واشنطن — يتصاعد هذا السؤال كل عام بين الناجين الفلسطينيين والمدافعين عن الحقوق: هل تستطيع الولايات المتحدة أن تصوغ سياسة عادلة في الشرق الأوسط من دون محاسبة تاريخية كاملة أو اعتراف علني بمحنة الفلسطينيين؟
الخميس يصادف يوم إحياء ذكرى النكبه السنوي، إشارة إلى النكبة التي بدأت عام 1948 بطرد جماعي للفلسطينيين وإقامة دولة اسرائيل.
منذ ذلك الحين عانى الفلسطينيون عقوداً من التهجير وعمليات تطهير عرقي متكررة. ومع ذلك ترفض الحكومة الأمريكية الاعتراف بالنكبة — مع أنها تحتفظ بنفوذ هائل على المنطقة ودعماً مطلقاً للحكومة الإسرائيلية.
وفي ظل ادارة ترامب الثانية اتخذت واشنطن خطوات إضافية للتدخل في الشأن الفلسطيني، من بينها إنشاء ما أُطلق عليه «مجلس السلام» لمتابعة إعادة إعمار غزة، فيما اتخذت سياسة متساهلة تجاه ما تصفه منظمات حقوقية بأنه حملة إبادة إسرائيلية.
خالد الجندي، زميل أول في معهد كوينسي، يرى أن السؤال جوابه بسيط: لا. «إذا اعترفت بإنسانية ومعاناة طرف واحد فقط، فإنك تحجب أيضاً حقائق تاريخية لا تزال تؤثر في الحاضر»، قال ذلك لقناة الجزيرة. وأضاف أن «أميـا سياسية» طالت نهج الحكومة الأمريكية حيال الصراع الإسرائيلي‑الفلسطيني.
لطالما مولت الولايات المتحدة إسرائيل بمليارات الدولارات كمساعدات أجنبية وعسكرية، رغم احتلال أراضٍ فلسطينية ونظام من التمييز تنسب إليه منظمات حقوقية سمات الفصل العنصري. ومنذ 7 أكتوبر 2023 أدت الحرب الإسرائيلية في غزة إلى مقتل ما لا يقل عن 75 ألف فلسطيني، ويقول الجندي إن الولايات المتحدة لعبت دوراً محورياً في تمويل هذا الصراع.
اعتراف رسمي بالنكبة، بحسب الجندي، سيكون تصحيحاً أساسياً — وإن تأخر: «إنها حقيقة تاريخية؛ الفلسطينيون يحملون صدمة جماعية تشكل جزءاً من هويتهم وسيكولوجيتهم السياسية».
«النكبة المستمرة»
الخميس أيضاً قدّمت النائبة الأمريكية رشيدة طليب قراراً للاعتراف رسمياً «بالنكبة المستمرة وحقوق اللاجئين الفلسطينيين». وهذه هي المرة الخامسة التي تطرح فيها المشروع، والنسخة الأحدث تحظى بدعم 12 نائباً مشاركاً، بزيادة عن ستة عندما قدمته أول مرة عام 2022.
في مؤتمر عبر الفيديو هذا الأسبوع أوضحت طليب أن لفت الانتباه إلى النكبة ضروري في ظل استمرار انتهاكات حقوق الإنسان ضد الفلسطينيين. وقالت: «كثير من زملائي في الكونغرس يتصرفون وكأن العنف الرسمي ضد الشعب الفلسطيني بدأ مع نتنياهو»، وأضافت: «نعلم أن التاريخ الفلسطيني هو سلسلة من النكبات المستمرة وحملات التطهير العرقي منذ قيام الدولة عام 1948».
خلال النكبة طُرد نحو 750 ألف فلسطيني قسراً ونزحوا إلى مخيمات في الضفة وغزة والدول العربية المجاورة. أُفرغت من سكانها نحو 400 مدينة وقرية، وارتُكبت مجازر في بلد الشيخ، سعسع، دير ياسين، السليحة واللد من بين غيرها.
ومع أن مسعى طليب يبقى في المقام الرمزي إلى حد كبير، في ظل هيمنة موقف مؤيد لإسرائيل داخل الكونغرس، إلا أنه يلتقي بتغير تدريجي في الوعي العام: استطلاعات رأي أظهرت تزايد تعاطف الأمريكيين مع الفلسطينيين وتصاعد النظرة السلبية تجاه حكومة اسرائيل ونتنياهو، لا سيما بين الشباب والديمقراطيين.
ولقد انعكست بعض هذه التحولات داخل الكونغرس نفسه بشكل تدريجي؛ فقد صوت في أبريل أربعون سيناتوراً ديمقراطياً من أصل مئة في مجلس الشيوخ لعرقلة بيع جرافات عسكرية إلى اسرائيل — أداة تستخدمها في استمرار الاحتلال. كما تحدى ثلاثون عضواً سياسة «الambiguity» الأمريكية الطويلة تجاه برنامج اسرائيل النووي المزعوم، وهو موضوع كان يعتبر محظوراً لعقود.
«مشروع طليب قد لا يمر اليوم»، يقول يوسف منير، زميل كبير في المركز العربي واشنطن، لقناة الجزيرة، «لكن عندما يمر — وأنا أعتقد أن ذلك سيحدث في يوم من الأيام — فسيكون نتيجة كل الجهود السابقة والممتدة لبناء كتلة حرجة، في الماضي والحاضر والمستقبل».
