مجاعة النقد تدفع غزة إلى مدفوعات إلكترونية غير موثوقة

في محل ملابس في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة، يقف فراس زقلول حائرًا لا يعرف كيف يدفع ثمن ما يريد شراءه. المشكلة أنه لا يستطيع إقناع البائع بقبول نقوده.

دُمّر منزل فراس خلال الحرب الإسرائيلية على غزة، ودُفنت هويته الفلسطينية تحت الركام. وبدون هذه الهوية، كما يقول، لم يعد قادرًا على فتح حساب بنكي أو محفظة إلكترونية. صار يعتمد على أوراق نقدية بالية نادرة، وكثير من التجار يرفضون أخذها.

يقول فراس: “أعاني كل يوم عندما أريد شراء شيء. التاجر يرفض الأوراق المالية البالية، فأضطر للبحث عن طريقة أرضيه بها. أتمنى فقط أن يقبل تجار غزة أموالنا. في النهاية، المال كله مال.”

ما يعيشه فراس أصبح أمرًا شائعًا في غزة، حيث يعاني الناس من نقص حاد في النقود القابلة للاستخدام، وهو ما يعرف محليًا بـ”مجاعة النقد”. منذ بداية الحرب في 7 أكتوبر 2023، فرضت إسرائيل قيودًا شديدة على إدخال النقد إلى غزة، وقصفت حملتها معظم البنية التحتية المصرفية. والنتيجة اقتصاد يعاني فيه الناس رغم امتلاكهم المال، لأنهم لا يستطيعون الوصول إليه أو إيجاد من يقبله.

ووفق سلطة النقد الفلسطينية التي تشرف على القطاع المصرفي، دمرت الهجمات الإسرائيلية أكثر من 50 فرعًا بنكيًا في غزة، إضافة إلى العشرات من أجهزة الصراف الآلي. كما بقيت كميات كبيرة من النقود حبيسة خزائن البنوك المتضررة أو المدمرة.

وحتى بعد أن سمح وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 بإعادة فتح بعض الفروع، بقيت الخدمات محدودة في الغالب على المعاملات الإدارية، دون توفير السيولة النقدية الجديدة التي يحتاجها الناس بشدة. ويقول الفلسطينيون في غزة إنه من الصعب فتح حسابات جديدة للأشخاص الذين حصلوا على وثائق هوية بديلة بعد عام 2023، مما يحرم آلاف الأشخاص من الوصول إلى النظام المصرفي الإلكتروني في وقت أصبحت فيه المدفوعات الرقمية ضرورة أساسية.

يقرأ  أُفرِج عن أربعة نشطاء من أسطول مساعدات غزة بعد احتجازهم في ليبيا

في نفس محل الملابس، تنتظر الطالبة إسراء نجم، 23 عامًا، ظهور إشعار على هاتف صاحب المحل. تقول: “كما ترى، أنا واقفة هنا منذ ساعتين، أنتظر أمي لتحوّل المال لصاحب المحل من البيت. لن يسمح لي بالخروج بالعباءة التي أريد شراءها قبل أن يرى رسالة تأكيد التحويل.”

وتضيف إسراء أن الوثيقة التي حصلت عليها خلال الحرب لا تقبلها البنوك، لذلك لا تستطيع استخدام حسابها في بنك فلسطين أو محفظتها الإلكترونية. وتقول: “في كل مرة أريد الذهاب إلى السوق، أتصل بأمي وأطلب منها تحويل المال. أحيانًا لا يكون عندها إنترنت، فنعاني نحن الاثنتان لإتمام الدفع. هناك أزمة ثقة بين البائع والمشتري. أريد التعامل بالنقد. آخر مرة حصلت فيها على نقود كانت قبل سنة، لكن لم يرد أحد أن يأخذها مني لأن الأوراق كانت بالية.”

بسبب شح النقد، أصبحت المعاملات اليومية معقدة للغاية. داخل مجمع أبو جبارة الغذائي، تواجه نجلاء كحيل، 45 عامًا، صعوبة في شراء الطعام بسعر معقول. تقول إن استخدام الدفع الإلكتروني يجعل المساومة مع البائع أصعب، كما أنها تجد صعوبة في استخدام تطبيقات الدفع. “لا أعرف كيف أحوّل المال للبائع”، تشرح، “هاتفي قديم ولا تشتغل عليه تطبيقات البنوك. آخذ معي ابني الصغير ليطلب من أحد إخوته تحويل المال لصاحب السوبرماركت. أحيانًا أشعر أنني أتسول عندما أخرج للشراء، وأنني عمر مئة سنة، ولست 45. كل شيء صعب، من شراء الطعام، والطبخ على النار، وتعبئة الماء. أقضي يومي كله في المعاناة.”

أما محمد عويدة، بائع المكسرات البالغ 22 عامًا، فالذهاب للشراء الآن يتطلب تخطيطًا لم يكن يتخيله قبل الحرب. يقول: “شراء أي شيء أصبح عملية تحتاج تحضيرًا كاملًا. إذا أردت أن أشتري طعامًا لأمي يوم الجمعة، أشحن هاتفي في اليوم السابق. يجب أيضًا أن أتأكد من أنني أملك كل وسائل الدفع الإلكتروني، لأن كل بائع قد يطلب طريقة معينة، وعليك كزبون أن تقبل بشروطه.”

يقرأ  قطاع النفط السوري المدمَّر بالحرب يواجه طريقًا شاقًا نحو التعافي بحسب محللين

انقطاع الإنترنت يضيف مشكلة أخرى. بعض التجار يفضلون التحويلات التي تتم عبر خدمات الهاتف المحمول والتي تولّد رسالة نصية قصيرة كتأكيد، لأن تطبيقات البنوك تحتاج اتصالًا بالإنترنت قد يختفي في أي لحظة. يقول محمد: “بدون تلك الرسالة، لا يقتنع البائع أنك دفعت، ويبدأ ينظر إليك وكأنك لص. أتمنى أن نتوقف عن هذا التعقيد في الشراء. نحن متعبون.”

انهيار شبكات الاتصالات في غزة، مع التحول نحو الدفع الإلكتروني، غيّر أيضًا أماكن ممارسة الأعمال. المحلات التي توفر إنترنت مجاني أصبحت مراكز تجارية غير رسمية، يتجمع عندها البائعون والزبائن لأنهم يحتاجون اتصالًا موثوقًا لإتمام الصفقات.

عند مفترق بهلول غرب مدينة غزة، يبيع عبد الهادي أبو شعبان، 14 عامًا، الخبز خارج محل حلويات القاضي، حيث يمكن للزبائن الاتصال بشبكة واي فاي مجانية. وهو واحد من مجموعة باعة متجولين يجتمعون هناك لهذا السبب. يقول: “ليس لدي هاتف محمول، لكنني أطلب من المشتري أن يحوّل المال إلى حساب والدي في البنك، ثم أطلب منه أن يريني إشعار التحويل. أنا لا أستلم نقودًا، لأن كل النقود قديمة وبالية، وحتى لو كان معي فكة، لا أحد يقبلها.” لا يوجد نص مصدري لإعادة كتابته.

أضف تعليق