ثمن النفوذ الإقليمي الإيراني | آراء

منذ أكثر من عامين، بدا الاتفاق الذي رعته الصين بين السعودية وإيران عام 2023 وكأنه يمثل تحولًا في سياسة الخليج: تحولًا من المواجهة نحو تعايش مُدار. لم ينهِ الاتفاق التنافس الاستراتيجي، ولم يكن يسعى إلى ذلك أصلًا. كانت أهميته أكثر محدودية، لكنها ظلت مهمة: فقد خلق مساحة سياسية يمكن من خلالها إدارة التنافس دون أن يتحول مرارًا إلى تصعيد إقليمي مباشر. وقد تعرضت هذه المساحة لضغط شديد في وقت سابق من هذا العام، حين أدت هجمات إيرانية مباشرة على السعودية إلى أن تطرد الرياض الملحق العسكري الإيراني وأربعة من موظفي السفارة. والآن، تضع هجمات الحوثيين المتجددة على الأراضي السعودية وتأجيل المحادثات المخطط لها في عمان ما تبقى من هذا الإطار الدبلوماسي تحت ضغط أكبر. وتكشف هذه التطورات مجتمعة عن تناقض أعمق في قلب الاستراتيجية الإقليمية لطهران: هل تستطيع إيران الحفاظ على علاقات دبلوماسية مستقرة مع جيرانها العرب في الخليج، بينما تواصل استمداد نفوذ استراتيجي من شبكة إقليمية قادرة على تهديد أمنهم مباشرة؟

الهجمات: حين تعبر حرب اليمن الحدود

يمثل التصعيد الأخير تحولًا مهمًا في مسار الصراع في اليمن. فالقتال الذي ظل في معظمه داخل الحدود اليمنية عاد مرة أخرى ليعبر إلى الأراضي السعودية، مما جعل نتائج الحرب تصل مباشرة إلى بيئة الأمن الخليجي. في الثامن من سبتمبر، أطلق الحوثيون موجة منسقة من الهجمات بطائرات مسيرة وصواريخ باليستية على عدة مدن ومواقع استراتيجية سعودية، من بينها أبها وخميس مشيط وجيزان ونجران.

لا تكمن أهمية هذا التصعيد في شدته فقط، بل أيضًا في توقيته ومداه الجغرافي. فقد تزامنت الضربات مع تجدد القتال بين الحوثيين وقوات الحكومة اليمنية حول باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في المنطقة. وبحلول منتصف سبتمبر، أنتج التصعيد أيضًا نتائج إنسانية خطيرة، إذ شرد عشرات الآلاف داخل اليمن، ودفع آخرين إلى عبور البحر الأحمر نحو جيبوتي. كما أن سيطرة الحوثيين على المخا وجزر استراتيجية حول باب المندب زادت من إبراز البعد الاستراتيجي للمواجهة. بعبارة أخرى، لم يعد الصراع محددًا فقط بالسيطرة على أراضٍ داخل اليمن، بل أصبح مرتبطًا بشكل متزايد بالسيطرة على جغرافيا استراتيجية، وبالقدرة على ممارسة الضغط خارج الحدود اليمنية.

لماذا الآن: هرمز، والبحر الأحمر، وجغرافيا الضغط المتوسعة

يقرأ  أستراليا تتحول إلى عاصمة لمراكز البيانات.. لكن بأي ثمن؟

التوقيت مهم لأن التصعيد يتزامن مع ضغوط متزايدة في أماكن أخرى من المنطقة. فمنذ أن شنت إسرائيل والولايات المتحدة حربهما على إيران في فبراير، ضيقت طهران بشدة حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، مما زاد بشكل حاد من أهمية طرق التصدير الغربية للسعودية عبر البحر الأحمر. وهذا التحول زاد بدوره من الأهمية الاستراتيجية لباب المندب كبوابة بديلة لتدفقات الطاقة.

تربط هذه التطورات بين مسرحين بحريين غالبًا ما يُحللان بشكل منفصل. فهرمز هو البوابة الشرقية الرئيسية للخليج، بينما يوفر باب المندب مدخلًا إلى البحر الأحمر من الغرب. والضغط المتزامن حول الاثنين يخلق جغرافيا أوسع من الهشاشة الاستراتيجية، ويمدد نتائج المواجهة إلى ما هو أبعد بكثير من ساحة المعركة المباشرة. وفي هذا السياق، يكتسب موقع الحوثيين على الساحل الغربي لليمن أهمية تتجاوز الديناميكيات الداخلية للصراع اليمني. فهو يصبح نقطة أخرى يمكن من خلالها ممارسة الضغط على منظومة الأمن الإقليمي الأوسع.

