يستثمر الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي المطالبة الطويلة الأمد لبلاده بجزر فوكلاند (مالفيناس)، عبر الجمع بين التهديد بفرض عقوبات على مشروع نفطي بحري كبير قبالة الجزر وبين الإشادة الواسعة بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، بعد أن شكك الأخير علناً في موقف واشنطن من هذه الأراضي البريطانية المتنازع عليها.
تأتي تصريحات ميلي في وقت تدهورت فيه العلاقات بين ترامب والحكومة البريطانية بسبب رفض بريطانيا دعم عمل عسكري أميركي ضد إيران، وفي وقت يقدّم فيه ميلي اليميني الأرجنتين بشكل متزايد على أنها واحدة من أقرب حلفاء واشنطن الأيديولوجيين في أمريكا اللاتينية.
وكانت بريطانيا تدير جزر فوكلاند، التي تسميها الأرجنتين مالفيناس، منذ عام 1833. غير أن الأرجنتين تقول إن الجزر تقع قبالة سواحلها، ولذلك تطالب بالسيادة عليها. وكانت الولايات المتحدة تقليدياً تدعم الموقف البريطاني من الجزر. لكن محللين يقولون إن استعداد ترامب لمراجعة سياسة أميركية راسخة، حتى لو كان الهدف الأساسي من ذلك الضغط على لندن، قد يمنح ميلي فرصة لتوحيد الأرجنتينيين حول واحدة من القضايا الوطنية القليلة الدائمة في البلاد.
وأعيد إحياء القضية هذا الأسبوع بعد أن اتهم يائير نتنياهو، نجل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بريطانيا بالنفاق وكتب على منصة إكس باللغة الإسبانية: “جزر فوكلاند ملك للأرجنتين”.
جزر فوكلاند إقليم بريطاني فيما وراء البحار يتمتع بالحكم الذاتي في جنوب المحيط الأطلسي، ويبعد حوالي 13 ألف كيلومتر عن بريطانيا. وتقول الأرجنتين إنها ورثت السيادة على الجزر من إسبانيا في القرن التاسع عشر. لكن بريطانيا تشير إلى وجودها الطويل هناك وإلى رغبة السكان في البقاء تحت السيادة البريطانية. ففي استفتاء عام 2013، صوّت 1513 من أصل 1517 ناخباً لصالح البقاء إقليماً بريطانياً.
وتحول النزاع إلى حرب عام 1982 عندما استولت الأرجنتين على الجزر. أرسلت بريطانيا، بقيادة رئيسة الوزراء آنذاك مارغريت تاتشر، قوة عسكرية لاستعادتها. وبعد 74 يوماً من القتال، قُتل 649 جندياً أرجنتينياً و255 جندياً بريطانياً.
وفي خطاب متلفز بث مساء الخميس، استغل ميلي تصريحات ترامب التي لمح خلالها إلى أن واشنطن قد تعيد النظر في موقفها من الجزر، وتحدث عن “رياح تغيير” تهب لصالح المطالبة الأرجنتينية. وقال: “الولايات المتحدة تدرس هذا التغيير في موقفها لأنها تعلم أن الأرجنتين شريك موثوق، متحالف مع القيم الغربية، في موقع استراتيجي مهم، ويمكن أن يكون حليفاً قيماً في العقود المقبلة”.
كما أعلن إجراءات تهدف إلى عرقلة تطوير مشروع “سي لايون” النفطي، الواقع على بعد نحو 220 كيلومتراً شمال الجزر. ويقع الحقل في مياه تديرها سلطات جزر فوكلاند، وتعتبره الأرجنتين استغلالاً غير قانوني لموارد في مياه تعتبرها ملكاً لها. ومن المقرر أن تبدأ شركة “روكهوبر إكسبلوريشن” البريطانية وشركة “نافيتاس بتروليوم” الإسرائيلية الحفر في الأشهر المقبلة، على أن يبدأ إنتاج النفط عام 2028.
