مع استمرار آثار الحرب، تشهد غزة ارتفاعاً غير مسبوق في التشوهات الخلقية وزيادة بنسبة 140% في حالات الولادات الميتة.
في وحدة حديثي الولادة بمشفى ناصر جنوب غزة، يكافح رضّع من أجل حياتهم أمام تشوهات خلقية خطيرة يُرجعها الأطباء إلى ظروف القصف والإبادة الممنهجة التي فرضتها اسرائيل على القطاع.
ولد أسامة، البالغ شهرين، بثقب في القلب واتّساع في بطينات الدماغ. لم تغادر والدته، نجيّة زروب، المستشفى منذ ولادته. قالت زروب إنها حملت به أثناء الحرب، وكانت فترة الحمل مرهقة للغاية بسبب نقص الغذاء والعيش في خيام بلا مياه شرب آمنة. هذا الإجهاد الشديد دفعها للولادة المبكرة، وأكد الأطباء أن الحالة ليست وراثية لكونه طفلها الأول ولعدم وجود تاريخ عائلي من مثل هذه الحالات.
يتشارك أسامة الغرفة مع طفلين آخرين: أحمد ذو الأسبوعين الذي تظهر عليه علامات استسقاء الرأس (تراكم سائل في البطينات يؤدي إلى ضغط على أنسجة الدماغ)، وسهير ذات الشهرين المولودة بتشوهات متعددة في الفم والأذنين. في وقت سابق من اليوم كانت الوحدة تستقبل خمسة رضّع مصابين بتشوهات خلقية، لكن نقلت الطفلة فتامة إلى العناية المركزة لإنقاذ حياتها، بينما توفي رضيع آخر يُدعى إيّال.
ارتفاع غير مسبوق
رغم صعوبة إثبات سبب كل تشوه خلقي بدقة، يؤكد مسؤولو الصحة في غزة أن العدد الهائل للحالات التي تشاهدها المنشآت الصحية حاليا لم يسبق له مثيل. ووفق وزارة الصحة، تضاعفت حالات التشوهات الخلقية في 2025 مقارنة بعام 2022، وارتفع معدل الولادات الميتة بنسبة 140% خلال نفس الفترة. وفي العام الماضي وحده سُجلت 457 حالة وفاة بين حديثي الولادة، بزيادة تقارب 50% عن مستويات ما قبل الحرب.
عزا زاهر الوحيدي، مدير وحدة معلومات الصحة بوزارة الصحة، هذه الأرقام المروعة إلى خمسة عوامل رئيسية: الجوع المتفشّي، التدهور الحاد في الخدمات الصحية، الاكتظاظ الشديد، التعرض لمياه شرب ملوثة، والتأثيرات المستمرة لهجمات الطيران الإسرائيلية.
أعرب الدكتور أسعد النواجحة، أخصائي طب الأطفال وحديثي الولادة في مستشفى ناصر، عن قلقه البالغ إزاء التشوهات الداخلية التي تصيب الأعضاء الحيوية. وشرح أن هذه الحالات تنشأ عادة عندما يتعرّض الجنين لعوامل بيئية ضارة خلال الثلث الأول من الحمل، وهو الفترة الحرجة لتكوّن الأعضاء. ومع استنزاف الموارد الطبية، يحذّر الأطباء من أن عدداً من هؤلاء الأطفال لا يمكن إنقاذه علاجيًا.
انهيار منظومي
أدت حرب الإبادة على غزة إلى مقتل ما لا يقل عن 20 ألف طفل. كما منعت الأعمال القتالية كثيراً من النساء الفلسطينيات من إكمال حملهن إلى نهايته. في ذروة القصف تراجعت الولادات الحية في القطاع بأكثر من 30%، ورغم تحسّن طفيف في الأرقام العام الماضي، ما تزال المعدلات دون مستويات ما قبل الحرب بكثير.
ورغم دخول ما عرف بـ«وقف إطلاق النار» حيز التنفيذ في أكتوبر الماضي، لا يزال عدد القتلى يرتفع، ويؤكد الفلسطينيون أن الهجمات اليومية على غزة متواصلة. بالنسبة للمواليد الجدد في مستشفى ناصر، فإن خفّض وتيرة القصف لا يمنحهم راحة فورية؛ فقد نجوا من هجمات الطيران، لكنهم يواجهون الآن صراعاً آخر طويل الأمد مع نتائج الحرب على أجسادهم الهشة.