القضية المركزية إذن ليست ما إذا كانت طهران تحدد مباشرة كل قرار عسكري للحوثيين. الأهم هو ما إذا كانت التطورات في اليمن تخدم أهداف إيران الاستراتيجية الأوسع أو تكملها. وعندما يتزامن الضغط حول هرمز مع عدم الاستقرار حول باب المندب، يمكن أن يبدأ ساحتان بحريتان مختلفتان في العمل كمصدرين مترابطين للنفوذ. والنتيجة ليست مجرد توسع للصراع نفسه، بل توسع للجغرافيا التي يمكن من خلالها تطبيق الضغط الاستراتيجي.

محادثات عمان: حين يضيّق التصعيد مساحة الدبلوماسية

يوضح تأجيل المحادثات التي تستضيفها عمان مدى السرعة التي يمكن أن يضيق بها التصعيد العسكري المساحة السياسية المتاحة للدبلوماسية. كان من المتوقع أن تجتمع دول الخليج وإيران في صلالة لمناقشة ترتيبات إدارة الملاحة عبر مضيق هرمز، بناءً على تفاهم قائم بين طهران ومسقط. وكان من المفترض أن تركز المحادثات المقترحة على تدابير عملية للأمن البحري، بما في ذلك ترتيبات الملاحة وآليات تقليل المخاطر حول أحد أهم الممرات المائية في العالم.

لكن البيئة الإقليمية تغيرت بسرعة أكبر مما استطاعت العملية الدبلوماسية استيعابه. فقد كانت البحرين قد أعلنت بالفعل أنها لن تشارك، ثم أعلنت عمان لاحقًا تأجيل الاجتماع، دون تحديد موعد جديد، بعد أن خلصت إلى أن الظروف المطلوبة لمفاوضات مثمرة لم تعد قائمة. وأقرت إيران بأن التأخير جاء بعد مخاوف أثارتها بعض الدول الإقليمية، كما أشارت تقارير إلى خلافات حول عناصر من الإطار المقترح.

يقرأ  الرئيس الإيراني: حان وقت إنهاء الحرب مع أمريكا من موقع قوة | أخبار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران

لذلك، تمتد أهمية التأجيل إلى أبعد من إلغاء اجتماع واحد. فهو يكشف عن مشكلة أوسع في الدبلوماسية الإقليمية: لا يمكن بسهولة عزل المفاوضات عن البيئة الأمنية التي تجري فيها. وبالنسبة للسعودية، كان من الصعب سياسيًا أن تناقش الأمن البحري مع طهران بينما تواجه في الوقت نفسه هجمات صاروخية وبطائرات مسيرة من فاعل مرتبط بإيران. ولم يعد السؤال مجرد ما إذا كان الحوار يمكن أن يستمر، بل ما إذا كانت الثقة الاستراتيجية الكافية ما زالت موجودة كي ينتج ذلك الحوار نتائج ذات معنى.

التصعيد الحالي إذن يطرح سؤالًا استراتيجيًا أوسع: هل يمكن لإيران أن تواصل استخلاص النفوذ من الضغط الإقليمي، بينما تحافظ على هدفها الأطول أمدًا في إقامة علاقات مستقرة مع جيرانها العرب في الخليج؟ منذ استعادة العلاقات الدبلوماسية السعودية الإيرانية في 2023، سعت طهران إلى تقديم الحوار الإقليمي كبديل للمواجهة الدائمة، وإلى إظهار أن أمن الخليج يمكن إدارته عبر الانخراط بدلًا من التصعيد المستمر. لكن متانة هذا النهج تعتمد على أكثر من مجرد إبقاء القنوات الدبلوماسية مفتوحة. فهي تتطلب أيضًا إقناع الدول المجاورة بأن التقارب يمكن أن يوفر قدرًا meaningful من الطمأنة الاستراتيجية.

