في الثمانين من عمره، حقق الرئيس لويز إيناسيو لولا دا سيلفا انتصارًا سياسيًا غير عادي. فبعد خسارته الجولة الأولى أمام فلافيو بولسونارو، ابن الرئيس السابق جايير بولسونارو، بنسبة 47 في المئة مقابل 45 في المئة، تجاوز لولا التوقعات وفاز في الجولة الثانية بنسبة 51.8 في المئة مقابل 48.2 في المئة.
هذا الفوز خالف كل استطلاعات ما قبل الانتخابات، وتوّج عودة انتخابية دراماتيكية لم يكن كثيرون يتوقعونها.
انتصار لولا في أكبر بلد في أمريكا اللاتينية لم يوقف عودة اليمين المتطرف إلى السلطة في البرازيل فحسب، بل قطع سلسلة انتصارات انتخابية لليمين في المنطقة، ووجه ضربة كبيرة لأجندة الرئيس الأميركي دونالد ترامب التدخلية المتزايدة في نصف الكرة الغربي.
حين هزم بولسونارو لولا بشكل مفاجئ في الجولة الأولى، أثارت النتيجة صدمة في البرازيل وخارجها. وبالنسبة للحكومة، كانت الخسارة مفاجئة بشكل خاص نظرًا إلى سجلها الاجتماعي والاقتصادي القوي. وما تلا ذلك كان تعبئة سياسية استثنائية استمرت ثلاثة أسابيع، وحوّلت حملة حزب العمال الراكدة في الجولة الأولى إلى مواجهة وجودية حول مستقبل الديمقراطية والسيادة في البرازيل.
لم يكن السجل الاقتصادي للحكومة سجل حكومة تتجه إلى الهزيمة. فقد نما الاقتصاد البرازيلي بنسبة تراكمية بلغت 9.2 في المئة بين 2023 و2025، مقابل متوسط 5.6 في المئة فقط لدى جيرانه في أمريكا الجنوبية. وانخفضت البطالة من 9.3 في المئة في 2022 إلى مستوى قياسي منخفض بلغ 5.4 في المئة في 2026.
كذلك خرجت البرازيل من خريطة الجوع التابعة للأمم المتحدة في 2025، بعد أن كانت قد عادت إليها في عهد إدارة بولسونارو الأب. وفي الأمازون، انخفضت إزالة الغابات إلى أدنى مستوى لها منذ عقود، في تحول حاد عن الاتجاه الذي ساد في عهد سلفه.
لكن الأمور لم تكن وردية بالكامل في عهد لولا. فلا يزال ملايين البرازيليين غارقين في ديون بطاقات الائتمان، ويعانون من أسعار فائدة مرتفعة جدًا، بينما ألحق انفجار المقامرة عبر الإنترنت ضررًا كبيرًا بأرزاق الأسر. وأرسلت نتيجة الجولة الثانية إشارة واضحة إلى وجود استياء اجتماعي.
فرد لولا بإجراءات جريئة غير معتادة: مبادرة واسعة لتخفيف الديون، وقيود على المراهنات عبر الإنترنت، وتوسيع المزايا الاجتماعية، ودعم الوقود، والانتقال من أسبوع عمل من ستة أيام إلى خمسة. وقد سعت هذه السياسات إلى إعادة ربط الإنجازات الاقتصادية الكلية للحكومة بالقلق الاقتصادي اليومي للناخبين البرازيليين.
أما بولسونارو فقدم رؤية مختلفة جذريًا للبرازيل: خفض كبير في الإنفاق، وخصخصة، وتخفيضات ضريبية، وقبل كل شيء رد قاس على الجريمة وانعدام الأمن. وشملت مقترحاته بناء خمسة سجون شديدة الحراسة على غرار نظام السجون سيئ السمعة في السلفادور، والسماح باستخدام القوة القاتلة ضد مجرمين مسلحين تسليحًا ثقيلًا.
كما تعهد بولسونارو بالعفو عن والده، المحكوم عليه بالسجن 27 عامًا بتهمة التخطيط لإبطال انتخابات 2022، وبمنح عفو لمن أدينوا في هجوم الثامن من يناير 2023 على المؤسسات الديمقراطية البرازيلية. وبالنسبة لأنصاره، كان ذلك فرصة لعكس ما يعتبرونه اضطهادًا قضائيًا. أما خصومه فرأوا فيه تهديدًا بإعادة تأهيل محاولة الانقلاب وتقويض استقلال القضاء.
