متعلم؟ ماهر؟ طموح؟ تجار البشر يبحثون عنك | الاتجار بالبشر

راتب جيّد، تأشيرة مدفوعة، تذكرة سفر مشمولة، والمطلوب من المتقدّم أن يكون متعلمًا، ويجيد الإنجليزية، وواثقًا في التعامل مع الإنترنت.

يبدو هذا وكأنه فرصة رائعة لخريج شاب، لكنه في الحقيقة طُعم في شبكة اتجار بالبشر.

الوظيفة المعلن عنها غير موجودة أصلًا. وعند الوصول، تُؤخذ جوازات السفر، ويُقتاد الضحايا إلى مجمّعات لا يمكنهم مغادرتها، ويُجبَرون على تنفيذ عمليات احتيال عبر الإنترنت: انتحال شخصيات غريبة، وبناء علاقات وهمية، وإقناع أشخاص على بُعد آلاف الكيلومترات بإرسال الأموال.

أمّا الذين لا يحققون الأهداف المفروضة عليهم، فقد يتعرّضون للضرب، أو الحرمان من الطعام، أو العزل في زنازين انفرادية. وقد تضطر عائلاتهم إلى بيع الأراضي أو الاقتراض لدفع فدية إطلاق سراحهم.

سمعت روايات مشابهة بأذني خلال زيارة حديثة إلى رواندا، حيث التقيت ناجيين من الاتجار عبر عقود عمل مزيفة. كانا يتقنان الإنجليزية ويجيدان استخدام التكنولوجيا، وكانا يبحثان عمّا يبحث عنه ملايين الشباب: وظيفة جيدة وفرصة لبناء مستقبل أفضل.

تلك الصفات نفسها جعلتهما ثمينين لدى المتاجرين. فقد سلّموهما نصوصًا جاهزة، وأُجبِرا على التظاهر بأنهما نساء على الإنترنت، وبناء علاقات عاطفية مع أشخاص في أوروبا، وإقناعهم بتحويل الأموال.

اليوم، وبعد عودتهما إلى بلديهما بدعم من المنظمة الدولية للهجرة، يعملان معنا لتوعية المجتمعات والشباب. ويستخدمان بعض المنصات نفسها التي كان المتاجرون يبحثون فيها عن ضحايا، لمساعدة الآخرين على التعرّف على الخطر.

تجربتهما تكشف جريمة تصنع ضحايا على جانبي الشاشة. شخص محتجز تحت التهديد ويُجبَر على الخداع، وشخص آخر تُستغل ثقته وقد يخسر مدخراته. والشبكة الإجرامية تربح من الاثنين معًا.

تُشير التقديرات إلى أن 300 ألف شخص على الأقل تعرّضوا للاتجار أو الإكراه على العمل في مجمّعات الاحتيال في جنوب شرق آسيا. ومن بين هؤلاء، جرى التعرّف على ضحايا من 80 دولة ومنطقة على الأقل.

يقرأ  الجدل في كشمير بعد منع كتب 'غير لائقة' بالمدارس

وفي منطقة آسيا والمحيط الهادئ، تُقدَّر خسائر الاحتيال بنحو 88 إلى 114 مليار دولار في عام 2025. هذه الخسائر تشمل نطاقًا أوسع من عمليات الاحتيال، لكنها تكشف حجم الاقتصاد الإجرامي الذي تعمل فيه تلك المجمّعات.

الخطر يمتد أيضًا إلى أفريقيا. فالمنظمة الدولية للهجرة وشركاءها من الحكومات يحددون عددًا متزايدًا من الضحايا من دول مثل إثيوبيا وكينيا وأوغندا وتنزانيا. خلال زيارات حديثة إلى تنزانيا ورواندا، أخبرني مسؤولون عن عروض عمل مزيفة تصل إلى الخريجين الشباب والباحثين عن عمل عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

هذه الشبكات عالمية بطبيعتها. قد يكون الاستقطاب في بلد، والعبور في بلد آخر، والاستغلال في بلد ثالث. وعمليات الاحتيال يمكن أن تستهدف أي شخص في أي مكان. وعندما تُفشل عملية في مكان، تنتقل الشبكة إلى مكان آخر وتبدأ من جديد.