وهدد ميلي أيضاً بفرض عقوبات أشد على الشركات المشاركة في المشروع، وأعلن تمويلاً جديداً لقاعدة بحرية في تييرا ديل فويغو، أقصى مقاطعات الأرجنتين جنوباً، لتعزيز الوجود العسكري قرب الجزر. وقال: “لن تقف الأرجنتين مكتوفة الأيدي. أي تقدم إضافي على جزر مالفيناس سيعتبر انتهاكاً لأمننا القومي”. وأضاف: “يمكن أن نختلف حول أسلوبي، ويمكن أن نختلف حول سياسة المالية العامة أو سعر الصرف، لكن هناك قضايا تعلو فوق أي خلاف سياسي. مالفيناس واحدة منها”.
غير أن ترامب لم يذهب إلى حد تأييد المطالبة الأرجنتينية بالكامل، لكنه أثار مراراً احتمال تغير موقف واشنطن. وفي مقابلة هذا الأسبوع مع قناة “جي بي نيوز” اليمينية في بريطانيا، بدا وكأنه يوحي بأنه قد لا يساعد بريطانيا إذا نشب نزاع مع الأرجنتين حول الجزر. وقال إن بريطانيا “لم تكن موجودة لمساعدتي” في الحرب مع إيران، مضيفاً: “لم نكن بحاجة إلى مساعدة، لكنني طلبت من الناتو وسألت زعيمكم السابق: لماذا لم ترسلوا سفينتين؟”.
وسئل في مقابلة منفصلة مع بي بي سي عما إذا كان الموقف الأميركي القديم بشأن المطالبة البريطانية بجزر فوكلاند قيد المراجعة، فقال: “أراجع كل موقف دائماً. هذا واحد من كثيرين”.
وجاءت تصريحات ترامب بعد تقارير أفادت بأن مسؤولين في وزارة الدفاع الأميركية يدرسون استخدام موقف واشنطن من فوكلاند كورقة ضغط على بريطانيا لزيادة الإنفاق الدفاعي، بما في ذلك احتمال معارضة السيادة البريطانية على الجزر. وفي نيسان/أبريل، تضمنت رسالة إلكترونية مسربة من البنتاغون اقتراح مراجعة الدعم الأميركي للموقف البريطاني من فوكلاند كوسيلة للضغط على لندن بسبب رفضها دعم العمل العسكري الأميركي ضد إيران.
وقال كريستوف بلوت، الأستاذ في جامعة برادفورد البريطانية، للجزيرة إن السياق مهم هنا. وأوضح أن “ترامب لم يؤيد المطالبة الأرجنتينية بالسيادة؛ بل قال فقط إن الموقف الأميركي قيد المراجعة”. وأضاف أن الفكرة يبدو أنها نشأت “داخل البنتاغون كورقة ضغط على بريطانيا بشأن الإنفاق الدفاعي ورفضها دعم عمل أميركي ضد إيران، وليس انطلاقاً من إعادة تقييم نزاع فوكلاند نفسه”.
وعلى الجانب البريطاني، شددت الحكومة على ثبات موقفها. وقال وزير الدفاع ويس ستريتنج إن التزام بريطانيا بالجزر “لا يتزعزع”، بينما قال متحدث باسم رئيس الوزراء آندي بورنهام إن لسكان الجزر الحق في تقرير مستقبلهم، وإن التزام بريطانيا تجاههم “ثابت”.
وقال ماثيو بينويل، المتخصص في شؤون جزر فوكلاند والجغرافيا السياسية، للجزيرة إن تصريحات ترامب ستسبب قلقاً في لندن وستانلي، عاصمة الجزر، لكنه حذّر من النظر إليها باعتبارها تغييراً في السياسة الفعلية. وأضاف: “في هذه المرحلة، هي مجرد تصريحات من الرئيس ترامب”. وما إذا كانت ستقود إلى تغيير في الموقف الأميركي من السيادة أو إلى دعوة صريحة للتفاوض، فهو أمر غير مؤكد، مشيراً إلى أن مثل هذا التحول يبدو غير مرجح في الوقت الحالي.
