الجسد السياسي التونسي في أزمة | آراء

التقارير والإشاعات حول تدهور صحة الرئيس قيس سعيّد تذكّرنا بفكرة سياسية قديمة: حالة الحاكم الجسدية تؤثر بعمق على "الجسد السياسي" للبلاد. ولأول مرة منذ 2011، تعيش تونس مناخًا من القلق الوطني والتغيير السياسي معًا.

يزيد هذا القلق عاملان مرتبطان. الأول هو فشل الخدمات العامة: انقطاع الماء والكهرباء في حر الصيف يسبب ضغوطًا اقتصادية واجتماعية حادة، وهذا الضغط تحول إلى جوّ من المعارضة السياسية. الثاني هو تراجع مسار التحول الديمقراطي في هذا البلد الشمال إفريقي.

كيف تشكل القيود الهيكلية والجمود المؤسسي أساس الأزمة الحالية في تونس؟

يوليو السخط

عادةً، كان يناير -أحد أبرد شهور تونس- هو شهر التحولات السياسية الكبيرة، واحتجاجات الطلاب والعمال، ومسيرات الحقوق المدنية. احتجاجات يناير 1980 أضعفت قبضة الحبيب بورقيبة، وثورة يناير 2011 أطاحت بالدكتاتور زين العابدين بن علي. لكن هذه الطاقة الشعبية ظهرت الآن في "يوليو حار"، مع شدة الحر الصيفي، والتحركات في الشوارع، والتوتر العام المتزايد خلال الأسبوعين الماضيين.

لأول مرة، يرفع المحتجون لافتات "دِڨاج!" ويطلبون من سعيّد المغادرة.

انخفاض درجات الحرارة أخيرًا جلب بعض الراحة من الحر، لكنه لم يخفف الضغوط التي تغذي غضب الناس. في بعض المناطق، استمر انقطاع الماء والكهرباء حتى أسبوعين، وزاد العبء على أسر تعاني أصلًا من صعوبات اقتصادية قاسية. هذه الإخفاقات تأتي بعد احتجاجات حاشدة في أواخر 2025 ضد التلوث السام من مصنع لمعالجة الفوسفات في مدينة قابس الساحلية جنوب شرق تونس.

البرلمانات المتعاقبة بعد الثورة ناقشت مشاكل الشبكة الكهربائية غير الموثوقة، وفواتير الطاقة الباهظة، وتقنين المياه، والتحول إلى الطاقة المتجددة. قانون الطاقة لعام 2015 الذي أقره البرلمان فتح الباب لمنتجين غير حكوميين للطاقة، مع التركيز على تقنيات الطاقة المتجددة. وفي 2022، كانت هناك خطة لإنتاج وحتى تصدير ما يسمى الهيدروجين الأخضر.

رغم أن التخطيط لاحتياجات الطاقة المستقبلية ضروري، إلا أنه لن يحل الأزمة الحالية في المستقبل القريب. الطاقة المتجددة لا تزال محدودة. شركة الكهرباء والغاز الحكومية (ستيغ) لا تستطيع مواكبة النمو السنوي باستهلاك الكهرباء الذي يتجاوز 4%، ولا تلبية الطلب الذروة في فصل الحر.

يقرأ  مجموعات فيليبس تمضي قدمًا في خطة تصفية مقتنيات مثيرة للجدل

ستيغ لم تطبق بعد قانون الطاقة الذي أقره البرلمان عام 2015، والذي فتح الطريق أمام منتجي الطاقة الخاصين. أنظمة الامتياز والتراخيص التي تهدف لتوسيع فرص مطوري الطاقة تحتاج إلى تسريع عاجل، خاصة مشاريع محطات بقدرة 50 إلى 100 ميغاواط في قفصة وتوزر وسيدي بوزيد ومناطق أخرى.

توسيع الخطة الشمسية التونسية عبر تكنولوجيا الخلايا الضوئية الصينية هو أيضًا في الأفق. لكن هدف تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد (أكثر من نصفه من الغاز الجزائري) ورفع حصة المتجددة إلى ثلث مزيج الطاقة يبقى بعيدًا عدة سنوات.

الشركات الحكومية التونسية تعمل تحت ديون ضخمة منذ التسعينات بسبب سوء الإدارة. تقرير ديوان المحاسبة التونسي في يناير 2026 سجل خسائر مالية هائلة بلغت 300 مليون دينار (101 مليون دولار) عبر سلطات الموانئ والخطوط الجوية التونسية. ديون ستيغ ربما تكون أكبر، بسبب الدعم الكهربائي وسوء الإدارة الأوسع. نفس حالة الإفلاس تنطبق على الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه (صوناد)، التي تبيع الماء بأسعار تحددها الحكومة. الديون المجمعة لهذه الشركات تُقدّر بثلث الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.

باختصار، نقاط الضعف الهيكلية في الاقتصاد التونسي تقيد النمو وقدرة الدولة على تقديم خدمات أساسية موثوقة. زيت الزيتون والتمور والفوسفات الخام، التي تشكل عماد الاقتصاد، تولد قيمة مضافة قليلة مقارنة بالصناعات عالية التقنية أو الخدمات المعقدة. التحويلات المالية والمساعدات الخارجية تتغير وفقًا للصدمات الاقتصادية العالمية أو سياسات المانحين، وليس وفق أداء السوق المحلي.

تعليق سعيّد لقروض صندوق النقد الدولي باسم السيادة هو قضية نبيلة في عالم مثالي. لكن في العالم الواقعي للتطور الرأسمالي، تمويل البرامج الاجتماعية الأساسية يتعطل عندما تعتمد الحكومة فقط على الاقتراض الداخلي ومساعدات محدودة من حلفاء عرب وغربيين، بينما تبقى معزولة سياسيًا وتستبعد شركاء المعارضة.

