طهران، إيران – منذ أشهر، والرئيس الأميركي دونالد ترامب يطلق تصريحات شبه يومية حول الحرب على إيران، تارة بتهديدات بقصف واسع، وتارة بحديث عن مفاوضات جديدة. لكن فائزة، وهي موظفة في شركة مالية بالعاصمة الإيرانية، تقول إنها توقفت منذ مدة عن متابعة هذه التصريحات. وأضافت الشابة البالغة من العمر 27 عاماً: “كلامه بالتأكيد يؤثر في حياتنا، لكني أحاول الهروب من هذه البيئة السامة المليئة بعدم اليقين، بالتركيز على ما أستطيع التحكم به وحماية نفسي وأحبائي”.
وليس فائزة وحدها من يفعل ذلك. فمع اقتراب الحرب من شهرها السادس، يختار عدد من الإيرانيين عدم ملاحقة العناوين المتواصلة حفاظاً على صحتهم النفسية. وخلال هذا الأسبوع، ومع عودة خطر عمل عسكري أميركي واسع النطاق إلى الواجهة، بدا مستوى الترقب والقلق لدى الإيرانيين أقل بكثير مما كان عليه في السابع من أبريل، عندما حذّر الرئيس الأميركي من أن “حضارة بأكملها ستموت الليلة”، ليقول بعد ذلك بوقت قصير إن هناك وقف إطلاق نار.
وقال رهام، زميل فائزة في الشركة المالية وسط طهران: “كان للولايات المتحدة رؤساء يتحدثون أقل ويفعلون أكثر. لكن الآن، مع دور وسائل التواصل الاجتماعي والمنابر الأخرى التي يجيد ترامب التعامل معها، هو يتحدث أكثر ولا يحتاج إلى أن يفعل الكثير”. وأضاف أن المفقود في النهاية ليس قرارات حاسمة من ترامب، بل رغبة من السلطات الإيرانية في خلق مساحة أوسع والاستماع لعدد أكبر من الأصوات داخل البلاد، مستبعداً أن يحدث ذلك في الوقت الحالي. وتابع: “لذا نحن معلقون في الهواء، وحالة انعدام اليقين في حياتنا بلغت ذروتها”.
أما فائزة فتصف تصريحات ترامب بأنها “حلقة مكررة” تهدف إلى التأثير في الأسواق العالمية. وتقول إن أي شخص يطلق كل هذا الكم من التصريحات المتناقضة بهذه الوتيرة العالية لا يمكن أن يكون موثوقاً في نظرها. وبتطلعها إلى المستقبل، تتوقع أن تزداد الأوضاع الاقتصادية سوءاً بشكل ملحوظ، بما في ذلك مزيد من التراجع للعملة الإيرانية.
وكان الريال الإيراني يتداول في السوق المفتوحة في طهران يوم الاثنين عند حوالي 1.91 مليون مقابل الدولار الأميركي، قريباً من أدنى مستوى له على الإطلاق. وكانت العملة قد ارتفعت إلى نحو 1.54 مليون للدولار في منتصف يونيو، بعد اتفاق معلق بين إيران والولايات المتحدة توسطت فيه أطراف إقليمية.
وتفاخر ترامب عبر وسائل التواصل الاجتماعي هذا الأسبوع بانهيار الريال، ناشراً مخططاً يقول إنه “يدمر العملة الإيرانية”، مع إشارة إلى “تضخم هائل” في إيران. ووفقاً لمركز الإحصاء الإيراني، بلغ معدل التضخم في الشهر التقويمي الذي انتهى في 22 يوليو نحو 90% مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق.
أما علي، وهو مدير منتجات في شركة تقنية بالعاصمة، فيقول إن الرئيس الأميركي يهتم أساساً بأسواق الأسهم وأسعار النفط، ولذلك يراقب هو أيضاً هذه المؤشرات عندما يحاول فهم المعنى من تصريحات ترامب. وأضاف: “رأيي أن ترامب لن يقوم بأي إجراء جدي من حيث ضرب البنية التحتية للطاقة أو شن هجوم بري على إيران، على الأقل حتى انتخابات الكونغرس”، مشيراً إلى انتخابات نوفمبر في الولايات المتحدة. “سيبقي اللعبة مستمرة ويذهب ويأتي”.
