عودة من جحيم: شبان من جنوب افريقيا مجندون إلى خطوط القتال في أوكرانيا
عند نزوله من طائرة عائدة من روسيا الأسبوع الماضي، لم يحمل سيبو دلاميني سوى ثياب الظهر التي يرتديها. قال الرجل الثلاثيني إنه وأصحابَه أُجبروا على حرق كل ما يملكون — ملابس، أوراق ثبوتية، وصور عائلية — منذ اليوم الأول كانت المعاملة بمثابة جحيم متواصل.
دلاميني واحد من أكثر من اثني عشر مواطناً جنوب أفريقياً أعيدوا قسراً من روسىا بعد أن احتال عليهم أصحاب الوساطة وزوّروا وعودَهم بتدريبات أمنية ليوجهوهم لاحقاً إلى صفوف قتال في أوكرانيا. التجربة لم تقتصر على جنوب أفريقيا فحسب، بل تكررت مع شبان أفارقة من دول مثل كينيا وزيمبابوي.
تكشّفت الوقائع في نوفمبر الماضي حين تبين أن شباباً تتراوح أعمارهم بين العشرين والتسعة والثلاثين أُرسلوا إلى الخارج لتلقي ما قيل إنه تدريب أمني، قبل أن تُجندهم ميليشيا شبه عسكرية وتُرَسِلهم إلى الجبهات. في صلب الجدل كانت ددوزايْل زوما-سامبدولا، ابنة الرئيس السابق جاكوب زوما، التي استقالت من البرلمان في ديسمبر بعد أن وُجهت إليها اتهامات بالتحريض على التجنيد وفتح الشرطة تحقيقاً بشأن دورها.
قُدِمَ كثيرون من المجندين من منطقة نكاندلا في إقليم كوازولو-ناتال، وعاد بعضهم بعدما تدخل الرئيس الحالي سيريل رامافوزا لدى نظيره الروسي لطلب تسهيل عودتهم، وفق بيان رئاسي. العائدون وعائلاتهم يعيشون الآن في حالة رعب من انتقام المنظمين ومن احتمال محاكمتهم بموجب القانون الجنوب أفريقي الذي يحظر الاشترك في نزاعات أجنبية؛ ولذلك تحدثوا بشرط إخفاء هوياتهم.
أحد العائدين قال إنهم خُدعوا بوعد أن يكونوا حراس شخصيين لكبار المسؤولين، لكنه سرعان ما اتضح أن أموراً أخرى كانت تجهز لهم. إحدى المجندات — بحسب شهادات — تظاهرت بأنها مسافرة إلى هناك لاستقبالهم، بينما لم تكن قد غادرت البلاد أصلاً رغم ظهورها مزعومًا على مجموعات الواتساب المروّجة، فوجدوا أنفسهم فجأة في الخنادق. أُبلغ بعضهم بمبلغ مقطوع عند التوقيع يناهز ثمانين ألف رانٍد أرسلوه فوراً إلى أسرهم، ثم تبيّن أن التدريب الأساسي استمر لأيام معدودة فقط قبل تسليمهم زيّاً عسكرياً وسلاحاً وإرسالهم إلى جبهات حارّة.
تقول عائلات المتضررين إن زوما-سامبدولا وشركاءها تلقّوا مبالغ طائلة — يُقال إنها لا تقل عن أربعة عشر مليون رانٍد — من مجموعة فاغنر مقابل توفير مجندين. كلمة أحد الأهالي كانت قاسية: «بيعوا أبناءنا. وَعِدوا بالعمل فاستُخدموا كوقود بشرِي». من جهتها، قدّمت المعنية إفادة للشرطة تزعم فيها أنها كانت ضحية خداع هي الأخرى، وأن وعود العقود الأمنية المربحة في الخارج هي التي ضللتها.
تبعت القصة موجة استقالات واتهامات داخل المشهد السياسي: استقالت من مقعدها البرلماني الذي كانت تمثله ضمن حزب والدها، ورفع أحد أفراد العائلة قضية ضدها، في حين أن الحزب نفسه سعى للتباعد عن الفضيحة. محاولات الرئيس السابق الحصول على الإفراج عن الشبان باءت بالفشل حتى تدخل رامافوزا لدى القيادة الروسية فأُتيح لبعضهم العودة.
