حسابات إيران في ظل تصعيد أمريكي وشيك: الثقة والانتخابات النصفية ومضيق هرمز

مع تكثيف القوى الإقليمية جهودها الدبلوماسية لمنع تصعيد جديد في الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، التي دخلت شهرها الثامن، لا تبدي طهران مؤشرات تُذكر على التراجع عن خطوطها الحمراء.

وأعلنت الصين يوم الثلاثاء أن بكين سترسل مبعوثا إلى دول معنية في المنطقة قريبا للمساعدة في تجنب جولة تصعيد أخرى، وهو ما يبرز تزايد إلحاح البحث عن حل سلمي لصراع أربك أسواق الطاقة العالمية وامتدت تداعياته إلى أنحاء المنطقة.

ويوم الاثنين، اجتمع مسؤولون كبار من السعودية وباكستان وتركيا، وهي الدول الثلاث التي وقعت ميثاق مكة الدفاعي في أغسطس، مع مسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى، ووعدوا بمواصلة المباحثات المتعلقة بـ«السلام والأمن» في المنطقة.

غير أن طهران تبدو مصممة على عدم التنازل عن مطالبها، خصوصا أنها تمتلك نفوذا كبيرا على مستقبل التجارة البحرية في مضيق هرمز، الذي كانت تمر عبره خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم قبل الحرب.

وقالت نيغار مرتضوي، محررة ومقدمة برنامج «إيران» الصوتي، لـ«الجزيرة»: «أولوية إيران ليست مجرد تأمين وقف إطلاق نار آخر، بل إنهاء الحرب بشكل دائم وبناء ردع يمنع تكرار دورة الهجمات العسكرية الأميركية والإسرائيلية».

وتواصل طهران الإصرار على رفع العقوبات، وإنهاء الحصار البحري الأميركي على موانئها في الخليج، والحصول على ضمانات بأن الولايات المتحدة لن تجدد الهجمات، مقابل المساعدة في استعادة حركة الملاحة الطبيعية في مضيق هرمز. وتريد واشنطن من إيران أن تقدم المزيد قبل التفاوض على تسوية سلام نهائية، بما في ذلك تقديم تنازلات بشأن برنامجها النووي.

ويرى خبراء أن حسابات إيران الحالية تحركها عدة عوامل، منها انعدام ثقة عميق بواشنطن التي شنت هجمات على إيران ثلاث مرات منذ يونيو 2025 أثناء إجراء محادثات، واعتقاد بأن استمرار الضغط الاقتصادي قد يدفع واشنطن إلى تقديم تنازلات أكثر جذبا، إضافة إلى انتخابات إسرائيل والولايات المتحدة المرتقبة هذا الأسبوع والأسبوع المقبل.

غياب الثقة

في جوهر موقف إيران اعتقاد بأن الجهود الدبلوماسية السابقة لم توفر حماية كافية ضد هجمات أميركية وإسرائيلية جديدة. فقد أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل أول ضربات الحرب في 28 فبراير، بينما كانت محادثات السلام جارية في عُمان. وفي يونيو من العام الماضي، شنت إسرائيل حربا على إيران استمرت 12 يوما، وانضمت إليها الولايات المتحدة.

وساعدت باكستان وقطر في يونيو من هذا العام على التوصل إلى مذكرة تفاهم تهدف إلى إعادة فتح مضيق هرمز، وإنهاء الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية، ووضع شروط لبدء مفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني.

يقرأ  دراسة جديدة تقلب النظرية:السكان الأصليون في أستراليا لم يصطادوا الحيوانات الضخمة حتى انقرضت

لكن الترتيب انهار سريعا بعد استئناف الطرفين الهجمات، ما أدى إلى هجمات أميركية متواصلة على إيران لعدة أسابيع في يوليو، ثم ضربات انتقامية إيرانية استهدفت أصولا عسكرية أميركية ومنشآت للطاقة في دول خليجية مجاورة وفي الأردن.

وقال سينا توسي، الزميل الأول غير المقيم في مركز السياسة الدولية، إن فشل ذلك الترتيب رسخ موقف طهران. وأضاف لـ«الجزيرة»: «تعتقد إيران أن المفاوضات وترتيبات وقف إطلاق النار السابقة فشلت في حمايتها من هجمات عسكرية جديدة، ولذلك تسعى إلى ضمانات أكثر ملموسة واستدامة».

وفي المقابل، ظل الرئيس الأميركي دونالد ترامب غامضا بشأن المسار الذي سيسلكه في المستقبل القريب. وقال للصحافيين يوم الأحد: «سؤالي هو: هل أعقد صفقة معهم أم أقضي عليهم؟». وكان قد قال سابقا إن الهجمات على إيران لن تحدث قبل انتخابات التجديد النصفي في 3 نوفمبر.

