قبل عامين، وتحديداً في 31 تموز/يوليو 2024، كنت أقضي المساء مع أختيّ في حي الرمال بمدينة غزة، نتسوّق ملابس جديدة. ولأول مرة منذ أشهر، شعرت بشيء من الأمل، وكنت أتحدث بثقة عن اليوم الذي ستنتهي فيه الحرب ونعود إلى منزلنا في جباليا لنعيد بناءه. وبينما كنت أتناول قطعة ملابس، قاطعنا صاحب المحل فجأة. كان ينظر إلى هاتفه والدموع في عينيه، وقال: “إسماعيل الغول استُهدف من طائرات إسرائيلية”.
تجمدت في مكاني وسألته: “هل أنت متأكد؟”
فأجاب بصوت مرتجف: “نعم… لقد قتلوه”.
خرجت من المحل وأنا أبكي، وأكرر على نفسي السؤال نفسه: لماذا؟ ماذا فعل ليستحق هذا؟
لم أكن أبكي على إسماعيل لأنه صحفي ينقل قصة غزة إلى العالم فقط. كنت أبكي لأنني عرفته شخصياً. كان بالنسبة لي رجلاً يحب الحياة ويحلم باليوم الذي سيلتقي فيه أخيراً بزوجته وابنته الصغيرة زينة، بعد أن فرّقتهم الحرب.
تعرفت إلى إسماعيل لأول مرة عندما كنت مع عائلتي في مستشفى الشفاء بعد أن نزحنا. والدي كان يعرفه، فأخذني إليه على أمل أن يساعدني في شحن هاتفي، الذي كان مطفأ لأكثر من ثلاثة أسابيع بسبب انقطاع الكهرباء.
عندما وصلنا إليه، كان واقفاً أمام الكاميرا، يرتدي سترة الصحفي وخوذته ويحمل ميكروفون الجزيرة، وهو يغطي ما يحدث في غزة. بعد أن أنهى البث، عرّفني عليه والدي.
تحدثنا لدقائق معدودة فقط. وعندما علم أنني أتحدث الإنجليزية بطلاقة، قال لي: “استثمري في لغتك الإنجليزية. استخدميها لنقل صوتنا إلى العالم”.
في ذلك الوقت، بدت نصيحته مستحيلة التطبيق. لم تكن هناك كهرباء ولا إنترنت ولا فرصة للكتابة أو العمل في الصحافة. ومع ذلك، بقيت كلماته عالقة في ذهني.
خلال الأشهر التالية، أصبح إسماعيل صديقاً قريباً لعائلتنا، وليس مجرد صحفي شجعني على الكتابة. ومع تعرفنا عليه أكثر، رأينا كم كان يشتاق إلى زوجته وابنته. كان يتحدث كثيراً عن طفلته زينة، وعن حلمه بأن تنتهي الحرب سريعاً ليعود إلى عائلته.
كان والدي يلقبه دائماً “أبو زينة”، وهو لقب عربي حنون يعني “أبو زينة”، وكان يدعو الله أن يجمعه بزوجته وابنته اللتين نزحتا إلى جنوب غزة. وكلما سمع إسماعيل هذا الدعاء، كان يبتسم ويعانق والدي.
وفي أحد الأيام، أخبر والدي بفرح أنه تمكن أخيراً من التحدث إلى زوجته ورؤية زينة.
كان إسماعيل أيضاً صديقاً مقرباً لأخي الأكبر عدي، وكثيراً ما كانا يقضيان الوقت معاً. وبعد أن أُصيب والدي أثناء نزوحنا في الشفاء، جاء إسماعيل لزيارته والاطمئنان عليه. ووعد أنه بمجرد أن يتعافى والدي، سيحضّر له وجبة سمك، له ولعدي ولأصدقائهم.
فوجئنا جميعاً. ففي ذلك الوقت، كان السمك شبه مستحيل الحصول عليه، لأن الوصول إلى البحر كان خطيراً جداً، وما كان متوفراً منه كان باهظ الثمن بشكل لا يُطاق. وعندما حاول والدي أن يثنيه عن تكبد هذا العناء، ابتسم إسماعيل وقال: “أنت صديقي العزيز، أبو عدي”.
كان إسماعيل نادراً ما يظهر بدون ترمس صغير مليء بالقهوة الساخنة. وفي أحد الأيام، عاد عدي إلى المنزل وقال: “اليوم شربت القهوة مع إسماعيل”.
نظرت إليه باستغراب، لأنه لم يكن يحب القهوة أصلاً.
قال عدي: “إسماعيل أعطاني كوباً وقال: ‘إذا كنت تحبني، فاشربه’. فشربته”.
في يونيو/حزيران 2024، نزحنا نحن وعائلتي مرة أخرى، وهذه المرة إلى منزل أحد أصدقاء والدي في حي الرمال. ولأول مرة منذ أشهر، تمكنت من شحن هاتفي والدخول إلى الإنترنت. وهنا تذكرت نصيحة إسماعيل. بدأت أبحث عن وسائل إعلام تتيح لي الكتابة بالإنجليزية، على أمل نقل قصص غزة إلى العالم، تماماً كما شجعني.
في الشهر التالي، وقبل ساعات فقط من مقتله، كان إسماعيل جالساً مع أخي في سيارة عائلتنا قرب مستشفى الشفاء. كان يشرب القهوة من ترمسه المعتاد، ويرتدي قبعة بلون بيج فاتح ليقي نفسه من شمس الصيف.
وعندما غادر لتغطية ما سيكون آخر تقاريره، نسي القبعة والترمس في سيارتنا.
بعد وفاته، احتفظ بهما والدي. وكان كثيراً ما يرتدي القبعة، ويقول: “هذا آخر ما تركه إسماعيل”. وحملهما معه في كل تنقل ونزوح، حتى استقر بنا الحال في منزلنا المتضرر الذي كنا نحلم بإعادة بنائه في شمال غزة.
لكن حتى هذه التذكارات لم تنج من الحرب.
في منتصف مايو/أيار 2025، تلقينا اتصالاً من الجيش الإسرائيلي يأمرنا بإخلاء منزلنا فوراً، لأنه سيُقصف خلال دقائق. غادرنا دون أن نحمل شيئاً، وتركنا ملابسنا وطعامنا ومتعلقاتنا الشخصية، ومن بينها قبعة إسماعيل وترمسه.
دُمر المنزل، ومعه آخر ما تبقى لدينا من تذكارات مادية عنه.
إسرائيل لم تقتل في ذلك اليوم صحفياً فقط. قتلت أباً كان يتوق إلى احتضان ابنته، وزوجاً كان ينتظر نهاية الحرب ليعود إلى عائلته، وصديقاً لمس طيبه قلوب كل من عرفه.
بعد عامين، ما زالت الكلمات التي قالها لي إسماعيل في مستشفى الشفاء ترافقني. وبعد رحيله، قطعته وعداً: أن أستمر في نقل قصة غزة إلى العالم. كل قصة أكتبها هي محاولة للوفاء بهذا الوعد.