على الجبهات، أُرسل العائدون إلى منطقة دونباس شرقي أوكرانيا حيث تدور معارك ضارية منذ سنوات. كانوا — بحسب إفاداتهم — في أحلك المهام، مع تدريب سطحي لا يكفي لاستخدام السلاح بشكل آمن، يصفون أنفسهم بأنهم «ذخيرة بشرية»: يجبرون على اقتحام المواقع الأخطر والتعرّض لطلعاتٍ جوية وطائرات مُسيّرة فوق رؤوسهم، ويُطلب منهم انتشال القتلى والمصابين في ظروف مروعة. وأضاف بعضهم أنهم واجهوا سقماً عنصرياً وإهانات جسدية من عناصر روس، ورأوا زملاء من نيجيريا وزيمبابوي وكينيا يسقطون بكثرة.
الأزمة أوسع من حدود دولة بعينها: بحلول نوفمبر أفادت وزارة الخارجية الأوكرانية بتحديد أكثر من 1,400 مقاتل من 36 دولة أفريقية بين صفوف القوات الروسية، وسُجلت وفيات لمواطنين من غانا والكاميرون وكينيا وزيمبابوي وجنوب أفريقيا وغيرها. في غانا أعلن وزير الخارجية فقدان نحو خمسين شاباً وتعهد بالسفر إلى موسكو للتفاوض على إطلاق سراح المحتجزين؛ وعلى غرار ذلك أبلغت الكاميرون عن عشرات الوفيات، بينما أكدت زيمبابوي وجنوب أفريقيا أيضاً سقوط ضحايا بين رعاياهما.
في النهاية، تبقى العائلات حائرة بين الخوف من الانتقام القانوني والبحث عن دفن لائِق لأبنائها أو استعادة من نجا منهم إلى أحضان الوطن، وقد تركت تلك الحكايات آثاراً عميقة على مجتمعات محلية اعتادت على الوعد بالنهوض الاقتصادي فوجدت نفسها أمام شبكة من الخداع والاستغلال. مهمة دبلوماسية إلى الموسكو
وزير مجلس الوزراء الكيني مساليا مودافادي يتهيأ لإرسال وفد إلى روسيا في مارس سعياً إلى تأمين عودة مقاتلين كينيين احتجزتهم ظروف القتال أو جُندوا للقتال في أوكرانيا.
التجنيد الروسي في إفريقيا
رصدت مجموعة All Eyes on Wagner حملة تجنيد روسية مكثفة في دول إفريقية، أظهرت كيف استُدرج رجالٌ ضعفاء الوازع بوعود عمل وتدريب وحتى تسهيل عبور إلى أوروبا، قبل أن يُرَسَلوا إلى مناطق القتال دون تأهيل يذكر.
وقال زولو، أحد العائدين من جنوب إفريقيا: «انضم بعض إخواننا لأنهم وُعدوا بالتهريب إلى أوروبا الغربية إذا قاتلوا. كان هذا الحلم الطُعم.»
وتحذر المجموعة أيضاً من احتمال وجود مزيد من الجنوب أفارقة يقاتلون في الحرب بين روسيا وأوكرانيا.
عمليات الإعادة والتحقيقات
بعد فتح قنوات دبلوماسية بين بريتوريا وموسكو، أعيدت دفعات من الرجال الجنوب أفريقيين على مرحلتين: أولاً أربعة، ثم 11 بعد أسبوع. وليست جميع العودة بلا ثمن؛ فقد عاد أحدهم على كرسي متحرك وآخر فقد ساقه في ضربة طائرة مسيّرة ونُقِل إلى مستشفى روسي، وفق ما قاله ممثل عائلاتهم ماهلانغو. وأعلنت الحكومة أن اثنين من الجنوب أفارقة قضيا في روسيا.
