وزارة الدفاع الأميركية رفعت تقديرها لتهديد التجسّس الذي تشكّله إسرائيل إلى أدنى مستوى تصنيف لديها بعبارة «حرج» — وفق تقارير إعلامية استندت إلى مسؤولين في الاستخبارات والدفاع الأميركيين — ما يعكس توجهاً متوتّراً في العلاقة بين الحليفين.
السياق السياسي
واشنطن تحاول الانخراط دبلوماسياً في مفاوضات مع إيران، بينما تعارض إسرائيل هذه المواقف وتضغط لإضعاف النظام الإيراني، في وقت تتصاعد فيه الخلافات العلنية بين الرئيس دونالد ترامب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بشأن مسار الحرب التي دخلت يومها المائة.
ماذا قال البنتاغون؟
حسب تقارير نشرت أولاً في NBC ثم تبعتها صحيفة نيويورك تايمز استناداً إلى مسؤولين أميركيين حاليين وسابِقين، رفعت وكالة الاستخبارات الدفاعية (DIA) تصنيف تهديد الاشتغال المضادّ للاستخبارات من «مرتفع» إلى «حرج» — أعلى وأشد علامة في منظومتها الداخلية للتقييم. هذا التحذير جاء نتيجة تكثيف أجهزة استخبارات إسرائيلية جهودها لجمع معلومات عن أفراد عسكريين أميركيين، وممثّلين حكوميين ونقاشات السياسات، لا سيما المتعلقة بموقف واشنطن إزاء إيران.
التركيز كان على مسؤولين أميركيين يشاركون في تشكيل سياسة الولايات المتحدة تجاه طهران، مع تقارير عن زيادة عمليات رصد إسرائيلية خلال الأسابيع الأخيرة استهدفت شخصيات في الجيش والحكومة الأميركية. من بين الأسماء المذكورة: مبعوث ترامب والمفاوض الرئيسي ستيف ويتكوف، وكبير مسؤولي السياسات في البنتاغون إلبرج أ. كولبي، وأحد نوّابه مايكل ب. ديمينو الرابع.
ذكرت التقارير أيضاً حوادث مزعومة اكتشف فيها عناصر دفاع أميركيون يعملون داخل إسرائيل برمجيات على هواتفهم «للتنصّت على اتصالاتهم» كانت قد ثُبّتت سراً، وفق نيويورك تايمز. وتشير تقديرات الاستخبارات إلى أن حالات التجسّس الإسرائيلية على الولايات المتحدة، التي لم تكن جديدة، تصاعدت منذ أواخر ٢٠٢٤ بالتزامن مع تصعيد ضغوط إدارة بايدن على إسرائيل بشأن أعمالها في غزة، واستمرّ هذا التهديد بعد فوز ترامب بولاية ثانية في نوفمبر ٢٠٢٤ حين بدأ تشكيل سياسته تجاه إيران.
التوترات المتصاعدة
بدا الخلاف بين ترامب ونتنياهو علنياً خلال الأسبوع الأخير، مع تقارير تفيد بأن الرئيس وصف رئيس الوزراء بأنه «مجنون تماماً» بسبب تصعيد إسرائيل في لبنان، حيث أسفرت الهجمات الإسرائيلية عن مقتل ما لا يقل عن ٣٥٠٠ شخص. ضغط ترامب على إسرائيل لوقف هجماتها على لبنان، لكن القصف في الجنوب استمر، ما أدى إلى تقويض أي صفقة محتملة مع إيران التي تعتبر قضايا لبنان وإيران مترابطة ولا يمكن فصلهما.
ردود الفعل الأميركية والإسرائيلية
إسرائيل نفت بشدّة هذه الاتهامات. ونقلت NBC عن سفارة إسرائيل في واشنطن وصفها للادعاءات بأنها «غير صحيحة تماماً»، قائلة إن إسرائيل لا تجمع معلومات عن كيانات أميركية ولا عن مسؤولين حكوميين أميركيين. كما نقلت التقارير عن مسؤول بالبيت الأبيض رفضه خبر NBC واصفاً إياه بأنه «قصة كاذبة بالكامل ومبنية على مصدر لا يعرف حقيقة ما يجري». تجدر الإشارة إلى أن الجزيرة لم تتمكن من التحقق المستقلّ من هذه التقارير وردود الفعل.
هل تجسّست إسرائيل سابقاً على الولايات المتحدة؟
نعم. أشهر مثال هو قضية جوناثان بولارد؛ المحلل المدني الذي عمل لحساب البحرية الأميركية وأوقف في ١٩٨٥ بعد أن سلّم كميات كبيرة من المعلومات السرية لإسرائيل، ثم أقر بالذنب في قضية التجسّس وقضى نحو ثلاثين عاماً في السجن قبل الإفراج المشروط عنه في ٢٠١٥. تظل قضية بولارد إحدى أبرز فضائح التجسّس في تاريخ العلاقات الأميركية–الإسرائيلية وتؤثر في تصورات بعض دوائر الاستخبارات الأميركية حتى اليوم.
خبراء وتحليلات
يرى أندرياس كريغ، أستاذ الأمن في كلية كينغز في لندن، أن تجسّس الحلفاء ليس ظاهرة استثنائية، وأن لإسرائيل تاريخاً طويلاً في إجراء عمليات استخباراتية داخل الولايات المتحدة عبر شبكات رسمية وغير رسمية، بهدف اختراق دوائر صنع القرار الأميركية واستيعاب التفكير الاستراتيجي الأميركي. من زاوية إسرائيلية، هناك قلق عميق من اتجاه المفاوضات الأميركية مع إيران، إذ تخشى تل أبيب أن يؤدي اتفاق أو إطار دبلوماسي دائم إلى تقييد حرية تحرّكها العسكري إزاء طهران مستقبلاً، وبالتالي لديها حافز قوي لمتابعة مداولات واشنطن عن كثب وربما محاولة التأثير عليها أو إجهاضها إن اعتُبرت ضد مصالحها الأمنية.
تحليلة نِگار مرتزافي، المحلّلة المتخصّصة بإيران، تؤكد أن الموقف الإسرائيلي الرافض لأي تسوية مع طهران يعود إلى عقود، بما في ذلك معارضة نتنياهو لاتفاق ٢٠١٥ في عهد أوباما ومحاولاته العلنية والخفية لإحباطه، وأن ما يجري اليوم ليس جديداً لكنه يتطابق مع محور طويل من الخلافات الاستراتيجية بين الطرفين. وترى مرتزافي أيضاً أن ترامب يسعى للخروج من النزاع عبر القنوات الدبلوماسية، ما يجعل مصالح واشنطن وإسرائيل متباعدة إلى حد كبير في هذه المرحلة.
الخلاصة
بينما يظل تجمّع المعلومات بين دول حليفة أمراً مألوفاً، تعتبر بعض الأصوات في الأجهزة الأميركية أن النشاطات الإسرائيلية الأخيرة تخطّت ما يُعدّ مقبولاً تقليدياً بين حلفاء مقربين، خصوصاً حين تُستهدف نقاشات السياسة الداخلية ومفاوضات حساسة كالمحادثات مع إيران. الوزارات والهيئات المعنية في كلتا العاصمتين تنفي وتستبعد، فيما يستمر الخلاف في التأثير على مسارات السياسة الخارجية والأمن الإقليمي.