نمط التصعيد الحالي يضع هذه الفرضية تحت ضغط متزايد. فعندما تصل هجمات صاروخية وبطائرات مسيرة من فاعل مرتبط بإيران إلى الأراضي السعودية في الوقت نفسه الذي ينمو فيه عدم الاستقرار حول باب المندب وهرمز، قد تجد دول الخليج صعوبة متزايدة في الفصل بين علاقتها الدبلوماسية مع طهران ومخاوفها الأمنية الأوسع. ومرة أخرى، القضية الحاسمة ليست ما إذا كانت إيران تتحكم مباشرة في كل قرار حوثي. استراتيجيًا، ما يهم هو الانطباع بأن طهران ما زالت تستفيد من شبكة إقليمية قادرة على فرض تكاليف على الدول المجاورة في فترات المواجهة.

وهذا الديناميكية تخلق مفارقة صعبة لطهران. لقد سعت إيران طويلًا إلى منع ظهور بنية أمنية إقليمية أكثر توحدًا وموجهة ضدها. لكن مع اتساع جغرافيا الضغط، قد تصبح لدى دول الخليج حوافز أقوى لتعميق شراكاتها الأمنية الخارجية والتنسيق فيما بينها بشكل أوثق. وهكذا يمكن لأداة كان يُقصد بها خلق عمق استراتيجي وقوة تفاوضية أن تنتج تأثيرًا معاكسًا: تنسيق إقليمي أكبر حول المخاوف الأمنية نفسها التي تسعى إيران إلى احتوائها.

يقرأ  لاعبات المنتخب الإيراني يكشفن عن «ضغوط هائلة» وراء دراما كأس آسيا — أخبار كرة القدم

لكن هناك طريقة أخرى لتفسير حسابات طهران. فتحت الضغط العسكري المباشر، وفي ظل عدم يقين متزايد بشأن موقعها الإقليمي، قد ترى إيران أن الضغط الناتج على جبهات متعددة هو مصدر نفوذ في زمن الحرب، وليس أساس علاقاتها طويلة الأمد مع جيرانها. ومن هذا المنظور، لا يلزم التعامل مع الضغط الاستراتيجي والانخراط الدبلوماسي الإقليمي كأمرين متنافيين. بل يمكن فهمهما كمرحلتين مختلفتين من الاستراتيجية نفسها: تعظيم النفوذ أثناء المواجهة، ثم العودة إلى الدبلوماسية بعد أن يتغير ميزان الضغط المباشر.

لكن هذا الحساب يحمل مخاطرة استراتيجية كبيرة. فهو يفترض أن الثقة السياسية يمكن تعليقها أثناء المواجهة ثم إعادة بنائها بعدها. غير أن التقارب الدبلوماسي يتجاوز استعادة التمثيل الدبلوماسي أو إعادة فتح قنوات الاتصال؛ فمتانته تعتمد على التوقعات بشأن السلوك المستقبلي. ودورات التصعيد المتكررة التي يعقبها إعادة ضبط دبلوماسية يمكن أن تآكل هذه التوقعات تدريجيًا. وقد تجعل كل دورة المحاولة التالية للطمأنة أكثر صعوبة، وتقلل الثقة التي تعتمد عليها الاتفاقات المستقبلية.

وتمتد النتائج إلى ما هو أبعد من العلاقات السعودية الإيرانية. فقد أعطى دور الصين في رعاية اتفاق 2023 للتقارب بُعدًا دوليًا أوسع، بينما يظهر تأجيل محادثات عمان مدى السرعة التي يمكن أن تضيّق بها التطورات الميدانية مساحة الدبلوماسية الإقليمية. وكلما زادت مرات تجاوز الترتيبات الدبلوماسية بتصعيد متجدد، أصبح من الصعب على الوساطة وأطر الانخراط الإقليمي أن تولد ثقة مستدامة. لذلك لا يقتصر الضرر على مفاوضات واحدة؛ بل يمكن أن يتراكم عبر البنية الدبلوماسية الأوسع التي يُقصد بها احتواء التنافس الإقليمي.

وهذه في النهاية هي تكلفة النفوذ. قد يوسع الضغط التكتيكي الخيارات التفاوضية في المدى القصير، لكن قيمته الاستراتيجية تصبح أصعب في الاستمرار عندما يبدأ الضغط نفسه في إضعاف العلاقات اللازمة لاستقرار إقليمي طويل الأمد. وبالنسبة لإيران، فإن التحدي المركزي ليس فقط مقدار الضغط الذي يمكن أن تولده شبكتها الإقليمية. بل ما إذا كان استمرار استخلاص النفوذ من تلك الشبكة يمكن أن يبقى متوافقًا مع النظام الإقليمي الذي تقول طهران إنها تريد بناءه.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن كاتبها ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري للجزيرة.

أضف تعليق