في اجتماع لمجلس إدارة صندوق سامروك-كازينا، صندوق الثروة السيادي في كازاخستان، تبتسم شابة من على الشاشة. شعرها مرفوع بكعكة أنيقة، وترتدي سترة بنقوش كازاخية. وفي أواخر عام 2025، أصبحت أحدث عضو في مجلس إدارة الشركة.
لكن هذه الشابة ليست امرأة حقيقية. إنها سكاي، أو سامروك-كازينا للذكاء الاصطناعي، وأول برنامج ذكاء اصطناعي يتمتع بحق التصويت في المجلس. وقد انضم لدعم جهود الشركة من أجل مزيد من الشفافية وتحسين الحوكمة.
في كازاخستان، أصبح الذكاء الاصطناعي حديث الساعة، وهو جزء من حملة تحديث وبناء صورة جديدة للبلاد. تهدف هذه الحملة إلى تحسين الخدمات العامة، وجذب الاستثمارات، وتنويع الاقتصاد بعيداً عن الاعتماد على المواد الخام.
أعلن الرئيس قاسم جومارت توكاييف أن عام 2026 سيكون «عام الرقمنة والذكاء الاصطناعي»، بهدف إدخال التقنيات المتقدمة في كل قطاعات الاقتصاد، وتطوير المهارات والشركات الناشئة والتقنيات باللغة الكازاخية.
وفي عام 2025، أنشأت الحكومة وزارة للذكاء الاصطناعي والتطوير الرقمي. وفي الشهر الماضي، أقرّت خطة عمل حتى عام 2029 تشمل تعزيز معرفة الذكاء الاصطناعي في المدارس والجامعات، ورقمنة الرعاية الصحية والخدمات العامة وتحصيل الضرائب وقطاع الطاقة.
وفي عام 2025، أصبحت كازاخستان ثاني جهة بعد الاتحاد الأوروبي تصدر قانوناً ينظم الذكاء الاصطناعي.
في مبنى إكسبو الكروي المستقبلي في العاصمة أستانا، يدعو متحف جديد للذكاء الاصطناعي الزوار إلى التجول بين تركيبات رقمية وروبوتات، وتجربة نماذج ذكاء اصطناعي، والانغماس في تجربة أشبه بعالم آخر.
وفي مكان قريب، في أستانا هب، أكبر تجمع للابتكار في آسيا الوسطى، والذي يدير المتحف، يتعلم مئات من تلاميذ المدارس البرمجة والذكاء الاصطناعي التوليدي والرسوم المتحركة ثلاثية الأبعاد وتصميم الحركة، وذلك مجاناً. أما للبالغين، فتسعى «مدرسة الغد» إلى تطوير ألمع المواهب التقنية في كازاخستان.
قالت فاليريا تيو، المديرة الإدارية في أستانا هب: «لدينا طلاب تتراوح أعمارهم بين 18 وأكثر من 50 عاماً، يأتون من خلفيات متنوعة، وقرروا في مرحلة ما تغيير مهنتهم والعمل في مجال تقنية المعلومات. اختيار المرشحين صارم. من بين 25 ألف طلب تلقيناه، قبلنا أقل من 2 في المئة من أكثر الموهوبين».
يلعب المرشحون أولاً لعبة منطق وذاكرة لاختيار أصحاب أفضل إمكانات. ثم خلال دورة مكثفة مدتها أربعة أسابيع تسمى «بول»، يختار المنظمون مجموعة من الطلاب للالتحاق بتدريب يستمر عامين.
ومع أن دفع كازاخستان نحو الذكاء الاصطناعي جعلها رائدة في المنطقة، فإنها «ما زالت بعيدة عن أن تصبح سيليكون فالي، لكنها تتحول إلى مركز إقليمي للذكاء الاصطناعي»، بحسب يوري ميسنيك، مدير التكنولوجيا في إن درايف، وهي شركة ناشئة تزيد قيمتها على مليار دولار وتدرّب بنشاط جيلاً جديداً من متخصصي تقنية المعلومات في كازاخستان.
وأضاف: «بفضل قربها من الصين، يمكن لكازاخستان أن تجمع أفضل ما في العالمين: الابتكار الغربي ورؤى الشرق… وعلى غرار ما حدث قبل 15 عاماً مع التحول الرقمي، يغيّر الفائزون الأعمال والعمليات ونماذج العمل».
## «مصعد اجتماعي حقيقي»
بعد ثمانية عشر شهراً من برنامج «مدرسة الغد»، درّبت أستانا هب 500 شخص. وقد حصل بعضهم على وظائف. وهذا الشهر، تُفتح مجموعات جديدة في 12 منطقة كازاخية.
وقالت تيو: «فتاة كانت تعمل باريستا في مقهى المركز وجدت عملاً كمطوّرة بعد سنة واحدة من الدراسة. هذا مصعد اجتماعي حقيقي».