وعادت حملة لولا إلى الواجهة بطاقة متجددة، مع تعبئة كثير من الشباب البرازيليين على المستوى الشعبي. وتمكنت الحملة من تجاوز حتى تحيز الخوارزميات لدى عمالقة التواصل الاجتماعي مثل ميتا، التي انحازت إلى بولسونارو.
في النهاية، تحولت الانتخابات إلى معركة لا حول ديمقراطية البرازيل فقط، بل حول سيادتها أيضًا. فقد تدخلت إدارة ترامب بشكل واضح في السياسة البرازيلية طوال فترة ولاية لولا، بفرض رسوم جمركية عقابية، ومعاقبة قاضٍ في المحكمة العليا شارك في محاكمة جايير بولسونارو، واحتضان ترشيح نجله علنًا.
وفي مايو، استقبل ترامب فلافيو بولسونارو في المكتب البيضاوي. وبعد يومين، صنّف وزير الخارجية ماركو روبيو أكبر منظمتين إجراميتين في البرازيل كمنظمتين إرهابيتين أجنبيتين، وهو إجراء كان فلافيو قد طلبه علنًا.
وهذه التصنيفات تحمل تداعيات تتجاوز بكثير السياسة الانتخابية. فهي قد تفتح الباب أمام عمليات عسكرية أميركية على الأراضي البرازيلية في إطار ما تسميه واشنطن حربها الموسعة على «الإرهاب المخدّراتي». وقد رأى العالم كيف أن تصنيفًا مماثلًا لمنظمة إرهابية أجنبية مكّن الولايات المتحدة من التدخل عسكريًا في فنزويلا واختطاف رئيسها.
وبينما يسعى ترامب إلى جر أكبر بلد في أمريكا اللاتينية إلى منظومة الهيمنة العسكرية الأميركية الموسعة في نصف الكرة الغربي، دافع لولا عن الاستقلال الاستراتيجي للبرازيل، مؤكدًا أن التعاون ضد الجريمة المنظمة يجب أن يحترم السيادة الوطنية.
وقد صوّر الانتخابات كخيار بين برازيل سيدة تقرر مسارها بنفسها، وبرازيل خاضعة لأجندة واشنطن الجيوسياسية. وتظهر نتيجة الانتخابات أن الشعب البرازيلي قد اختار.
والأهم أن فوز لولا قد يمثل نقطة تحول في الاندفاع اليميني في أمريكا اللاتينية. فمنذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، حقق اليمين سلسلة انتصارات انتخابية في هندوراس وتشيلي وبوليفيا وغيرها. لكن إعادة انتخاب لولا تشير إلى أن زخمه قد يتراجع.
وتأتي النتيجة قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية، وقد تمثل انتكاسة كبيرة لقوة قيادة ترامب في الأميركتين. ففي الأرجنتين، يتراجع الرئيس خافيير ميلي، الذي يهاجم لولا بانتظام وقد دعم بولسونارو بكل ثقله، في استطلاعات الرأي قبل انتخابات الرئاسة العام المقبل. وفي تشيلي، تعرض الرئيس خوسيه أنطونيو كاست لانهيار أسرع في التأييد الشعبي.
أما كلوديا شينباوم في المكسيك، فقد تنفست على الأرجح الصعداء. فخسارة لولا كانت ستتركها معزولة أكثر فأكثر في منطقة تميل إلى جار المكسيك الشمالي. وبدلًا من ذلك، سيبقى أكبر بلدين في أمريكا اللاتينية من حيث السكان والاقتصاد على اليسار في المستقبل المنظور.
من المبكر إعلان انتهاء التحول اليميني في المنطقة. لكن فوز لولا يفتح احتمال أن الموجة قد بلغت ذروتها. فلن تنضم البرازيل إلى «درع الأميركتين» الذي يريده ترامب، ومع أن «عقيدة دونرو» تبقى تهديدًا، فقد تكون لحظة صعودها الأقوى قد مضت.
إن فوز لولا انتصار لحياة كاملة قضاها في الدفاع عن أضعف الفئات وأكثرها تهميشًا في المجتمع. وأهميته تتجاوز حدود البرازيل بكثير. فبالنسبة إلى المدافعين عن الديمقراطية والتعددية والقانون الدولي وحماية البيئة وسيادة الجنوب العالمي، يرسل رسالة قوية: تقدم اليمين المتطرف ليس حتميًا ولا غير قابل للعكس. لا في البرازيل، ولا في أي مكان آخر.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن صاحبها ولا تعبّر بالضرورة عن الموقف التحريري لقناة الجزيرة.