مع اليونيسف في اليمن، رفضت التعليق على الاتهامات، وقالت إنها تبذل قصارى جهدها لمساعدة كل طفل في الحصول على اللقاحات. كما تواصلت الجزيرة مع تحالف اللقاحات للتعليق، لكنها لم تتلقَّ ردًا.
وفي غضون ذلك، تواصل الأمم المتحدة مطالبة الحوثيين بالإفراج الفوري عن عشرات موظفيها، إضافة إلى موظفي منظمات إنسانية دولية ومحلية ما زالوا محتجزين لديها. كما تطالب بإعادة الممتلكات التي صودرت خلال مداهمات مكاتبها، ورفع القيود المفروضة على عمل المنظمات الإغاثية وموظفيها.
“يفطر قلبي”
وقالت وزارة الصحة في عدن إنها تملك ما يكفي من اللقاحات للبلاد كلها، بما في ذلك مناطق الحوثيين. لكنها اتهمت الحوثيين بوضع عقبات تمنع استلام هذه الإمدادات ونقلها من مناطق سيطرة الحكومة. وأكدت الوزارة أن اللقاحات المخصصة لجميع محافظات الجمهورية، بما فيها تلك الخاضعة لسيطرة الحوثيين، متاحة عبر شركاء القطاع الصحي وفق آليات الإمداد الدولية المعتمدة، لكن القيود والعقبات التي يفرضها الحوثيون حالت دون وصولها إلى الأطفال المستهدفين.
علي الوليدي، نائب وزير الصحة في عدن، قال إن الوزارة خططت لتنفيذ جولتين للتطعيم ضد شلل الأطفال هذا العام، لكنها اتهمت الحوثيين بعدم التعاون. وأضاف: “الحوثيون رفضوا استلام اللقاحات المخصصة للمناطق الخاضعة لسيطرتهم، ولم يظهروا أي رغبة في حل الأزمة، رغم الاتفاق على تخصيص أكثر من 65 بالمائة من إجمالي الإمدادات لهم”.
وردًا على هذه الاتهامات، قال الأصبحي إنه لا يوجد أي تنسيق مع وزارة الصحة في عدن، وإنهم لا يستطيعون قبول شحنات تصل برًا لأنها قد تفسد. وأضاف أن اليونيسف وتحالف اللقاحات مسؤولان عن ذلك، ويجب أن يتحملا مسؤوليتهما في توفير اللقاحات للأطفال.
وبينما تتبادل الوزارتان في صنعاء وعدن الاتهامات، ينتظر آباء مثل محمد عبد الواحد أن يتوصل الطرفان المتخاصمان إلى اتفاق يعيد توفر لقاحات الأطفال.
قال عبد الواحد: “كان هناك نقص في اللقاحات في وقت سابق من هذا العام، وكنا نكافح للحصول عليها، أما الآن فلا نجدها في صنعاء إطلاقًا. أعرف أن بعض العائلات تسافر إلى مناطق سيطرة الحكومة، لكن ذلك يكلف كثيرًا، وأنا ببساطة لا أستطيع تحمله”.
وتقول ذكرى، وهي عاملة صحية شاركت في فرق التطعيم من منزل إلى منزل، وتعمل حاليًا في عيادة تطعيم بأحد مستشفيات تعز، إن عشرات الأطفال القادمين من مناطق الحوثيين يصلون يوميًا إلى العيادة لتلقي اللقاحات.
وأضافت: “يفطر قلبي أن أرى أطفالًا محرومين من اللقاحات الأساسية، بينما تتبادل السلطات في صنعاء وعدن الاتهامات. يجب فصل القضايا السياسية تمامًا عن صحة الأطفال، وعلى الوزارتين إيجاد حل يضمن حصول جميع الأطفال على اللقاحات مجانًا، فالتطعيم حق أساسي لكل طفل. أناشد المجتمع الدولي أن يتدخل، فإذا لم يوجد حل عاجل لاستئناف إمداد اللقاحات، فقد يواجه الجيل القادم عواقب صحية خطيرة”.