استجابات الحكومات غالبًا ما تكون مجزأة. سلطات العمل ترى وسيط توظيف غير مرخّص، ومسؤولو الحدود يرون سفرًا مريبًا، والشرطة ترى احتيالًا إلكترونيًا، والفرق القنصلية ترى مواطنين عالقين في الخارج. والمتاجرون يستغلون الفجوات بين هذه الجهات.

هذه الفجوات يجب أن تُغلَق. ينبغي للحكومات أن توفّر طرقًا موثوقة للتحقق من أصحاب العمل ووسطاء التوظيف والعقود والتأشيرات في الخارج. كما تحتاج سلطات العمل والحدود والشرطة والقناصل إلى تبادل التحذيرات بسرعة، والتحقيق في هذه الشبكات معًا.

لشركات التكنولوجيا دور مهم بنفس القدر. فالتوظيف الاحتيالي يتم علنًا على وسائل التواصل الاجتماعي وخدمات المراسلة ومنصات العمل. ويجب على هذه الشركات رصد الإعلانات الخادعة وإزالتها، وجعل الإبلاغ عنها سهلًا، والاحتفاظ بالأدلة التي تساعد في تحديد المسؤولين. كما يجب أن تصل حملات التوعية المصمّمة مع الناجين إلى الشباب في تلك المنصات نفسها.

وقبل كل شيء، يجب التعامل مع الأشخاص الذين أُجبِروا على تنفيذ عمليات الاحتيال كضحايا للاتجار بالبشر. فبعضهم ينجو من المجمّعات ليجد نفسه معتقلًا أو ملاحقًا بسبب مخالفات هجرة أو جرائم ارتُكبت تحت التهديد. لا ينبغي معاقبة أحد على أفعال أُكرِه على تنفيذها بسبب الاتجار به.

يقرأ  نتنياهو يتهم ممداني في نيويورك بإثارة الكراهية بعد تهديده بالاعتقال

من عام 2022 إلى عام 2025، ساعدت المنظمة الدولية للهجرة أكثر من 3500 ضحية من 39 دولة، تعرّضوا للاتجار بهدف الإجرام القسري في جنوب شرق آسيا. والناجون بحاجة إلى حماية، ورعاية طبية ونفسية، وطريق آمن للعودة، ودعم لإعادة بناء حياتهم.

يمكن للباحثين عن عمل اتخاذ احتياطات. فصاحب العمل الشرعي يجب أن يكون له عنوان يمكن التحقق منه. والعقد يجب أن يصف العمل، والتأشيرة يجب أن تطابق الوظيفة. والوسيط لا ينبغي أن يضغط على أي شخص للسفر فورًا، أو يطلب إبقاء العرض سرًا، أو يسلب جواز سفره.

لكن الخداع المنسّق والمتقن يُصمَّم ليبدو موثوقًا. ولا يمكن تحميل الباحثين عن عمل وحدهم مسؤولية مواجهة شبكات إجرامية دولية معقّدة.

قبل أن يصعد أي شخص إلى طائرة، يجب أن تكون هناك طريقة موثوقة للتحقق من العرض. وعند الاشتباه في اتجار، يجب أن تتحرك السلطات معًا. وعندما ينجو ضحية، يجب أن يُستقبل بالحماية لا بالعقاب.

بالنسبة لكثير من الناس، يبدأ الاتجار اليوم برسالة عادية على هاتف عادي. وواجبنا أن نصل إليهم هناك.

لكل باحث عن عمل أن يسأل: هل هذه وظيفة حقيقية، أم أن أحدهم يحاول أن يجذبني إلى فخ؟

ولا ينبغي أن يُترك أحد ليجيب على هذا السؤال وحده.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة موقف الجزيرة التحريري.

أضف تعليق