ناسا تُطلق تلسكوب رومان بـ4.3 مليار دولار لكشف أسرار الكون الخفية

أطلقت وكالة الفضاء الأمريكية “ناسا” أحدث مراصدها الفلكية الكبرى، تلسكوب “نانسي غريس رومان” الفضائي، في مهمة تهدف إلى حل بعض أكبر ألغاز الفيزياء الفلكية وعلم الكون، بما في ذلك البحث عن كواكب تدور حول نجوم أخرى، واستكشاف الطاقة المظلمة، ومسح الكون.

أقلعت الشركة الأمريكية “سبيس إكس”، التي يديرها إيلون ماسك، بالتلسكوب الذي تبلغ تكلفته 4.3 مليارات دولار، على متن صاروخ “فالكون هيفي” الضخم من مركز كينيدي للفضاء في ولاية فلوريدا الأمريكية، بعد شروق شمس الأحد مباشرة. ويتفوق هذا الصاروخ بثلاثة أضعاف قوة الصواريخ التقليدية.

وتوجّه الصاروخ نحو نقطة تسمى “لاغرانج 2″، حيث سينضم إلى تلسكوب جيمس ويب الفضائي في مدار حول الشمس، على بُعد 1.6 مليون كيلومتر من الأرض، في موقع مراقبة فضائي عميق تفضّله ناسا. ومن المتوقع أن تستغرق الرحلة أكثر من ثلاثة أشهر. ومهمة التلسكوب مخططة لخمس سنوات، لكن وكالة الفضاء الأمريكية قالت إنه قد يحمل وقوداً يكفي لخمس سنوات إضافية، خاصة أنه صُمم بحيث يمكن إعادة تزويده بالوقود. وإذا توفّرت ناقلة آلية خلال العقد المقبل، فقد يؤدي ذلك إلى إطالة عمر التلسكوب.

ويحمل هذا التلسكوب، بحجم حافلة، تقنيات متقدمة تتيح له استكشاف ألغاز الكون، واختبار نظرية الجاذبية على نطاقات غير مسبوقة، والبحث عن كواكب خارج مجموعتنا الشمسية. ومن المتوقع أن يكتشف آلاف الكواكب الجديدة، وأن يقدّم أول إحصاء شامل لأنظمة كوكبية شبيهة بنظامنا الشمسي.

ويأمل العلماء أن يكشف تلسكوب رومان النقاب عن طبيعة المادة المظلمة والطاقة المظلمة، اللتين تشكلان معظم الكون لكنهما تظلان غير مرئيتين. ويتكوّن الكون من المادة العادية، أي النجوم والكواكب والغازات والغبار وكل ما هو مألوف على الأرض، إضافة إلى المادة المظلمة والطاقة المظلمة. وتمثل المادة العادية نحو 5 بالمئة فقط من محتويات الكون، بينما تشكل المادة المظلمة، التي تُعرف من خلال تأثيراتها الجاذبية على المجرات والنجوم، نحو 27 بالمئة. أما الطاقة المظلمة فتمثل نحو 68 بالمئة.

يقرأ  إدانة بيل كوسبي بالاعتداء الجنسي عام 1972 — حصول الضحية على تعويض يقارب 60 مليون دولار

وسيغطي المسح الرئيسي للتلسكوب، الذي سيستغرق أكثر من عام، أكثر من ملياري مجرة. وستساعد قائمة المجرات التي سيجمعها العلماء في تحديد مدى سرعة توسع الكون تحت تأثير هذه القوى المحيّرة.

وقالت نيكي فوكس، رئيسة مديرية المهام العلمية في ناسا: “سيكتشف آلاف المستعرات العظمى، وعشرات الآلاف من الكواكب، ومليارات المجرات، وعشرات المليارات من النجوم. وسيكون قادراً على فعل أشياء لم نتمكن من فعلها من قبل، بفضل مجال رؤيته الواسع”.

وبعد دقائق من الإقلاع المدوي، عاد المعزّزان الجانبيان للصاروخ إلى الغلاف الجوي وسقطا بشكل عمودي، مخترقين السماء مع دويّ اختراق الصوت، قبل أن يهبطا بسلام في كيب كانافيرال. وبعد لحظات، انفصل التلسكوب بشكل نظيف عن المرحلة العليا للصاروخ، ما أثار موجة تصفيق حار من فريق المراقبة الأرضية.