لدى أستانا هب أيضاً حاضنة للشركات الناشئة، تساعد في تكوين فرق جديدة وتطوير منتجات تقنية وبيعها في أسواق أخرى. ويتعاونون مع مراكز في دبي وشنغهاي وماليزيا والمملكة المتحدة، ويعملون عن كثب مع الحكومة. وبفضل ذلك، لا يدفع المقيمون لديهم أي ضرائب، ويذهب 1 في المئة من دخلهم إلى تطوير المركز.
وعلى مدى ثماني سنوات من العمل، ساعدت أستانا هب في احتضان أول شركة ناشئة كازاخية تزيد قيمتها على مليار دولار، وهي شركة خاصة تُدعى هيغسفيلد، وتعمل على توليد الفيديو. وقالت تيو إن المركز يأمل أن يصل إلى خمس شركات من هذا النوع بحلول عام 2030.
وفي جامعة نزارباييف القريبة، تحاول شركة أخرى فتح آفاق جديدة. فقد كان معهد الأنظمة الذكية والذكاء الاصطناعي أول مؤسسة أكاديمية في آسيا الوسطى تشغّل حاسوباً فائقاً.
وفي عام 2019، أدرك العلماء أن أشهر مساعدات الذكاء الاصطناعي الصوتية في ذلك الوقت، مثل سيري أو أليكسا، لم تكن تتعرف على اللغة الكازاخية. فقرر الفريق بناء منتج وطني خاص به.
وعندما ضرب فيروس كورونا في عام 2020، شجّع الباحثون متحدثين كازاخيين محليين وخطباء تقليديين كانوا في منازلهم بلا عمل على تسجيل أنفسهم وهم يقرأون نصوصاً بمشاعر مختلفة لتدريب النموذج الكازاخي الجديد. وقد نجح الأمر: في ديسمبر 2024، أطلقت الشركة ردّها المحلي على تشات جي بي تي.
يعمل نموذج ماغنيسوز بالنصوص والصوت في 11 لغة مختلفة. أما أويلان، وهي نسخة محدثة تعني بالكازاخية «فكّر!»، فتعمل بالصور أيضاً، بالإنجليزية والروسية والكازاخية.
قال يربول أبساليموف، المدير التنفيذي للمعهد: «لديه وظائف التفكير العميق والاستدلال والبحث في الشبكة. ولضمان حماية البيانات، قررنا تشغيله محلياً على خوادمنا. وهو متاح مفتوح المصدر لجميع مواطني كازاخستان، بما في ذلك الحكومة. عملنا يقوم على مبدأين: أولاً الذكاء الاصطناعي من أجل الخير، وثانياً الذكاء الاصطناعي من أجل كازاخستان».
وبينما يعمل تشات جي بي تي اليوم بالكازاخية أيضاً، يقول أبساليموف إن وجود نموذج لغوي كبير محلي يبقى ضرورياً. أولاً لأن البيانات التي يجمعها تبقى داخل البلاد، وثانياً لأنه يمثل الثقافة والتاريخ والتقاليد المحلية.
وقال: «قد تختلف طريقتنا في التفكير عن الأوروبية أو الأميركية الشمالية، لذلك أثناء إنشاء هذه النماذج نجمع بيانات تمثل كازاخستان وشعبنا وثقافتنا وتاريخنا وهوبتنا».
## مخاوف بشأن حقوق الإنسان وإمدادات الكهرباء
لكن تطوير الذكاء الاصطناعي لا يخلو من مشكلات.
فقد أثار قرار إنشاء مراكز بيانات كبيرة في كازاخستان، تحتاج إلى إمدادات مستقرة من المياه والكهرباء، مخاوف عديدة.
قال تليغين كوانديكوف، منسق البرامج في كابس أنلوك، وهو مركز أبحاث محلي: «كازاخستان ما زالت تستورد الكهرباء في أوقات الذروة، وجزء كبير من المحطات والشبكات قديم. وفيما يتعلق بالبيئة، قالت الوزارة إن التبريد سيستخدم أنظمة غمر بدلاً من المياه، لكن لم يُنشر أي تقييم بعد. ومهما يكن الحل الهندسي، فإن غياب الشفافية يعد فشلاً سياسياً حقيقياً».
هناك مشكلة محتملة أخرى تتعلق باستخدام البيانات وإساءة استخدامها.
وقال كوانديكوف: «حقوق الإنسان مسألة كبيرة. القانون الجديد للذكاء الاصطناعي يحتوي على لغة حماية، لكن تنفيذه ليس واضحاً بعد، وقد لا يتضمن رقابة عامة جدية. كما أن التعريف بالسمات الحيوية والتعرف على الوجوه يجري نشرهما بسرعة».