صرح كريسبين فيري، المتحدث باسم وزارة العلاقات الدولية والتعاون، أن الحكومة تعمل مع العائلات للتقرير بين حرق الرفات داخل روسيا أو إعادتها لدفنها في الوطن. «هذا أمر بالغ الحساسية بالنسبة لنا كمسؤولين حكوميين لأن علينا مراعاة ما تمر به العائلات»، قال فيري.
عند وصول الدفعة المكوّنة من 11 شخصاً إلى دربان الأسبوع الماضي، أفاد العائدون بأن الشرطة أخضعتهم لمنطقة احتجاز في مطار الملك شاكَا الدولي واستلمت هواتفهم وأجهزتهم ليجري التحقيق وجمع المعلومات قبل السماح لهم بمغادرة المطار. ثم قطعوا المسافة الطويلة إلى نكاندلا، أكثر من 210 كيلومترات، للقاء ذويهم. «كان ارتياحاً عظيماً أن نعود إلى البيت أخيراً»، قال خومالو. «في لحظات اعتقدنا أننا لن نعود أبداً.»
أكدت مديرية التحقيق في الجرائم ذات الأولوية (المعروفة بالهاوكس) أن 15 رجلاً يخضعون للتحقيق، وقال العقيد كاتليغو موجالي إن التحقيق يركز على انتهاكات قانون تنظيم المساعدة العسكرية الأجنبية، الذي يجرّم نشاط المرتزقة وينظم تقديم خدمات عسكرية وأمنية من قِبل جنوب أفارقة في الخارج. كما اعتُقل خمسة مشتبه بهم آخرين في مقاطعة غوتنغ في أواخر العام الماضي في سياق تحقيق منفصل حول تجنيد جنوب أفارقة للقتال لصالح روسيا، وتواجه تلك المجموعة اتهامات بالاحتيال والاتجار بالبشر ومخالفة القانون ذاته. وظهر خمسة متهمين أمام محكمة كيمبتون بارك بتهم تتعلق بالتخطيط للقتال في حرب روسيا ضد أوكرانيا.
حياد جنوب إفريقيا تحت المجهر
عندما أعلن الرئيس رامافوزا عودة المجندين الأسبوع الماضي أشاد بـ«امتنان صادق» لبوتين على المساعدة المقدمة. طوال فترة الحرب سعت جنوب إفريقيا إلى الحفاظ على موقف غير مناصر، محافظَةً في الوقت نفسه على علاقات قوية مع موسكو بصفته شريكاً في دول بريكس إلى جانب البرازيل والهند والصين. لكن هذا الموقف أثار سجالات نقدية حول حياده؛ إذ قالت إليزابيث سيديروبولوس من معهد جنوب إفريقيا للشؤون الدولية: «موقفنا غير المنحاز لا يعني تبرير التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا الذي انتهك القانون الدولي.»
ترتبط جنوب إفريقيا بروسيا بعلاقات تاريخية تعود إلى عهد الفصل العنصري، عندما ساعدت الاتحاد السوفييتي في تسليح وتدريب مناضلين ضد الحكم العنصري، ما يجعل الموقف السياسي في ظل الديمقراطية معقّداً وحساساً. كما واجهت امتناعاتها المتكررة في الأمم المتحدة عن إدانات روسيا انتقادات من دول غربية في السنوات الأخيرة.
سنة رابعة من الحرب وتبعات إنسانية
دخلت الحرب عامها الرابع الأسبوع الماضي بلا بوادر لوقف قريب. الخسائر البشرية—أوكرانيون وروس ومرتزقة أجانب يقاتلون على الجانبين—تستمر في الارتفاع، مظهرة تكلفة الصراع الإنسانية، والتي امتدت لتطال مجندين هُرِبوا من خارج حدود أوروبا. وبالنسبة لعائلات المقاتلين، خصوصاً المنخدِعة منهم، تبدو السياسة ثانوية أمام الألم. «نريد أولادنا فقط أن يعودوا أحياء»، قالت إحدى الأمهات. «ونريد أن يُحاسَب من خدعونا.»
تم تغيير الأسماء لحماية الخصوصية والسلامة.