تاريخياً، اعترفت واشنطن بالإدارة البريطانية الفعلية للجزر من دون أن تتخذ موقفاً رسمياً من مسألة السيادة. وكانت تلك الحيادية تحسب لمصلحة لندن. وقال كلاوس دودز، الأستاذ في جامعة رويال هولواي في لندن، للجزيرة إن بريطانيا كانت تقليدياً قادرة على الاعتماد على علاقة أوثق مع واشنطن من علاقة الأرجنتين. وأضاف: “الآن تغير ذلك”. ومع بقاء ترامب في البيت الأبيض وتحالفه الوثيق مع ميلي، يرجّح دودز أن ينظر الرئيس الأرجنتيني إلى اللحظة الراهنة على أنها فرصة “ليستغلها متى وأينما استطاع”.
وظهر ميلي مراراً في فعاليات مؤيدة لترامب في الولايات المتحدة، وحضر تنصيبه الثاني، ووصفه ترامب بأنه “رئيسه المفضل”. وفي العام الماضي، أذن ترامب بحزمة دعم مالي للأرجنتين بقيمة 20 مليار دولار، ربطها بنجاح حزب ميلي في الانتخابات التشريعية. وبعد فوز حزب “لا ليبرتاد أفانزا”، سمح ترامب بزيادة واردات لحوم البقر الأرجنتينية إلى الولايات المتحدة.
وقالت إليونورا ناتالي، المحللة المختصة بالسياسة في أمريكا اللاتينية، إن أي انفتاح أميركي تجاه الأرجنتين بشأن فوكلاند يجب أن يُقرأ في سياق العلاقة الأوسع. وأضافت أن “ميلي أصبح أحد أقرب حلفاء ترامب الأيديولوجيين في أمريكا اللاتينية”، مشيرة إلى مواقف مشتركة بشأن الأمن والهجرة والشك إزاء المؤسسات متعددة الأطراف.
كما حذر تيلمان ألتنبرغ، الخبير في الدراسات الإسبانية بجامعة كارديف، من تفسير تصريحات ترامب على أنها تحول حاسم في مسألة السيادة. وقال إن تصريحاته “أولاً وقبل كل شيء انعكاس للعلاقة بين الولايات المتحدة وبريطانيا، وليس تحولاً متعمداً في السياسة الأميركية تجاه الجزر”. غير أنه أضاف أن ميلي قد يرى في التقارب الحالي “نافذة فرصة” لتقديم موقف بلاده من الجزر، وتقوية يده قبل انتخابات 2027.
وفي شأن ما إذا كان الدعم الأميركي قادراً على التأثير في النزاع، قال محللون إن تغييراً فعلياً في موقف واشنطن سيكون مهماً، لكن آثاره العملية ستكون محدودة. وقال دودز إن التخلي عن الحياد سيمثل خروجاً عن “مبدأ أساسي من مبادئ السياسة الأميركية بعد عام 1982”، ويمكن قراءته على أنه مكافأة من ترامب لميلي ومعاقبة لبريطانيا لرفضها دعم عمليات أميركية ضد إيران.
وقال بلوت إن الدعم الأميركي قد يمنح الأرجنتين نفوذاً دولياً أكبر، ويجعل الشركات أكثر حذراً بشأن الاستثمار في مشاريع النفط حول الجزر. لكنه أضاف أنه “لن يكون تغييراً جوهرياً ولا يُلزم بريطانيا بالتفاوض على السيادة”. وأوضح أن بوينس آيرس لا تملك وسائل مادية لمنع الإنتاج في حقل سي لايون، لكن يمكنها استخدام العقوبات والضغوط القانونية ضد الشركات المشاركة في تطويره.
وقد تضيف تصريحات ترامب قيمة رمزية في الأرجنتين حتى قبل صدور أي قرار رسمي أميركي، بحسب ألتنبرغ. وقال إنها في بوينس آيرس “قد تُقرأ كإشارة إلى أن مسألة السيادة قد تُطرح مجدداً أمام المجتمع الدولي قريباً”.