مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهي الجهة الرقابية النووية التابعة للأمم المتحدة، أقر قرارًا يتهم إيران بعدم الوفاء بالتزاماتها في مجال عدم الانتشار النووي، وأحال الملف إلى مجلس الأمن الدولي.
وجاءت هذه الخطوة الدبلوماسية بدعم من الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين الرئيسيين، بعد أكثر من ستة أشهر من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وفي وقت يتصاعد فيه التوتر في مضيق هرمز، حيث تبادلت الولايات المتحدة وإيران الهجمات على سفن في الأيام الأخيرة.
ما الذي اتهمت به الوكالة إيران؟
عبّر قرار الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن “قلق بالغ” إزاء “استمرار عدم التزام” إيران بواجباتها بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي هي طرف فيها.
وبموجب المعاهدة يُمنع على إيران إنتاج أسلحة نووية، ويُطلب منها الالتزام بضمانات الوكالة للتحقق من أن أي مواد نووية لديها مخصصة لأغراض سلمية.
لكن الوكالة لم تستطع الوصول إلى منشآت نووية رئيسية في إيران منذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حربًا استمرت 12 يومًا على إيران في يونيو 2025، تضمنت هجمات على مواقع نووية إيرانية مهمة مثل فوردو ونطنز وأصفهان.
وفي قرارها الأخير، قالت الوكالة إن “غياب المعلومات عن مواد نووية سبق الإعلان عنها، وعدم الوصول إلى المنشآت للتحقق منها” يمثل “مصدر قلق يتعلق بالانتشار” يجب معالجته بشكل عاجل.
ودعت طهران إلى “المشاركة بجدية ودون شروط مسبقة في محادثات تهدف إلى بناء ثقة دولية بالطبيعة السلمية البحتة لبرنامج إيران النووي”.
وهذه أول مرة يصدر فيها مجلس محافظي الوكالة قرارًا من هذا النوع منذ 20 عامًا.
كيف ردّت إيران؟
أدانت إيران القرار ووصفته بأنه لا أساس له وذو دوافع سياسية.
وقال ممثل إيران لدى الأمم المتحدة في فيينا، رضا نجفي: “هذا القرار مرّر تحت ضغط سياسي من الولايات المتحدة وحلفائها، ولا أساس له في رأينا”.
وأضاف نجفي أن إيران لم تستطع توفير وصول آمن للمفتشين إلى مواقعها النووية بسبب النزاع المستمر. لكنه قال إن إيران “لم توقف ولم تعلّق التزاماتها المتعلقة بالضمانات”، مضيفًا أن “التنفيذ مستحيل حاليًا في ظل العمليات العسكرية المستمرة والتهديدات المتواصلة”.
وقال إن طهران “ستتعاون فقط بالقدر الذي تسمح به الظروف والسلامة”.
وبدا أن نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي يتهم الولايات المتحدة، التي رعت قرار مجلس محافظي الوكالة مع المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا، بممارسة استعراض سياسي.
وقال غريب آبادي في منشور على منصة إكس: “إنهم يهاجمون منشآت إيران النووية الخاضعة للضمانات، ويعطلون عملية التحقق الطبيعية، ثم يستخدمون هذا التعطيل نفسه ذريعة لتمرير قرار في مجلس محافظي الوكالة”.
وأكدت طهران مرارًا أنها لا تسعى إلى امتلاك أسلحة نووية، لكنها تشدد على حقها في تطوير تكنولوجيا نووية مدنية.
وقد طالب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طهران بتفكيك برنامجها لتخصيب اليورانيوم بالكامل. وبدأت الولايات المتحدة الحرب الحالية قائلة إن إيران كانت على وشك صنع قنبلة نووية، وهو ادعاء لا تدعمه الوكالة الدولية للطاقة الذرية ولا وكالة الاستخبارات الأمريكية نفسها.
ولإيران حق قانوني في تشغيل برنامج نووي مدني بموجب معاهدة عدم الانتشار.
ماذا يُتوقع من مجلس الأمن؟
من غير المرجح أن يتخذ أي إجراء إضافي، لأن روسيا والصين، وهما حليفتان لإيران، تملكان حق النقض.
وقال علي واعظ من مجموعة الأزمات الدولية لوكالة فرانس برس إن قرار الوكالة هو في النهاية “تمرين بلا جدوى”، وإن روسيا والصين “من المرجح أن تضمن ارتطام الضغط الغربي بجدار في مجلس الأمن”.
ما تأثير ذلك على الحرب الأمريكية على إيران؟
قد تستشهد الولايات المتحدة، التي جعلت برنامج إيران النووي نقطة محورية في النزاع المستمر، بإحالة الوكالة كدليل على تهديد نووي إيراني محتمل.
وفي اليوم نفسه الذي صدر فيه تقرير الوكالة، جدّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهديداته باستهداف جبل بيكاكس في إيران، وهو موقع يضم مجمعين تحت الأرض قرب منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم التي تضررت.
وقال ترامب إن الولايات المتحدة رصدت “نشاطًا صغيرًا” هناك، وإنها “تنصح إيران ألا تتذاكى لأننا سنضطر إلى ضربها بقوة شديدة”.
كما كرر الرئيس الأمريكي ادعاءه بأن إيران تسعى إلى سلاح نووي، مضيفًا أن العالم سيكون “في مشكلة كبيرة” إذا حصلت على واحد.
وتأتي تحذيرات ترامب المتكررة بشأن خطر نووي إيراني وتهديداته بضرب مواقع إيران النووية رغم زعمه في الصيف الماضي أن الضربات الأمريكية “دمّرت تمامًا” منشآت التخصيب الرئيسية في إيران.
ما تاريخ الوكالة مع إيران؟
كانت الوكالة الدولية للطاقة الذرية شديدة الانتقاد لإيران في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، واتهمتها بالفشل في الإعلان عن مواد وأنشطة نووية. وفي عام 2006، فرض مجلس الأمن عقوبات على إيران بعد عدم امتثالها لقرار يطالبها بإنهاء برنامج تخصيب اليورانيوم.
لكن بعدما وافقت إيران على خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015 مع ست قوى عالمية كبرى، من بينها الولايات المتحدة، وافقت على تقليص برنامجها النووي وفتح مواقعها النووية أمام تفتيش مكثف وغير مسبوق من الوكالة.
ظلت إيران ملتزمة لسنوات، لكن الاتفاق انهار بعد أن انسحبت الولايات المتحدة منه في عام 2018 تحت قيادة ترامب وأعادت فرض عقوبات عليها. فردت طهران بتكثيف برنامجها النووي والتخلي عن القيود التي فرضها الاتفاق.
وفي يونيو 2025، أعلن مجلس محافظي الوكالة أن إيران لا تلتزم بتعهداتها المتعلقة بالضمانات النووية الدولية. ورفضت طهران ذلك التقرير واتهمت الوكالة بتوفير ذريعة للهجمات الأمريكية والإسرائيلية عليها بعد أيام فقط.
لكن المدير العام للوكالة، رفائيل غروسي، لم يؤيد المزاعم الأمريكية بأن إيران قادرة على صنع قنبلة ذرية. وقال لقناة سي إن إن: “لم يكن لدينا أي دليل على جهد منظم للتحول إلى سلاح نووي”.
وتشتبه الوكالة في أن لدى إيران نحو 400 كيلوغرام، أي 882 رطلاً، من اليورانيوم عالي التخصيب، وهو ما يمكن أن تُصنع منه 10 أسلحة نووية إذا جرى تخصيبه أكثر.