وقال محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، الأسبوع الماضي، إن القوات المسلحة للبلاد مستعدة للرد على أي هجمات جديدة، بما في ذلك عبر التوغل في دول مجاورة لطهران وضرب قواعد تستخدم في عمليات عسكرية أميركية، ضمن استراتيجيتها «الهجومية» الجديدة في حربها مع الولايات المتحدة.

وأضاف أن إيران لن تعيد فتح مضيق هرمز ولن تبدأ محادثات سلام إلا بعد أن تتخذ واشنطن خطوات ملموسة لإعادة بناء الثقة، بما في ذلك تلبية الشروط الإيرانية الأخيرة: تعليق العقوبات، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، ورفع الحصار البحري الأميركي عن الموانئ الإيرانية، وتقديم ضمانات ملموسة بعدم شن هجمات مجددا.

انتخابات التجديد النصفي وانتخابات إسرائيل

ستحدد انتخابات التجديد النصفي الأميركية الأسبوع المقبل، التي ستشمل جميع مقاعد مجلس النواب البالغة 435 مقعدا و35 من أصل 100 مقعد في مجلس الشيوخ، أي حزب سيسيطر على الكونغرس الأميركي في السنتين الأخيرتين من رئاسة ترامب. والحرب، التي أصبحت غير محبوبة بعمق لدى الأميركيين، تتحول إلى قضية داخلية مثيرة للجدل بشكل متزايد.

وأظهر استطلاع أجرته رويترز وإبسوس في وقت سابق من هذا الشهر أن 34 في المئة فقط من الأميركيين يوافقون على طريقة تعامل ترامب مع الصراع، وهو أدنى تقييم له خلال فترتيه الرئاسيتين. وأغلبيات الجمهوريين في مجلسي الكونغرس هشة أصلا: 53 إلى 47 في مجلس الشيوخ، بما في ذلك مستقلان يصوتان مع الديمقراطيين، و218 إلى 214 في مجلس النواب.

كما رفعت الحرب أسعار الطاقة، وخصوصا الديزل الذي تضاعف سعره تقريبا، مما شكل عبئا كبيرا على المزارعين والشركات الصغيرة، وأضاف إلى المخاوف بشأن التضخم والقدرة على تحمل التكاليف التي تهيمن على الحملة الانتخابية.

يقرأ  انهيار كنيسة قيد الإنشاء في إثيوبيا يودي بحياة ما لا يقل عن ٢٥ من المصلين

وتقول بعض التقارير نقلا عن مسؤولين إيرانيين إن طهران قد تمدد المفاوضات عمدا لحرمان ترامب من أي انتصار سياسي قبل الانتخابات.

وقد تؤدي انتكاسة للجمهوريين إلى تقليص هامش مناورة ترامب أكثر، خصوصا إذا سيطر الديمقراطيون على الكونغرس ووسعوا الرقابة على إدارة الحرب.

وقالت المحللة مرتضوي: «تريد طهران أن تعطي واشنطن درسا، بما في ذلك للرؤساء الأميركيين المستقبليين، بأن مهاجمة إيران تأتي بثمن باهظ». وأضافت: «استراتيجية الردع لديها متعددة الطبقات، وتهدف إلى فرض تكاليف عسكرية واقتصادية وسياسية تتجاوز ساحة المعركة بكثير».

وقبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية، تجري إسرائيل انتخاباتها يوم الثلاثاء، ما يضيف بعدا آخر إلى حسابات إيران. قد يؤدي إخفاق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى تعقيد تجديد هجمات مشتركة مع الولايات المتحدة على إيران، إذ يقول خبراء إنه كان القوة الرئيسية وراء منح ترامب الضوء الأخضر لشن الحرب.

ويرى بعضهم أن فوز المعارضة بقيادة القائد العسكري السابق غادي آيزنكوت قد يخفف التوتر الإقليمي، لكن إزاحة نتنياهو لا تعني بالضرورة أن إسرائيل ستتبنى موقفاً أكثر ليونة تجاه إيران. فآيزنكوت نفسه قائد عسكري سابق، وقد عبر مراراً عن قلقه من برنامج إيران النووي ونفوذها الإقليمي.

وقالت مرتضوي إن المسؤولين الإيرانيين يتابعون عن كثب النتائج السياسية للحرب في واشنطن وإسرائيل، لكنهم يدركون خطر تصعيد جديد بعد الانتخابات، وهو ما يجعل التوصل إلى تسوية دبلوماسية دائمة أكثر إلحاحاً.

