معرض فني في بريطانيا يستكشف حياة المسلمين وتاريخ الإسلام في أوروبا وموجات الإسلاموفوبيا

في شرق لندن، وتحت سقف إسباني مستوحى من الفن الإسلامي عمره 536 عامًا، تتدلى ثلاث قطع نسيجية كبيرة تربط بين مجتمعات المسلمين في المدينة وتاريخ المسلمين الممتد في أوروبا.

الأعمال من إبداع الفنان شاهد سليم. تظهر فيها لافتات من سياسة “البيئة المعادية” التي أطلقتها وزارة الداخلية البريطانية عام 2013، وحثّت المهاجرين غير النظاميين على مغادرة البلاد طوعًا. وإلى جانبها صور لمتسوقين مسلمين في سوق كوينز المتنوع في لندن، وبورتريه لألتاب علي، وهو شاب بنغلاديشي قُتل في حديقة عامة في جريمة بدوافع عنصرية.

المعرض بعنوان “لقد وُلدت هنا”، وقال سليم، وهو أيضًا مهندس معماري وكاتب وأكاديمي، إنه “قصة هجرة وانتماء”. جلس سليم على وسائد تحت السقف، ودعا الزوار إلى مشاهدة أعماله ومناقشتها.

ويضع سليم أعماله في سياق تصاعد كراهية الأجانب، الذي ظهر مؤخرًا في فوز حزب “الإصلاح” البريطاني المناهض للمهاجرين، وفي أعمال الشغب العنصرية في بلفاست بأيرلندا الشمالية.

وقال سليم: “بينما كنت أنجز هذه الأعمال، كنت أرى تصاعد السياسات العنصرية والمناخ المليء بالكراهية تجاه كل من يمثل الهجرة وعمليات القدوم إلى هذا البلد”.

وفي عام 2024، تواصل معه فريق متحف فكتوريا وألبرت لإنتاج عمل في المبنى الجديد للمتحف بمنطقة ستراتفورد، يستجيب للمجتمع المحلي وللسقف المذكور. هذا السقف الخشبي المنحوت والمذهّب، الذي تبلغ أبعاده ستة أمتار في ستة أمتار، كان في قصر ببلدة توريخوس في وسط إسبانيا. وبعد ذلك أمضى سليم مئات الساعات في صنع ثلاث قطع نسيجية ضخمة.

القطعة الأولى تحمل اسم “وزارة الداخلية”، وتعرض اقتباسات حرفية من لافتات حكومية عُرضت في أحياء مختلفة من لندن. في عام 2013، كان الترهيب واضحًا في العبارات المستخدمة: “106 اعتقالات الأسبوع الماضي في منطقتك”، و“هل أنت في بريطانيا بطريقة غير قانونية؟”، و“ارجع إلى بلدك أو واجه الاعتقال”. وجرى وضع هذه العبارات على القماش أمام خلفية من زخارف قصر الحمراء، أي الفن الهندسي الإسلامي الذي نشأ في إسبانيا في العصور الوسطى.

يقرأ  ميتا تُجري تسريحات للموظفين ومايكروسوفت تعرض حزم خروج طوعي أخبار الأعمال والاقتصاد

كما توجد لوحة تحمل بورتريه ألتاب علي، تكريمًا لعامل النسيج الذي طُعن حتى الموت في هجوم عنصري عام 1978، وكان عمره 24 عامًا فقط. ويظهر في المعرض أيضًا صورة لرحلة “سانتا ماريا”، سفينة كريستوفر كولومبوس التي مولتها الملكية الإسبانية، وشكّلت بداية استعمار إسبانيا لما سُمي “العالم الجديد” عام 1492.

وفي القرن الخامس عشر، ورغم أن إسبانيا عاشت قرونًا من التعددية الدينية، بدأت محاكم التفتيش الإسبانية تستهدف اليهود والمسلمين بعنف.

قال المؤرخ وكاتب الرحلات صاحب كتاب “أوروبا المسلمة: رحلة بحثًا عن تاريخ يمتد 1400 عام”، ثاريك حسين: “بينما يُحتفى بهذه الفترة غالبًا باعتبارها فجر العصر الذهبي الإسباني، فإنها كانت أيضًا مدخلًا إلى واحد من أكثر برامج أوروبا تدميرًا في فرض التجانس الديني والعرقي”.

وأضاف: “على مدى القرن الذي تلا ذلك، وكذلك في القرون التي سبقته، أُجبر مئات الآلاف من المسلمين واليهود الأوروبيين على المنفى، أو على تغيير دينهم، أو طُردوا من منازلهم، بينما عانى كثيرون آخرون من الاضطهاد والسجن والموت، في محاولة لطمس مجتمعات كانت أصيلة في شبه الجزيرة منذ قرون”.

وقال إن “أوروبا المسيحية” عبر التاريخ أعجبت بالإنجازات الفنية للحضارة الإسلامية في أوروبا، وحافظت عليها واحتفلت بها أحيانًا، لكنها في أحيان كثيرة هامشت واستبعدت واضطهدت المجتمعات المسلمة.

الموضوعات ما تزال حية

وتأملت زائرة تُدعى هناء، تبلغ 26 عامًا، المعرض فقالت: “رغم أن القصص تعود إلى الماضي، ترى أن الموضوعات ما تزال حية اليوم”. وأضافت: “كان هناك شيء ساخر بشكل خاص في تقديم هذا السقف إلى جانب ما تعرضه القطع النسيجية من عداء ومن حقائق الهجرة غير المريحة”.

