ما الذي سيبقى بلا تغيير في الشرق الأوسط رغم الحرب الأمريكية‑الإسرائيلية على إيران؟ الحرب الأمريكية‑الإسرائيلية على إيران: ما الذي لن يتغيّر في المشهد الإقليمي؟

في كل حرب كبرى في الشرقالأوسط تعود نفس الوَهْم: الاعتقاد بأن القنابل قادرة على إعادة كتابة التاريخ. الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران تعيد رسم خارطة المنطقة بسرعة وبقوة بطرق لم يسبق لها مثيل، ومع ذلك ثمة حقائق باقية لا تستطيع الحروب ولا الضربات، مهما بلغت دقتها، أن تمحوها أو تبدّلها جذريًا.

لا يكفّ الخبراء والمحلّلون عن التكهن بما ستكون عليه المنطقة عندما ينتهي القتال. بعضهم يؤكد أن هذه الحرب ستعيد تشكيل الشرق الأوسط، وتطيح بمحاور إقليمية وتنتج نظامًا إقليميًا جديدًا. جزء من هذا القول صحيح؛ تاريخياً تترك الحروب الكبرى شقوقًا عميقة وِتحوالت في الخرائط والأنظمة والديموغرافيات. لكن ثمة وهمًا منهجيًا يصاحب كل نزاع: تصور أنّ بإمكان الحرب مسح كل شيء وفتح صفحة بيضاء لبدء تاريخ جديد، بينما التاريخ يردّد لنا عكس ذلك مرارًا.

عبر تاريخه الطويل، أثبت الشرق الأوسط بابتلياته وحضاراته وشعوبه قدرة استثنائية على امتصاص الصدمات الكبرى وإعادة تكوين نفسه. شهد الفتوحات الإسلامية، والغزوات المغولية، والحملات الصليبية، والاستعمار الأوروبي، والحرب الباردة، وموجات التطرف والحروب الأهلية. ومع ذلك ظلّ التغيير في المنطقة أقل فاعلية عندما لم يكن عضويًا وتدريجيًا.

اليوم، ومع بوادر اقتراب نهاية الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، يبقى السؤال الذي نادرًا ما يُطرح: ما الذي لن يتغير؟

الجغرافيا الاستراتيجية ستدوم بعد الحرب

منذ أن رسَت الحضارة البشرية في هذه البقعة، حكمت الجغرافيا مصائر الناس والدول. مضيق هرمز يسيطر حتى اليوم على ممر نحو خُمس إنتاج النفط العالمي. قناة السويس لا تزال شريانًا حيويًا للتجارة الدولية. الهلال الخصيب يواصل ربط آسيا بأوروبا. هذه الحقائق الجغرافية قدرٌ لا اختيار، ولا توجد قوة عسكرية قادرة على تغيير ما تمثله المناطق والممرات الطبيعية.

إيران ستبقى دولة تطل على مضيق هرمز بعد انتهاء القتال. اليمن سيظل بوابة بحرية جنوبية لباب المندب، ومصر ستستمر في التحكم في قناة السويس. قد تغيّر الحروب أسماء الحكام والجهات الحاكمة في هذه المواقع، لكنها لا تغيّر موقعها ودورها الجغرافي. وطالما بقيت هذه الجغرافيا، سيستمر الصراع على من يتحكّم بها.

يقرأ  عرض اليوماحصل على خصم ١٥٪ على ديكد

القضية الفلسطينية لن تُهمّش

أكبر أوهام الحرب على إيران أنّ تحطيم “محور المقاومة” سيؤدي إلى طيّ القضية الفلسطينية من جدول أعمال المنطقة. هذا وهم بنيوي يخلط بين الوسيلة والمَحصَل. إيران استثمرت في القضية الفلسطينية واستخدمتها أيديولوجيًا واستراتيجيًا، لكنها لم تخلق القضية ولا تملك المفتاح لإنهائها.

القضية الفلسطينية كانت موجودة قبل ولادة الجمهورية الإسلامية وستظل قائمة سواء نجح النظام الإيراني أو فَشل أو انهار. معاناة ما يقارب ثمانية ملايين فلسطيني تحت الاحتلال لن تُحَلّ بتدمير برنامج نووي أو باغتيال قيادات إيرانية.

اتفاقيات آبراهام (2020) بُنيت على افتراض مركزي: أن إيران تمثل الخطر الوجودي المشترك الذي يوحّد إسرائيل والدول الخليجية في معسكر استراتيجي واحد، وأن هذا التحالف الأمني يكفي لتجاوز وتهميش القضية الفلسطينية. لكن اندلاع الحرب مع إيران كشف هشاشة وحدود هذا الحساب.

