كارمن ريفيريغو — رعاية الفن وتمويله في إسبانيا

كارمن ريفيرييغو

في أمسية دافئة بمقر الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة سان فرناندو في مدريد، بدت كارمن أقل كمديرة مؤسسة ثقافية وأكثر كمن تبني محركًا يعمل بتناسق دقيق. كانت تتنقل بين فقرات جوائز الرعاية الدولية بهدوءٍ وفعالية، تستقبل الرعاة—من بينهم باتيا أوفر الفائزة هذا العام—تحتضن الفنانين بحرارة وتصافح المسؤولين العامين كما لو أنها تشكل تحالفًا عمليًا في اللحظة ذاتها.

هي المؤسِّسة والرئيسة التنفيذية لمؤسسة كاليا، الجهة المنظمة للجائزة التي وصلت هذه السنة إلى دورتها الحادية عشرة. انطلقت الفكرة مع كتابها حظّ العطاء، وتحوّلت المؤسسة إلى واحدة من أبرز المنصات الإسبانية لدعم القطاع الخاص للفنون. إلى جانب حفل التكريم، تموّل المؤسسة ترميمات داخل مجموعات اسبانيا العامة وتدير المجلس الدولي للمجموعات الملكية بالتعاون مع باتريمونيو ناسيونال.

خلفيتها أكاديمية في التاريخ الفني، وأكملت دراساتٍ في التسويق والأعمال وبدأت مشوارها المهني في عالم المال. تقول إن عقلها «عقل تنفيذي»—كل طاقتها وذكاؤها مكرَّسان لتحقيق أقصى أثر ممكن. هذا المزج بين المعرفة العلمية والاستراتيجية والشغف يحدد منهجها، مع إصرار واضح على قياس التغيير الثقافي لا الاكتفاء بالاحتفاء به.

الحجة الجوهرية لدى كاليا بسيطة وواضحة: من دون الرعاة لما كنا لنرى كثيرًا من الأعمال العظيمة. تحدثت كارمن عن التوازن المتغير بين الدعم العام والخاص في اسبانيا، والتوترات الأجيالية في العطايا، وما تطمح المؤسسة إلى تحقيقه في السنوات المقبلة.

فيما يتعلق بدور الرعاية في النظام الثقافي الإسباني اليوم، ترى ريفيرييغو أننا نتجه نحو نموذج مختلط نجح مثلاً في تفادي تسريحات في القطاع الثقافي أثناء جائحة كورونا. يمكن تمييز ثلاثة أنماط: النموذج البريطاني-الأمريكي حيث للقطاع الخاص وزن كبير، النموذج الأوروبي حيث لا يزال القطاع العام هو المسيطر غالبًا، ونموذج كندا الأكثر توازنًا. إسبانيا في حركة نحو ذلك التوازن.

يقرأ  إلفيرا ديانغاني أوسيتتنحى مبكراً عن منصب مديرة متحف الفن المعاصر في برشلونة

على مستوى الاتحاد الأوروبي، ثمة تغيّرات ثقافية وتشريعية ومالية تجري بسرعات متفاوتة لكنها مترابطة؛ والنمو المالي هو نتيجة التغيّرين الأولين. في اسبانيا لا نمتلك بعد حجم الرعاة الكبار كما في فرنسا، لكنّ الموجودين يظهرون بقوة ووضوح. هنا تتركز جهودنا: منح الرؤية التي تُؤثر في التغيير الثقافي، والذي بدوره يدفع إلى تغيير تشريعي، وفي تلاقيهما تتبلور شروط نظام أكثر توازنًا.

تاريخيًا اعتمدت إسبانيا بثقافتها على التمويل العام، لكن التطور في الرعاية الخاصة ملموس. ما يهم كارمن ليس الأرقام وحدها بل جوهر الأمر: حبّ الفن والاقتناع بأن ازدياد الفنون يقوّي التماسك والانسجام في المجتمعات. تشريع الرعاية الأساسي في البلاد صدر عام 2022 واعترف حينها بتسارع نمو الدعم الخاص أكثر مما كان متوقعًا — فالتشريعات عادة ما تتأخر عن الواقع— وهي متفائلة بأن تغييرات إيجابية إضافية ستأتي.

تستعرض ريفيرييغو مثال فرنسا بعد قانون أيلاغون 2003 الذي منح حوافز ضريبية كبيرة؛ فارتفع عدد المانحين الأفراد من 1.3 مليون في 2005 إلى 5.4 مليون في 2022، وزاد عدد الرعاة الشركاتي من 12 ألفًا إلى أكثر من 105 آلاف، وظهرت مئات المؤسسات والصناديق الائتمانية الثقافية الجديدة. اليوم تشكل الثقافة أحد أهم مجالات العطاء الشركاتي في فرنسا.