ويرى علي أن ترامب يفضّل اتفاقاً يسمح له بإعلان النصر، لكنه يتوقع أن يبقى شبح الحرب معلقاً فوق البلاد في الأشهر المقبلة.
“مركز ثقل العلاقات الخارجية”
بعد تقارير عن تهديدات بشن “هجوم ضخم” على إيران، قال ترامب الأحد إن محادثات بوساطة وسطاء ستُعقد مع ممثلين من طهران الاثنين، بينما أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية أن المفاوضات بشأن مضيق هرمز في مراحلها النهائية مع عُمان، وليس مع الولايات المتحدة.
ووصلت أحدث تصريحات الرئيس الأميركي المتقلبة حول الحرب والمفاوضات إلى التلفزيون الرسمي الإيراني. ففي برنامج متشدد يركز على الحرب، سُئل المتحدث باسم الخارجية إسماعيل بقائي، مساء الأحد، عما إذا كان صحيحاً أن إيران طلبت من واشنطن بشكل مباشر أو غير مباشر عدم مهاجمة البنية التحتية للطاقة والتركيز بدلاً من ذلك على المفاوضات. فرد بقائي: “أتفاجأ أحياناً لماذا تمنحون الكثير من الثقة لتصريحات مسؤولين أميركيين ثبت مراراً أنها بلا أساس”، مضيفاً أن الجمهورية الإسلامية لن تتراجع عن “مواقفها المبدئية”.
وتشمل هذه المواقف الحفاظ على مستوى من السيطرة في مضيق هرمز، الذي تقول إيران إنه لن يعود إلى وضعه قبل الحرب، إضافة إلى مقاومة تقديم تنازلات كبيرة بشأن البرنامج النووي و”محور المقاومة” للقوات المسلحة في المنطقة. كما طلبت طهران في أي اتفاق طويل الأمد رفعاً فعلياً للعقوبات الأميركية القاسية التي ضربت الاقتصاد الإيراني بشدة على مدى العقد الماضي.
وحث التلفزيون الرسمي الناس على البقاء مستعدين لحرب محتملة، بينما يرفض المتشددون أي حل تفاوضي مع واشنطن. وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، قال محلل في التلفزيون الرسمي إن الولايات المتحدة قد تحاول مزيجاً من الخطوات للإطاحة بالجمهورية الإسلامية إذا استؤنفت الحرب على نطاق واسع، بما في ذلك الاغتيالات، والهجمات على البنية التحتية، وبث الاضطرابات الداخلية، واشتباكات حدودية، وهجوم بري في جنوب إيران.
ويوم الاثنين، جدد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان دعمه للاتفاق، معتبراً أن مذكرة التفاهم الموقعة مع الولايات المتحدة في يونيو ستكون “مركز ثقل علاقاتنا الخارجية في المستقبل”. وكتب عبر وسائل التواصل الاجتماعي: “يجب أن نسعى لإجبار العدو على الالتزام بما وقّع عليه. أمن البلاد والمنطقة وحلفائنا سيتعزز بهذه المذكرة”.
وبعد ساعات، جاء دور ترامب ليطلق تصريحاً جديداً. وكتب على منصته “تروث سوشال” في إشارة إلى الحصار الأميركي على الموانئ الجنوبية الإيرانية: “لا شيء يصل إلى إيران إلا إذا أردنا ذلك، ولا شيء سيصل ما لم يتم إنجاز صفقة أو استسلام كامل”. وأضاف: “سواء أرادت إيران الاعتراف بذلك أم لا، فإننا في الواقع نتحدث عن حل لمشكلة تسببوا هم بها لعقود”.