جورجيا ميلوني، رئيسة وزراء إيطاليا، تستمع خلال جلسة في مجلس الشيوخ الإيطالي في روما، 11 مارس 2026 [ماتيو مينّيلا/رويترز]
ماذا يعني أن تكون من اليمين المتطرّف؟
مصطلح «اليمين» و«اليسار» يعود جذوره إلى نهاية القرن الثامن عشر، حين شهدت أوروبا تحوّلاً سياسياً جذرياً خلال الثورة الفرنسية. في الجمعية الوطنية تحدث انقسام حرفي في المقاعد: أنصار الملكية والنظام القديم جلسوا على اليمين، بينما احتلّ ثوّار يؤيدون الجمهورية والعلمانية والمساواة مقاعد اليسار. من هذا الترتيب النمطي نشأت اللغة السياسية التي ما زلنا نستخدمها اليوم.
بحلول أواخر القرن التاسع عشر كان الانقسام الذي نشأ في فرنسا الثورية قد دخل مفردات السياسة الأوروبية؛ سجلات الرايخستاغ الألماني أشارت إلى النواب على اليمين (rechts) واليسار (links)، والجرائد الإيطالية استعملت مصطلحات sinistra وdestra بصورة روتينية. مصطلح extreme droite استُخدم لوصف الملكيين المتشدّدين الذين رفضوا الجمهورية وسعوا إلى استعادة سلطة ملكية قوية، وهو موقف يتجاوز المحافظين التقليديين الذين كانوا يؤكّدون على المحافظة التدريجية على المؤسسات والإصلاح بالحوار والمشاركة في العمل الدستوري.
مع ذلك، في نهاية القرن التاسع عشر بدأت الصحافة والتعليقات السياسية تطلق تسمية «اليمين المتطرّف» على حركات مناهضة للجمهورية وذات نزعات قومية، وإن لم يكن للمصطلح معنى ثابت بعد. مع الوقت أصبح المصطلح يصف حركات ترفض الديمقراطية الليبرالية وتتبنى قوميةً ترى أن مصالح الأمة—غالباً معرّفة بمرجعيات عرقية أو ثقافية—أولى من التعدّدية وحقوق الأفراد.
في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين أخذ الفاشية هذا المصطلح نحو تشكيل أيديولوجي أكثر حداثة، مستفيدة من رسائل شعبوية للوصول إلى السلطة. حركات مثل حزب الفاشيين الوطني بقيادة بينيتو موسوليني في إيطاليا وحزب النازيين بقيادة أدولف هتلر في ألمانيا تجسدت فيها سمات ستعرف لاحقاً باليمين المتطرّف: رفض الديمقراطية الليبرالية والشيوعية، عداء للتعدّدية، ونهج قومي متطرف يضع مصالح الأمة فوق كل اعتبار. ومعروف أن معاداة السامية كانت جوهر أيديولوجيا النازية.
بعد الحرب العالمية الثانية تغيّر المزاج السياسي في أنحاء أوروبا. تحرير معسكرات الاعتقال، وكشف حقائق الهولوكوست، وانهيار ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية فرض على القارة مواجهة عواقب الكراهية العنصرية والحكم السلطوي. الأحزاب الفاشية حُظرت أو تلاشت أو طُرِدت من المشهد العام، لكن الأفكار نفسها لم تزُل بالكامل. في بعض البلدان بقيت هذه النزعات متجذرة في أنظمة وطنية سلطوية، كما حصل في إسبانيا تحت حكم فرانسيسكو فرانكو حيث امتزجت تقاليد كاثوليكية محافظة وعسكرية وعداء قوي للشيوعية حتى سبعينيات القرن العشرين. وفي بلدان أخرى أعادت هذه الأفكار الظهور بصيغ جديدة، مثل حزب جان ماري لو بن ثم ابنتَه مارين لو بن في فرنسا، الذي دمج قومية متجددة مع خطاب مناهض للهجرة بدلاً من الفاشية الصريحة بين الحربين العالميتين.
اليوم يغلب على علماء السياسة استخدام مصطلح «اليمين المتطرّف» كاسم شامل، وغالباً ما يستندون إلى ثلاثة معايير صاغها كاس مودّي في أعماله عن الحركات اليمينية الراديكالية واليوم اليمين المتطرّف.
أوّلاً: الولاء للأصليّة (nativism). الأتباع يعتقدون أن الدولة يجب أن يسكنها ويحكمها أساساً أفراد «المجموعة الأصلية»—تعريف غالباً ما يرتبط بالعرق أو الثقافة أو الدين. كما قال مودّي في مقابلة عام 2017: «الأصليّة تتعلّق بـ‘نحن’ و‘هم’ العرقيين، والرغبة في دولة أحادية الثقافة، ورؤية الأشياء والأشخاص الأجانب على أنهم تهديد». رغم قبول هذا التعريف على نطاق واسع، هناك فروق في التطبيق بين الباحثين. دافني هاليكيوبولو، أستاذة السياسة المقارنة في جامعة يورك، ترى أن مصطلح «الأصليّة» ضيّق للغاية وتفضّل استعمال «القوميّة» لأن بعض أحزاب اليمين الحالية، الأكثر اعتدالاً، تصوغ أجندة قومية «شاملة» لم تعد مبنية بالضرورة على أساس عرقي.
ثانياً: الشعبوية. يصف كاس مودّي وعالم السياسية التشيلي كريستوبال روفيرا كالتواسر الشعبويّة بأنها أيديولوجيا رقيقة المركز تراهن على تقسيم المجتمع إلى معسكرين متجانسين ومعادين: «الشعب النقي» مقابل «النخبة الفاسدة». يُنظر إلى الديمقراطية هنا على أنها مُخدَوعة لا مُكسَرة—مطلب استعادتها من النخب الفاسدة بدلاً من إسقاطها. مارتا لوريمر، محاضرة في جامعة كارديف، تقول إن الشعبوية قد تكون جزءاً من أيديولوجية الحزب أو من رسائل حملته، لكنها ليست بالضرورة الجوهر الذي يجعلهم مميزين — أي أنها طريقة تأطير العمل السياسياً وليس تعريف العقيدة كاملة.
القادة الكاريزمايون كثيراً ما يستخدمون الشعبوية ليظهروا المواطنين كضحايا لفساد النخبة ويقدّموا أنفسهم كحماة للشعب؛ هذا الأسلوب ليس حكراً على اليمين وحده بل يظهر في تيارات سياسية متنوعة.
ثالثاً: السلطوية. هذا البُعد يتجلّى في تفضيل النظام، والطاعة، والقيادة القوية على الحريات الفردية والتعددية. اليمين المتطرّف عادةً يدعم قيوداً على الحريات المدنية، ويؤيّد تشدّداً في فرض القانون والنظام، ويُبرّر تهميش معارضي الرأي باسم حماية الأمة والاستقرار.
عند جمع هذه المعايير—الأصليّة أو قومية استثنائية، والشعبوية، والسلطوية—يتبلور ما يفهمه الباحثون اليوم باليمين المتطرّف. لكن من المهم أيضاً أن ندرك التنوّع داخل هذا الطيف: بعض الأحزاب تلتقط عناصر من هذه المعايير وتعيد تشكيلها بطرق برلمانية ودستورية، بينما قد تتجه أخرى نحو أشكال أكثر عنفاً واستئصالاً للأطر الديمقراطية. فهم السياق التاريخي والعملي لكل حركة يفصل بين تسمية مجردة وبين تقييم فعلَي لقدراتها وخطورتها على النظام الديمقراطي.