في اسبانيا نفتقر إلى بيانات رسمية شاملة تسهل المقارنات المباشرة، لكن الدعم الخاص ازداد تدريجيًا، وخلال أزمة 2008 ومع تراجع الرعاية العامة نما الوزن النسبي للتمويل الخاص. وربما يبدو الكلام عن البيانات يابسًا بعض الشيء—كأننا نناقش دفاتر بنك ميديتشي بدلًا من ربيع بوتيتشيلي—غير أن فهم هذه المؤشرات ضروري لتحقيق هدف الجوائز: تغيير العقلية وتحفيز نشوء رعاة جدد.

عند تأسيسها للمؤسسة كانت الدافع تحويل تجربة العطاء إلى حالة تُمكّن الآخرين؛ بعد صدور كتابها لاحظت لدى كبار الرعاة فكرة مشتركة: ليس مقدار العطاء الذي صنع الفرق، بل مقدار ما تلقوه هم شخصيًا من هذه التجربة. أرادت أن تُسهِم في ذلك التحوّل لدى الغير، فصممت كاليا كحاضنة للرعاة تجمع شخصيات من إسبانيا وأمريكا اللاتينية وخارجها. جوهر المؤسسة ليس فردًا بل مجتمع من الرعاة الذين يرون في الفن مسؤولية مشتركة.

يقرأ  فاروق الشعرا يلتقي بوتين في موسكو في أول لقاء له منذ سقوط الأسد

حول الفارق بين الجامع والراعي، ترد بسؤال معاكس: هل ثمة فرق حقًا؟ ففي شراء المرء لأعمال فنّانة حية ودعمها مادّيًا هناك فعل رعاية بحد ذاته، إذ يسهم في إتاحة وجود الفن ذاته. إن إنتاج العمل الفني لا يُختزل خطأً في ثنائية الفنان-العمل؛ الأعمال الخالدة استمرت لأن من ساند الفنان وحافظ على العمل. لا معنى لكنيسة سيستين بلا يوليوس الثاني، والمجموعات الملكية ما كانت لتوجد لولا رعاية فيليب الثاني وفيليب الرابع؛ ما بدأ كمبادرة مشتركة بين القطاعين تحوّل اليوم إلى تراث وطني يخص المواطنين.

في اختيار مَن تُكرّمهم الجوائز، تضع كارمن معايير واضحة: القيم، القدرة على الحوار، الشغف بالفن كأداة لتحسين المجتمعات والأفراد، التنوع مع الحفاظ على الهوية، الرؤية البعيدة المدى، والإحساس بالإرث. تؤمن بفكرة الوصاية الأخلاقية على الأعمال بدل التفكير في الملكية الحصرية—حفظ العمل للأجيال القادمة مع الانفتاح على جمهور محلي وعالمي—وفوق كل ذلك الأثر الإنساني.

هل ثمة تحول جيلي في نهج الفاعلين الخيريّين الشباب؟ تجيب أن هناك تغيرات إيجابية وسلبية معًا؛ الرعاية هي حوار بين الأجيال، تولد فيه كل جيل قيمًا ويضيف الجيل التالي عليها بطريقة مختلفة. هي ليست مهتمة بمن يعتبرون رعاية الفن مجرد امتلاك أو وسيلة لاستثمار فائض رأس المال. نعيش زمن تحول نمطي، وتاريخ الفن عندها استمرارية بين الأجيال؛ حيث يظن بعضهم أن كل شيء يبدأ بهم—ما نسميه أحيانًا «الآدانية»—فلا تجد صلة عندها مع هذا المنحى.

على المدى المتوسط، تبيّن رؤيتها لنجاح كاليا خلال خمس إلى عشر سنوات: استمرار تثبيت الجوائز ومضاعفة الدور العملي للمؤسسة في الممارسة نفسها؛ فهم يكافئون الرعاية لكن عليهم أيضًا أن يمارسوها. لن يكونوا مجرد مراقبين؛ سيواصلون تعزيز التعاون مع المؤسسات. المجلس الدولي للمجموعات الملكية في بداياته فقط، وهدفهم أن يصبح نموذجًا مثاليًا لشراكة ناجحة بين القطاعين العام والخاص.

يقرأ  سريالي إيطالي يصنع بالحبر ضفادع ووحوشًا وحشراتٍ؛ كل خطٍ يزحف وينحني ويتآمر على الصفحة البيضاء

في السنوات المقبلة ستدعم المؤسسة ترميم أعمال كبرى مثل عمل إل غريكو “استشهاد القديس موريس”. لا يمكن فهم بيكاسو أو الفن الحديث من دونه—ولا بد أن تُعرض تلك الأعمال كما كانت تُرى منذ نشأتها. الفعل هنا ليس مجرد استعادة مادّة، بل استعادة سياق رؤية تاريخية وثقافية تُمكن الجمهور من استيعاب امتدادات الفن عبر الأجيال.

أضف تعليق