بكين، الصين – أتمّ رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني زيارة استمرّت يومين إلى الصين، ووصف مسؤولون العلاقة بين البلدين بأنها تدخل "عقدًا ذهبيًا" جديدًا.
الصين وصفت قطر بأنها "شريك استراتيجي مهم" في الخليج والشرق الأوسط، واتفق الجانبان على توسيع التعاون في الطاقة والاستثمار والتقنيات المتقدمة.
لكن من الواضح أن الحرب الأميركية الإسرائيلية المستمرة على إيران، والجهود القطرية للتوسط بين طهران وواشنطن، كانت في صلب المباحثات.
وقال إبراهيم بن سلطان الهاشمي، مدير إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الخارجية القطرية، للصحفيين في الدوحة الثلاثاء بعد المباحثات: "ليس مقبولًا إطلاقًا أن نبقى في حالة لا حرب ولا سلام. هذا لا يخدم المنطقة ولا دولها ولا شعوبها. قطر تعمل بجد مع شركائها، بمن فيهم الصين. هناك جهود دبلوماسية تُبذل وأفكار جديدة تُناقش."
وتعهدت بكين بزيادة التواصل والتنسيق مع الدوحة للمساعدة على استعادة الأمن والاستقرار الإقليميين. كما أبلغت قطر الصين أنها ستعطي أولوية لإمدادات الطاقة رغم الصعوبات.
رهانات أكبر
تعطّل حركة الشحن في مضيق هرمز رفع الرهانات لدى الجانبين. قطر من أكبر مصدّري الغاز الطبيعي المسال في العالم، فيما الصين أكبر مستورد للنفط الخام في العالم. ولدى البلدين مصلحة كبيرة في إعادة الاستقرار إلى المضيق الذي يمر عبره عادة نحو خمس النفط والغاز المسال عالميًا.
الطاقة أيضًا هي العمود الفقري للعلاقة. فالصين أكبر شريك تجاري لقطر، بحجم تبادل بلغ 23.8 مليار دولار العام الماضي. وقطر ثاني أكبر مصدر للغاز المسال إلى الصين، إذ زوّدتها بـ19.4 مليون طن في 2025. وقد وقّعت "قطر للطاقة" اتفاقيات إمداد بالغاز المسال لمدة 27 عامًا مع العملاقين الصينيين "سي إن بي سي" و"سينوبك"، وهما أيضًا استثمرا في التوسعة الضخمة لحقل الشمال القطري.
مصالح متقاربة ونهج مختلفة
لكن رغم هذه المصالح المشتركة، تختلف الدوحة وبكين في التعامل مع طهران. فالصين أعربت مرارًا عن دعمها للوساطة القطرية، لكنها امتنعت إلى حد كبير عن انتقاد الهجمات الإيرانية أو تعطيل مضيق هرمز. كما أنها تضع المسؤولية الأساسية عن الحرب على الولايات المتحدة وإسرائيل، وهي حرب يقول مسؤولون صينيون إنها "كان ينبغي ألا تحدث أصلًا".
ويمكن القول إن بكين هي الشريك الاقتصادي والدبلوماسي الأهم لطهران. فالصين ظلت لسنوات المشتري الأكبر للنفط الإيراني، وتواصل معارضتها للعقوبات الأحادية المفروضة على إيران.
وخلال مباحثاته مع آل ثاني، كرر وزير الخارجية الصيني وانغ يي الدعوة إلى حل دبلوماسي، قائلًا إن "الضغط عبر الوسائل العسكرية ليس حلًا، والحوار والتفاوض هما السبيل الوحيد القابل للتطبيق".
أما قطر، فقد أدانت علنًا الهجمات الإيرانية على أراضيها وعلى دول خليجية مجاورة. كما أنها تشعر بإحباط متزايد بسبب فشل أو تعثّر محاولات حل الأزمة، لكنها تواصل تسهيل الحوار.
ومن وجهة نظر الدوحة، فإن تنسيقًا أوثق مع بكين قد يعني إدخال لاعب مؤثر آخر في جهود إنهاء الحرب، ولا سيما أن الصين تملك علاقات اقتصادية وسياسية قوية بشكل غير اعتيادي مع طهران.
توازن دقيق
الصين أيضًا تدرك الشراكة الأمنية والعسكرية القديمة بين قطر وواشنطن، منافسها الاستراتيجي الأول. قطر تستضيف قاعدة "العديد" الأميركية، أكبر قاعدة عسكرية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وفي الثالث من مارس/آذار، أطلقت إيران صاروخين باليستيين على قطر، اعترض أحدهما بينما أصاب الآخر قاعدة العديد دون أن يسفر عن خسائر بشرية. وقد دفع ذلك الدوحة إلى المطالبة بعلاقات أمنية أقوى مع واشنطن.
لكن الصين لا مصلحة لها في استبدال الولايات المتحدة كضامن أمني، بحسب زون أحمد خان، الباحثة في مركز الصين والعولمة في بكين. وتضيف: "ما نراه هو أن بكين تضع نفسها كلاعب سياسي واقتصادي ذي صلة في وقت تبحث فيه دول عديدة بالمنطقة عن خيارات إضافية".
ويبقى السؤال: إلى أي مدى ستستخدم بكين نفوذها تجاه إيران؟ فحتى الآن، لم تُظهر الصين رغبة كبيرة في استخدام ثقلها للضغط على الحرس الثوري الإيراني.
آفاق أوسع
زيارة رئيس الوزراء القطري التي استمرت يومين لم تكن بالطبع حول إيران فقط. بل إن الحرب زادت من حوافز الدوحة وبكين لتوسيع علاقتهما نحو ما وصفته قطر بـ"آفاق أوسع". فدعا رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ إلى تعميق التعاون في مجالات الطاقة التقليدية والمتجددة والبنية التحتية والذكاء الاصطناعي والمالية، فيما أشار آل ثاني إلى التقنيات المتقدمة والتصنيع المتطور.
وتشير أرقام "استثمر في قطر" إلى أن 520 شركة صينية تعمل في البلاد، وأن المشاريع الاستثمارية الصينية حققت أكثر من ثلاثة مليارات دولار ووفرت أكثر من 3200 وظيفة خلال العقد الماضي.
تؤكد هذه الزيارة شراكة تتسع اقتصاديًا، وقد تصبح أكثر أهمية دبلوماسيًا، في وقت تختبر فيه حرب إيران قدرة البلدين على حماية مصالحهما المشتركة التي تربطهما ببعض.