وكانت مديرة المهمة العلمية تبكي وهي تشاهد المشهد يتكشف، وقالت: “إنه يوم جميل جداً”.

وأُطلق تلسكوب رومان قبل موعده بنحو عام، وفي حدود الميزانية المخصصة له. وهو أول تلسكوب فضائي تسمّيه ناسا باسم امرأة، وهي أول كبيرة لعلماء الفلك في الوكالة، الراحلة نانسي غريس رومان.

وقال العالم المتقاعد في ناسا إد ويلر، الذي صاغ عبارة “أم هابل” في إشارة إلى رومان، إن هذا التكريم تأخر كثيراً. فقد أصرّت رومان، بعد انضمامها إلى ناسا عام 1959، على أن المراصد التي تعمل فوق الغلاف الجوي الأرضي يمكنها أن ترى أبعد وأوضح. وتوفيت عام 2018 عن عمر يناهز 93 عاماً.

وأضاف ويلر: “هذا مناسب جداً جداً. أعتقد أن نانسي ستكون فخورة جداً” لأن التلسكوب سيخوض في بعض أكبر الأسئلة العالقة حول الكون.

ويتمتع تلسكوب رومان بمجال رؤية أعرض بأكثر من 100 مرة من مجال تلسكوب هابل الفضائي، الذي ما يزال يبهرنا بصوره الكونية الجميلة حتى بعد 36 عاماً في المدار.

يقرأ  حزب المعارضة: شخصية معارضة أوغندية في حالة حرجة بالمستشفى

أما تلسكوب جيمس ويب الفضائي، الذي أُطلق عام 2021، فدخل هذا المجال حديثاً بهدف دقيق هو اختراق أعماق الفضاء لالتقاط أجسام كونية قريبة من عمر الانفجار العظيم. وقد غيّر ويب فهمنا للكون المبكر، إذ إنه بالنظر عبر مسافات شاسعة، يستطيع التحديق في الماضي بفضل سرعة الضوء. وأظهرت رصوداته أن المجرات الأولى تشكّلت في وقت أبكر ونمت بصورة أكبر بكثير مما كان العلماء يعتقدون.

وتشبه ناسا تلسكوب رومان بعدسة واسعة الزاوية قادرة على التقاط مشاهد شاملة، بينما تشبه تلسكوب ويب بعدسة تقريب تركز على التفاصيل الدقيقة. وقالت فوكس للصحفيين: “سيكون الأمر كما لو أن هابل وجيمس ويب نظرا إلى الكون من ثقب مفتاح، بينما ستفتح نانسي غريس رومان الباب على مصراعيه”.

وستعمل هذه المراصد الثلاثة القوية معاً، إلى جانب مرصد “يوكليد” التابع لوكالة الفضاء الأوروبية، ومرصد “فيرا سي روبين” في تشيلي، في مهمة لكشف بعض أعظم أسرار الكون.

وقالت جولي ماكينري، كبيرة علماء مشروع رومان في مركز غودارد للفضاء التابع لناسا: “يمتلك رومان نفس الحساسية والحدة البصرية التي يمتلكها هابل تقريباً، لكننا نمسح السماء بسرعة أكبر بكثير”. وأضافت أن “شهراً واحداً من الرصد لمسح مجرتنا درب التبانة كان سيستغرق نحو قرن من الزمن مع هابل”.

وعندما يلتقط رومان مواقع كواكب جديدة في تلك المجرات، سيتدخل تلسكوب ويب فائق الحساسية لتحليل خصائصها. وقالت ماكينري إن ويب مصمم لاستكشاف الكون بعمق وحساسية فائقة، للعثور على أشياء نادرة في الكون المبكر، بينما يوفّر رومان “الرؤية الواسعة التي تكمل الرؤى العميقة التي يقدمها ويب”.

وحاولت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مراراً، خلال ولايتيه الأولى والثانية، إنهاء تمويل تلسكوب نانسي غريس رومان أو خفضه بشدة، لكن الكونغرس تدخل في كل مرة لحماية تمويله والحفاظ عليه.

يقرأ  التقرير الوطني يكشف تراجعًا حادًا في أداء طلاب المرحلة الثانوية بعد جائحة كوفيد-١٩

أضف تعليق