المفارقة، بحسب هناء، هي أن أوروبا ظلت طويلًا مفتونة بالفن الإسلامي وتنظر إليه نظرة استشراقية، في الوقت الذي يتصاعد فيه الإسلاموفوبيا. ففي العام الماضي وحده، بيعت قطع من الفن الإسلامي في مزادات لندن بأرقام قياسية، بينما ترتكب جرائم معادية للمسلمين وتزرع الرعب في المجتمعات.

يقرأ  إسرائيل تصدر أوامر نزوح إضافية في لبنان وتستولي على قلعة استراتيجية

ويرى سليم أن التاريخ في أعماله متشابك عن قصد، وقال: “الاستعمار في الخارج وصناعة القومية العرقية في الداخل، هذان العنصران أصبحا جزءًا من تكوين الدولة الأوروبية الحديثة، ولا يزالان مستمرين حتى اليوم”.

وفي جزء آخر من المعرض، يظهر فندقا “ذا بيل” و“بريتانيا”، اللذان استُخدما لإيواء طالبي اللجوء، على شكل شعار نبالة. في يوليو/تموز الماضي، حاول مئات المتظاهرين من اليمين المتطرف اقتحام فندق “ذا بيل” في إبينغ بمقاطعة إسكس، وأدين ثلاثة منهم على الأقل هذا الشهر بتهمة ارتكاب أعمال شغب عنيفة.

أما القطعة النسيجية الثالثة فمليئة بالحياة، إذ يظهر فيها حشد من رواد السوق يتنقلون في أرجاء سوق كوينز في منطقة نيهام، وهو سوق عام مملوك للعموم ويُعد رمزًا من رموز المنطقة، وقد خاض السكان المحليون معركة مؤخرًا لحمايته من التطوير العقاري التجاري.

قال سليم: “شعرت أن هؤلاء هم الأشخاص الذين تأثرت حياتهم بشكل كبير بالتشريعات والسياسات الحالية، لكنهم يمثلون أيضًا بريطانيا المتعددة الثقافات، ويمثلون الوصول والاستقرار والإبداع والعمل والحياة. هذه القطعة تُظهر ثراء المدينة الذي يتعرض للتهديد”.

“لقد وُلدت هنا”: جملة دفاعية في وجه العداء

أما عمران حق، البالغ 25 عامًا، فيرى أن المعرض ليس مجرد تعليق فني وسياسي، بل يتحدث إليه وإلى تاريخ عائلته الشخصي. وقال: “هذا المعرض يجسّد حقيقة ملموسة وصادقة، وهي أنني أنا وآلافًا آخرين من المسلمين البريطانيين وُلدنا هنا فعلًا”. وفي السبعينيات، كانت والدته وصديقاتها، وهن شابات بنغلاديشيات وصلن حديثًا إلى لندن، يشترين الأقمشة من السوق نفسه الذي أخذ منه سليم خامات أعماله.

يقوم عمل سليم على تقويض الفكر القومي العرقي الذي يعتبر المهاجرين المسلمين أجانب وغير بريطانيين. فتاريخ قصر الحمراء وهذا السقف يشير إلى وجود الإسلام في أوروبا لقرون، في حين يسخر عنوان المعرض “لقد وُلدت هنا” من عبارة شائعة كثيرًا ما يُجبر المسلمون وغير البيض من سكان لندن على ترديدها.

يقرأ  غارات إسرائيلية في جنوب لبنان تودي بحياة شخصين في أحدث خرق للهدنة — آخر تطورات الهجمات الإسرائيلية على لبنان

قال سليم: “هذه العبارة كنا نستخدمها لتبرير وجودنا هنا في إنجلترا، وصد الهجمات العنصرية”. القطع الفنيّة تبدو للوهلة الأولى كأنها جزء من محاكاة ساخرة لفكرة “عليك أن تثبت باستمرار أن مكانك مشروع في القصر الذي تنتمي إليه فعلًا”.

عند دخولك إلى الطابق الأول من مبنى المخزن، تقع عيناك مباشرة على هذه الأعمال؛ فهي تملأ المكان بحجمها الضخم وألوانها الصارخة، بحيث يستحيل تجاهلها.

وهذه الأهمية لم تغب عن زوّار مثل “حق”، الذي قال إن وجود هذه الأعمال في هذا المكان البارز “منحني شعورًا بالحرية في أن أحتلّ مساحةً خاصة بي، بتاريخي وقصتي”.

وأضاف: “المسلمون ليسوا مفهومًا غريبًا أو دخيلًا. هذا الدين معروف على هذه السواحل منذ القرن السادس عشر، وهذه القطع تذكّرنا بأن الإيمان لا حدود له”.

أما عمل “وُلدت هنا”، لصاحبه “سليم”، فليس مجرد تعليق سياسي أو سلسلة أعمال فنية، بل هو وثيقة تاريخية. يقول سليم: “نعيش لحظة تاريخية حاليًا، لذا فإن العمل يعمل أيضًا كعلامة على هذه اللحظة”، معتبرًا أن هذه الأعمال توثّق موجة غير مسبوقة من الإسلاموفوبيا والمشاعر المعادية للمهاجرين، إلى جانب محاولات إعادة كتابة التاريخ بما يصور أوروبا ككيان مسيحي خالص. ويضيف: “عندما تعود لتقرأ هذا العمل بعد مئة عام من الآن، سيتحدث عن كل هذه الأشياء”.

أضف تعليق