يقرأ  مبعوث أمريكي يصل إلى فنزويلا لإعادة فتح البعثة بعد انقطاع دام سبع سنوات توترات مستمرة بين واشنطن وكاراكاس

الجمود المؤسسي والانقسام السياسي

هذه القيود الهيكلية تضاعفت بسبب الجمود المؤسسي. استيلاء سعيّد على السلطة في 25 يوليو 2021، واحتكاره للصلاحيات الاستثنائية، وتفكيك الضمانات الديمقراطية الرئيسية، كل هذا أنهى مسار الانتقال التونسي الوليد. لكن فشله في تحقيق تحسينات ملموسة في معيشة الناس على المدى الطويل كلف البلاد ثمنا باهظًا على عدة مستويات.

لكن يجب التنبيه: معارضة سعيّد شعبيا لا تعني دعمًا للنظام السياسي السابق قبل 2021. الذين أيدوا استيلاءه على السلطة في البداية فعلوا ذلك لأسباب متنوعة: ركود اقتصادي، وانقسام سياسي حاد، وفساد، وعدم كفاءة، وشلل بين النخب الحاكمة القديمة. وشملوا سياسيين بارزين، ونوابًا، وقادة نقابيين، ونشطاء مناهضين للنهضة، ونسويات، وإعلاميين اختاروا الصمت أو شجعوا على الاستيلاء.

المزاج العام تغير بشكل ملحوظ. اليوم، كثير من نفس السياسيين الذين دعموا الاستيلاء أخلاقيًا يريدون الناس أن ينزلوا إلى الشوارع ويستعيدوا "الجمهورية" ويطيحوا بسعيّد.

بالنسبة لشعب اعتاد منذ الاستقلال مقايضة الحريات بالخبز، الاحتجاج هو عن استعادة شيء من الكرامة، وتأمين التنمية الجهوية، والمطالبة بـ"الحق في الحقوق" الأساسية، بما في ذلك الحق في بيئة غير سامة والحصول المتواصل على ماء نظيف وكهرباء.

ما زاد الوضع خطورة هو التضليل الرسمي والخطاب المراوغ حول صحة الرئيس، في وقت تتركز فيه السلطة السياسية في الرئاسة. هذا أتى بثلاث نتائج. أولاً وقبل كل شيء، قوض مباشرة الثقة الشعبية في رئاسة سعيّد، خاصة لدى جزء من الجمهور الذي كان يعطيه فائدة الشك. ثانيًا، زاد حالة الشلل بسبب ضعف شرعية الأداء. أخيرًا، خلق الأزمة جوًا من التكهنات والاستقطاب.

تدهور سجل حقوق الإنسان في تونس يضر بسمعة سعيّد وسمعة البلاد. هناك مخاوف من أن ظروف سجن مرناقية السيئة قد تؤدي إلى وفاة أو تدهور خطير في صحة قادة معارضين بارزين، منهم الإسلامي راشد الغنوشي والسياسي العلماني الوسطي أحمد نجيب الشابي، المؤسس المشارك لجبهة الخلاص الوطني. يجب الإفراج عنهم.

يقرأ  زوجة الرجل الذي كاد يُشفط من طائرة رايان إير تروي تفاصيل المحنة

تونس: إلى أين؟

الأزمة نفسها تقدم لسعيّد فرصة لإصلاح الصدوع الكثيرة في "الجسد السياسي". هل يستطيع أن يكسب وقتًا لسد الانقسامات السياسية، ويحول التركيز من الاستقطاب الأيديولوجي إلى إصلاحات اقتصادية عاجلة، ويبدأ حوارًا وطنيًا شاملًا ومصالحة، ويعيد الحكم الديمقراطي؟ هذا يبقى أحد المجهولات في المنعطف التاريخي الحالي لتونس.

مهما حدث في تونس، مع سعيّد أو من دونه، الإصلاح بقيادة التونسيين أنفسهم يقدم طريقًا أكثر استقلالية من أي تدخل بقيادة الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة. الإفراج الأخير عن مئات السجناء يجب أن يتبعه عفو عام عن سجناء الرأي.

هذا الطريق الداخلي مهم خاصة مع تزايد خطر التدخل الخارجي. هناك مبدأ سياسي يقول إن القادة الوطنيين يجب أن يسبقوا ويسدوا الطرق التي قد تستخدمها قوى أجنبية لتغيير النظام. النائب الأمريكي جو ويلسون من كارولاينا الجنوبية، الذي يرأس اللجنة الفرعية للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، وهو من أشد الداعمين لإسرائيل، يستهدف سعيّد.

قانون استعادة الديمقراطية في تونس الذي قدمه مع النائب جايسون كرو في أوائل سبتمبر 2025، يضم المزيج المألوف من عقوبات مقيدة ضد النخب الحاكمة وقطع المساعدات، وهو إجراءات تضر الفئات الضعيفة وتتدخل في الحكم السيادي، مهما كان معنى ذلك في الجغرافيا السياسية الحديثة.

بدلاً من أن تكون الديمقراطية المستدامة هي "نفط" تونس الفقيرة بالنفط ومحرك التنمية والثروة، فإن نقص الطاقة والاستبداد يخاطران الآن بإغراق البلاد في عدم اليقين والاضطراب الاجتماعي.

الغموض حول صحة سعيّد يذكرنا بالمفهوم السياسي الوسيط "جسد الملكين". هل تستطيع مؤسسات تونس تحمل الجسد السياسي الخالد إذا اضطرت صحة سعيّد إلى نقل السلطة؟ هذا ما سيبقى مجهولاً.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري للجزيرة.

أضف تعليق