وفد من السياسيين اليابانيين توجه إلى بكين هذا الأسبوع، في خطوة يرى مراقبون أنها قد تكون محاولة لتحسين العلاقات المتوترة مع الصين، وسط واحدة من أسوأ الخلافات بين البلدين منذ السبعينيات.
ويضم الوفد غاكو هاشيموتو، عضو مجلس النواب عن الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم الذي تتزعمه رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي، إلى جانب نواب من حزب كوميتو المعارض وتحالف الإصلاح الوسطي.
بدأ الخلاف الدبلوماسي في نوفمبر من العام الماضي، عندما قالت تاكايتشي إنه إذا هاجمت الصين تايوان، فقد يشكل ذلك “وضعًا يهدد بقاء” اليابان، ما قد يبرر استخدام القوة. أغضبت تصريحاتها بكين. وفي اليوم التالي، كتب شيويه جيان، القنصل العام الصيني في أوساكا، على منصة إكس: “ليس أمامنا خيار سوى قطع تلك الرقبة القذرة التي انقضّت علينا دون تردد”، إلى جانب مقال عن تاكايتشي. وحُذف المنشور لاحقًا.
قدّمت طوكيو احتجاجًا وطلبت تأديبه، لكن بكين رفضت، وبدلًا من ذلك حذّرت مواطنيها من السفر إلى اليابان وشددت القيود التجارية. وفي وقت لاحق من هذا العام، زادت الصين التوتر أكثر، فقيّدت صادرات السلع ذات الاستخدام المزدوج ومعادن الأرض النادرة، الضرورية لصناعة كثير من المنتجات عالية التقنية، من الهواتف الذكية إلى الطائرات المقاتلة.
فلماذا يزور وفد ياباني الصين هذا الأسبوع؟ وهل تحتاج اليابان إلى الصين أكثر مما تود الاعتراف؟
## مظالم تاريخية
في صلب هذا الخلاف الدبلوماسي مظالم تاريخية قديمة بين البلدين، تعود جذورها إلى أواخر القرن التاسع عشر. انتزعت اليابان تايوان من الصين عام 1895 بعد فوزها في الحرب الصينية اليابانية الأولى، واحتلت مانشوريا عام 1931، ثم شنّت غزوًا واسعًا للصين بعد ست سنوات، في حرب أودت بحياة الملايين.
في عام 1945، استسلمت اليابان في نهاية الحرب العالمية الثانية، وسيطرت جمهورية الصين على تايوان. لكن في عام 1949، وبعد خسارة الحرب الأهلية الصينية في البر الرئيسي، انتقلت حكومة جمهورية الصين إلى تايبيه، ما أبقت تايوان منفصلة عن بقية الصين منذ ذلك الحين. وما زالت بكين تعتبر تايوان جزءًا من أراضيها، رغم أن جمهورية الصين الشعبية لم تحكم الجزيرة أبدًا.
في عام 1972، وُقّع في بكين البيان المشترك بين حكومتي اليابان وجمهورية الصين الشعبية. وطبّع العلاقات الدبلوماسية بين اليابان وجمهورية الصين الشعبية في البر الرئيسي، وأنهت اليابان علاقاتها الرسمية مع جمهورية الصين في تايوان. غير أنه على هذه الخلفية التاريخية، يقول محللون إن بكين ترجّح أن أي حديث ياباني عن القوة العسكرية هو دليل على عودة العسكرة التي سادت زمن الحرب.
## ما مدى سوء العلاقات الآن؟
في نوفمبر من العام الماضي، فرضت بكين حظرًا على المأكولات البحرية اليابانية بعد تصريحات تاكايتشي بشأن تايوان. ثم في يناير، قيّدت صادرات السلع ذات الاستخدام المزدوج ومعادن الأرض النادرة المخصصة للاستخدامات الدفاعية أو العسكرية. وتشمل السلع ذات الاستخدام المزدوج البرمجيات والتقنيات التي قد تُستخدم لأغراض عسكرية أو لتطوير أسلحة.
في فبراير، وضعت وزارة التجارة الصينية 40 كيانًا يابانيًا تحت إجراءات تجارية مقيدة تتعلق بالسلع ذات الاستخدام المزدوج. كما أصدرت قائمة مراقبة منفصلة تضم 20 شركة، يتعين على المصدرين الصينيين بموجبها تقديم طلبات ترخيص فردية وتقارير تقييم مخاطر والتزامات كتابية بأن السلع لن تُستخدم لأغراض عسكرية أو دفاعية. وأصدرت الصين أيضًا تحذيرات سفر تثني مواطنيها عن زيارة اليابان، في محاولة لإلحاق الضرر بقطاع السياحة الياباني الحيوي.
ووفقًا لشينيتشي إيسا، وهو سياسي سبق أن عمل في السفارة اليابانية في الصين، فقد هبطت العلاقات الثنائية إلى أدنى مستوياتها منذ تطبيع العلاقات عام 1972. وفي منشور على منصة إكس في وقت سابق من هذا الشهر، كتب أن المسؤولين ظلوا دائمًا على تواصل حتى أثناء فترات الانحدار السابقة: “الآن انقطعت جميع القنوات بين المسؤولين والوزارات”.
كما أدركت بكين خطورة الموقف؛ إذ حثّت وزارة الخارجية الصينية، الجمعة، الحكومة اليابانية على أخذ جهود دبلوماسييها لإصلاح العلاقات “على محمل الجد” واتخاذ “إجراءات ملموسة” لتطبيع العلاقات. وقال ديلان لو، أستاذ مشارك في برنامج السياسة العامة والشؤون العالمية بجامعة نانيانغ التكنولوجية في سنغافورة، للجزيرة، إن العلاقات الثنائية “هبطت إلى أدنى مستوياتها في الذاكرة الحديثة، وتوقفت الاتصالات تمامًا، وهناك مزيد من عدم الثقة على مستوى النخب والشعوب على حد سواء”.