من جهتها نجحت إيران في تقديم نفسها كضحية لاعتداء أميركي-إسرائيلي، واستعادت جزءًا من تعاطف الشارع العربي الذي كانت قد خسرتْه بسبب تدخلاتها في سوريا واليمن والعراق. وهذا يُعقّد سردية إيران كـ«عدوّ العرب الأول».

وفي الوقت نفسه، يبقى الرأي العام العربي من المحيط إلى الخليج، وخصوصًا بين الأجيال الشابة في دول سلامية رسمياً مع إسرائيل، مرتبطًا بالقضية الفلسطينية بروابط أعمق من الحسابات الحكومية. أي نظام إقليمي يتجاهل القضية الفلسطينية سيحمل في داخله بذور عدم استقراره.

الانقسامات الطائفية ستستمر

أعمقّت الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران التوترات الطائفية في بلدان عدة، من العراق ولبنان إلى اليمن. لكن هذه الانقسامات لم تبدأ بالثورة الإيرانية، ولن تنتهي بهزيمة إيران.

قد تضعف الحرب قدرة إيران على استثمار هذه الانقسامات وتغيّر موازين القوى بين مجموعات طائفية في بعض الدول، لكنها لن تمحو الهويات الطائفية ذاتها. لدى المجتمعات الشيعية في البحرين والعراق ولبنان والسعودية همومها ووقائعها الاجتماعية الخاصة بعيدًا عن طهران، وستظل تؤثر في المشهد السياسي الداخلي مهما كان مصير الجمهورية الإسلامية.

يقرأ  محكمة غزة تطالب بمحاكمة «المرتكبين والمسهّلين الإسرائيليين»وتحقيق العدالة في إطار الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني

هشاشة الدولة العربية ستظل

ما لم تُحدثه الحرب ولم تخلقه هو الأزمة البنيوية للدولة العربية الحديثة. دولٌ تتحكَّم بها مؤسسات سياسية ضعيفة، وأنظمة قضائية متردية، وأجهزة أمنية منفِّقة تبتلع موارد كانت مخصصة للتنمية والرفاه، واقتصادات ريعية غير منتجة — كانت هشة قبل الحرب وستبقى هشة بعدها.

ثمّة خطر أن تُعمّق الحرب هذه الهشاشة. فهي تشتت انتباه الحكومات بصراعات أمنية وتحالفات مؤقتة، وتؤجّل الإصلاحات السياسية والاقتصادية التي تمس حياة المواطنين مباشرة. دول راهنت على مواجهة إيران بدل الاستثمار في التعليم والاقتصاد التنافسي قد تواجه فاتورة داخلية باهظة حينما تتوقف المدافع.

المتَحالفون مع الولايات المتحدة سيبقون معرضين

حتى قبل غزو العراق عام 2003، بدأ تراجع الثقة بالنموذج الأميركي في المنطقة. الشارع العربي، حتى في الدول المتحالفة مع واشنطن، ينظر إلى سياسات الولايات المتحدة بمزيج من الاستياء وفي أحيانٍ كثيرة الازدراء.

قد تستعيد الحرب بعض الرونق للولايات المتحدة في عيون حكومات خشيت النفوذ الإيراني، لكنها لن تُعيد ثقة الجمهور العربي الواسعة برؤية أميركا للمنطقة.

السيطرة العسكرية لم تعد وحدها كافية لبناء الشرعية السياسية أو الثقة. تعلّمت الولايات المتحدة ذلك في أفغانستان والعراق، وربما تُعاد إليها الدروس ذاتها في سياق إيران.

الإسلام السياسي سيصمد خارج محور إيران

ألحق الصراع ضربة قاسية بالتيار الإسلامي المحورّي المرتبط بطهران وساهم في تفتيت البنية الأيديولوجية لمحور المقاومة، لكن الحركات الإسلامية السياسية في المنطقة أكثر تنوعًا وتعقيدًا من أن تُختزل بإيران وحدها.

الإخوان المسلمون، والتيارات السلفية النشطة، والتيارات الإسلامية الوطنية كلها تنبُع من ظروف محلية وشكاوى سياسية لا علاقة لها بطهران. وما لن تغيّره الحرب هو أنّ الإسلام يُشكّل لملايين في المنطقة مصدر هوية وإطارًا للعدالة والسياسة والمقاومة. أي فراغ يخلقه انهيار محور سيُملأ على الأرجح بمنافسة بين مراجع إسلامية بديلة، لا بوصول عصر علماني ليبرالي.

يقرأ  زائر يرفع دعوى ضد متحف موما بي إس ١ بعد إصابته بارتجاج في المخ داخل المعرض

لو علّمتنا التجارب شيئًا في هذه المنطقة، فهو هذا: الحروب الكبرى قد تغيّر الحكومات والمظاهر وموازين القوى، لكنها نادرًا ما تمس الجوهر الكامن.

وجهات النظر الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعكس بالضرورة موقف الجزيرة التحريري.

أضف تعليق