ورقة هرمز

يظل تحكم إيران في الملاحة عبر مضيق هرمز أحد أقوى أوراقها التفاوضية. فقبل بدء الحرب في 28 شباط/فبراير، كان الممر المائي ينقل نحو خُمس إمدادات الطاقة في العالم، ما منح طهران نفوذاً كبيراً على أسواق النفط العالمية. وسجل تشرين الأول/أكتوبر أعلى عدد من الهجمات على السفن التجارية قرب هرمز، وفق بيانات معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى. وفي الأسبوع الماضي، قفز خام برنت فوق 117 دولاراً للبرميل، مقارنة بنحو 72 دولاراً قبل الحرب، بعد هجمات إيرانية على ناقلات، بينما ما زالت الملاحة عبر المضيق بعيدة جداً عن مستويات ما قبل الحرب.

وقال كريس بوشامب، كبير محللي السوق في مجموعة آي جي، إنه يعتقد أن إيران تستغل هذا الضغط الاقتصادي عمداً ضمن صراع أوسع على التحمل مع واشنطن. وأضاف لـ«الجزيرة»: «إنهم يعرفون أنهم في سباق استنزاف مع الولايات المتحدة لمعرفة من سينهار أولاً. لكنهم الآن مرتاحون إلى مواصلة مهاجمة السفن لدفع الأسعار إلى الارتفاع».

يقرأ  كلوي مال.. رئيسة التحرير الجديدة في «فوغ» الأمريكية بعد تنحّي آنا وينتور

غموض حول الجهود الدبلوماسية

تعكس المبادرة الدبلوماسية الأخيرة قلقاً متزايداً لدى القوى الإقليمية من عواقب جولة أخرى من القتال. ووافقت السعودية وباكستان وتركيا مع مسؤولين إيرانيين يوم الاثنين على مواصلة المحادثات حول السلام والأمن الإقليميين، وسط مخاوف من أن النزاع قد يتصاعد مجدداً. وتأتي المحادثات في طهران في ظل توتر إقليمي مرتفع بعد أسابيع من هجمات شنتها جماعة الحوثي المرتبطة بإيران في اليمن على السعودية، وهي أيضاً طرف في نزاع مع قوات الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً والمدعومة من الرياض. ولباكستان وتركيا علاقات استراتيجية وثيقة بالسعودية، وقد التزمتا بدعم الرياض عسكرياً بموجب اتفاق مكة للدفاع المشترك الذي أُبرم مؤخراً بين الدول الثلاث ذات الأغلبية المسلمة.

وقال المحلل السياسي رامي خوري، وهو زميل غير مقيم في المركز العربي في واشنطن، إن الاجتماع كان له أهداف عدة، بعضها أكثر إلحاحاً من غيره. وأضاف لـ«الجزيرة»: «الهدف الأكثر إلحاحاً هو خفض التصعيد ومحاولة العودة إلى العملية الدبلوماسية، والوصول إلى وقف دائم لإطلاق النار، ثم تحديد القضايا ومعالجتها بوساطة أقوى تدعمها هذه الدول الثلاث وربما دول أخرى».

وأشار إلى أن المحادثات قد تمثل بداية تحول بعيداً عن نظام أمني إقليمي تهيمن عليه واشنطن، نحو نظام تستطيع فيه دول الشرق الأوسط وقوى إقليمية أخرى ممارسة نفوذ أكبر.

وفي الوقت نفسه، قال توسي من مؤسسة سي آي بي إن القوى الإقليمية تدرك بشكل متزايد أن أمنها لا يمكن فصله عن أمن إيران، رغم خلافاتها مع طهران. وأضاف: «سيكون من الصعب تثبيت استقرار اليمن ما دامت المواجهة الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران مستمرة، كما سيكون من الصعب التوصل إلى تسوية دائمة مع إيران ما دام التصعيد العسكري الإقليمي يشكل تهديداً دائماً».

وفي المحصلة، قالت مرتضوي مقدمة برنامج «إيران بودكاست» إن أكبر عقبة تبقى هي انعدام ثقة إيران في واشنطن. وأوضحت: «بعد الحربين، أصبحت طهران شديدة التشكيك في الالتزامات الأمريكية، وتريد ضمانات ملموسة بأن أي اتفاق لن يتحول ببساطة إلى هدنة مؤقتة أخرى قبل الهجوم التالي».

وتابعت: «إيران مستعدة للتفاوض، وقد أظهرت بالفعل مرونة بتقديم مقترح لإنهاء الحرب. لكن طهران تعتقد أنها تحتفظ بنفوذ كبير، خصوصاً في مضيق هرمز، ولن تتخلى عن هذا النفوذ تحت الضغط العسكري أو الاقتصادي. الهدف هو إنهاء الحرب بشكل دائم، لا وقف آخر مؤقت لإطلاق النار يترك النزاع الأساسي دون حل».

أضف تعليق