## هل تستطيع اليابان تحمل الخلاف مع الصين؟
انخفض عدد الوافدين الصينيين إلى اليابان من 715,700 في أكتوبر 2025 إلى 330,000 في ديسمبر، في حين يشكل الزوار القادمون من البر الصيني وهونغ كونغ عادة نحو خمس إجمالي الزوار، وفقًا لتقرير صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في فبراير.
غير أن التقرير وجد أيضًا أن التأثير الاقتصادي كان في حده الأدنى، ويعود ذلك جزئيًا إلى ضعف الين؛ إذ عوّض إنفاق سياح من تايوان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة وهونغ كونغ تراجعَ أعداد الصينيين.
لكن القيود على صادرات معادن الأرض النادرة من الصين تثير قلقًا أكبر. فالصين، التي تزود نحو 80% من واردات اليابان من معادن الأرض النادرة، لم ترسل أي شحنات من الديسبروسيوم أو أكسيد التربيوم إلى اليابان بين نوفمبر 2025 ومايو 2026. وهذه العناصر ضرورية لصناعة مغناطيسات عالية الأداء تدخل في تطبيقات تكنولوجية متعددة، ومصابيح الفلورسنت، ومكونات الطاقة النووية والدفاع. وأبلغت شركتا صناعة السيارات نيسان وسوزوكي عن انقطاعات في الإمداد نتيجة لذلك.
وقال ماساهيرو ماتسومورا، أستاذ السياسة الدولية والأمن الوطني في جامعة سانت أندرو في أوساكا، للجزيرة، إن هذا الضغط سيُدار في النهاية، لكن ليس بسرعة. وأضاف: “على المدى المتوسط والطويل، من المرجح أن يُدار التأثير عبر تنويع المصادر، بما في ذلك قضايا معادن الأرض النادرة، التي تشكل نقطة محورية”. وقال إن اليابان نوّعت إمدادات بعض هذه المعادن، لكنها ما زالت تعتمد على الصين في أخرى مهمة، ووصف ذلك بأنه “صداع كبير” للحكومة ولشركات التقنية العالية اليابانية.
وفي مجالات أخرى، كانت بكين أكثر حرصًا. قال: “ما زالت بكين ترحب بالاستثمار المباشر الياباني، حتى مع بدء نزوح كثير من المستثمرين اليابانيين من الصين، رغم أن بعضهم يجرؤ على البقاء”. وأشار إلى أن الصين لم تشدد على تدفقات الأموال الخارجة بالين، كما تفعل مع هروب رؤوس الأموال بالدولار الأميركي. وأضاف: “تتعامل بكين مع اليابان بطريقة انتقائية”.
## هل ما زالت الولايات المتحدة حليفًا موثوقًا به؟
نعم، لكن ليس كما كانت عليه في السابق، كما يقول خبراء. هناك قلق في اليابان وبين حلفاء آخرين لأميركا في آسيا، إذ تقلّص واشنطن بعض أصولها العسكرية في المنطقة لتلبية احتياجاتها في الشرق الأوسط، حيث ما زالت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران مستمرة.
الأسبوع الماضي، نقلت الولايات المتحدة آخر حاملة طائرات لها في آسيا من اليابان إلى الشرق الأوسط، وهي خطوة جاءت بعد تقارير في وقت سابق هذا العام أفادت بنقل أجزاء من منظومة الدفاع الجوي عالي الارتفاع “ثاد” من كوريا الجنوبية لاستخدامها ضد إيران.
ويبدو أن هذه التحركات أعطت بكين جرأة؛ إذ تحرك الأسطول الصيني إلى ما وراء سلسلة الجزر الأولى، التي تمتد من شمال اليابان عبر تايوان وشمال الفلبين إلى بورنيو. وقال ويليام يانغ، كبير محللي شمال شرق آسيا في مجموعة الأزمات الدولية، للجزيرة، إن إعادة الانتشار الأميركي بعيدًا عن المنطقة تُضعف قدرة الولايات المتحدة على إسقاط القوة في آسيا، وقدرتها على مواجهة تهديدات الصين. غير أن خبراء أمنيين تايوانيين ويابانيين يقولون إن الاهتمام الأميركي، إلى جانب حاملات الطائرات، سيؤول في النهاية إلى العودة إلى آسيا.
## هل يمكن رأب الصدع؟
يقول خبراء إن الوقت ما زال مبكرًا للجزم، لكن زيارة الوفد السياسي متعدد الأحزاب إلى الصين هذا الأسبوع علامة جيدة. وبينما لا توجد آمال كبيرة في الوصول إلى نتائج جوهرية، فإنها على الأقل “بداية متواضعة” لإجراء حوار، كما قال لو.
غير أن ماتسومورا حذّر من أن السياسيين الذين يسافرون إلى بكين، فيما يسميه “دبلوماسية التجمعات البرلمانية”، “ليسوا بالضرورة على وفاق” مع خطوط سياسات إدارة تاكايتشي. وأضاف: “ولا الحزب الحاكم نفسه على رأي واحد. فحتى داخل الحزب الليبرالي الديمقراطي، هناك صراع خفي بين مناهضي الصين والمؤيدين لأميركا، وبين المؤيدين للصين والمناهضين لأميركا”.
بعبارة أخرى، قد لا يكشف الوفد الكثير عن موقف تاكايتشي، بقدر ما يكشف عن الجهة في طوكيو التي تريد فتح قناة تواصل، بصرف النظر عن ذلك.