أقل من جيل لينسى
أولى الأمم المتحدة إحياءً رسمياً للنكبة في 2023 بمناسبة الذكرى الخامسة والسبعين. ومع ذلك، صوتت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا و30 دولة أخرى ضد قرار أممي يعترف بالحدث، ولم تحضر الولايات المتحدة الجلسة، مشيرة إلى «مخاوف قديمة بشأن التحيز المعادي لإسرائيل داخل منظومة الأمم المتحدة».
وفي ذلك العام أيضاً نظمت طليب في مبنى الكابيتول تذكاراً للنكبة هو الأول من نوعه داخل أروقة الكونغرس الأمريكي. سعى قادة الحزب الجمهوري، مع ذلك، إلى إلغاء الفعالية تحت ضغوط من رابطة مناهضة التشهير المؤيدة لإسرائيل (ADL).
ورغم أن نهج الابتعاد الرسمي أصبح سمة معتادة لدى الحكومة الأميركية، فإن ذلك لم يكن الحال دائماً.
أشار إلجيندي إلى أنّه في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي كان الرئيس هاري ترومان “يتكلم عن الإرهاب والعنف الذي مارسته الميليشيات والجماعات السرية اليهودية”، حتى بعدما كانت حكومته أول من اعترف بدولة إسرائيل.
على سبيل المثال، دعمت إدارة ترومان قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194، الذي أرسى ما يسمى بـ«الحق في العودة» للاجئين الفلسطينيين المشردين — حيث يبلغ عدد المسجلين لدى الأونروا اليوم نحو ستة ملايين لاجئن. كما أن هذا القرار أنشأ لجنة التوفيق الفلسطينية التي لم تعد قائمة، والتي كانت الولايات المتحده لها مقعد فيها.
هناك أيضاً دلائل وفيرة على أن الحكومة الأميركية كانت على علم بالعنف الذي واجهه الفلسطينيون، حتى وإنْ لم يمتلك المسؤولون “المفردات واللغة اللازمة لاصطلاح النكبة، أو حتى لوصفها كعمل تطهير عرقي أو إبادة جماعية”، وفق ما قال جوش روينر، مدير معهد فهم الشرق الأوسط (IMEU).
“ما يتضح بجلاء من أرشيفات القنصلية الأميركية في القدس، والقنصلية الأميركية في حيفا، ومواقع دبلوماسية أخرى في أنحاء الشرق الأوسط، أنهم شاهدوا ووصفوا بدقة ما كانت إسرائيل تفعله بالشعب الفلسطيني”، قال روينر. “اعترفوا بالنهب المنهجي، والتخريب المنظم للممتلكات الفلسطينية، والطرد المنهجي للفلسطينيين من منازلهم، والفظائع النظامية التي تعرضوا لها، وقبل كل شيء فشل إسرائيل في إعادة توطين اللاجٶئن.”
لكن الجهود الرامية إلى إعادة توطين الفلسطينيين كانت متقطعة في السنوات التالية.
برزت محاولات في ستينيات القرن العشرين تحت حكم الرئيس جون إف. كينيدي، الذي زود إسرائيل بأسلحة دفاعية كجزء من استراتيجية أوسع في سياق الحرب الباردة. وعاودت مسألة العودة الظهور أثناء مفاوضات اتفاقيات أوسلو في تسعينيات القرن الماضي تحت إدارة بيل كلينتون.
وفي إبريل 2016 أشار وزير الخارجية الأميركي جون كيري نادراً إلى النكبة. قال آنذاك: “عندما تحتفل إسرائيل بذكرى تأسيسها السبعين في 2018، سيحيي الفلسطينيون ذكرى مختلفة تماماً: سبعون عاماً على ما يسمونه النكبة أو الكارثة.”
لكن، كما أوضح إلجيندي، فإن اعتراف الولايات الحكومية بالنكبة تراجع توازياً مع احتضان أميركي متزايد لإسرائيل، الذي بدا أقوى بدءاً من عهد الرئيس ليندون بي. جونسون في ستينيات القرن الماضي. “السجل التاريخي في هذا الشأن لا يقبل الشك”، قال إلجيندي. “ما فاجأني في بحثي هو أن الأمر استغرق أقل من جيل واحد تقريباً لينسى السجل كله على مستوى السياسة الأميركية.”
«مربع في ثقب دائري»؟
جادل مؤيدو قرار طليب بأن أهميته عملية بقدر ما هي رمزية. “إذا لم يأخذ صانعو السياسات النكبة بعين الاعتبار والسعي لتداركها إلى أقصى ما يمكن اليوم، فسوف يواصلون ببساطة إدامة واقع غير عادل”، قال روينر. “من دون فهم جوهر القضية، يشبه الأمر محاولة إدخال مربع في ثقب دائري.”
واتفق منير من مركز العرب على أن الاعتراف “يضع مثالاً للأشياء التي ينبغي أن نفعلها، ليس فقط من حيث الاعتراف بالماضي بل أيضاً من حيث الاعتراف باللحظة الراهنة”. وأضاف: “لا ينبغي أن تنتظرنا ثمانون عاماً للاعتراف بالنكبة في فلسطين، ولا ينبغي أن ننتظر ثمانين عاماً أخرى للاعتراف بالإبادة التي تُرتكب في غزة.”