كانو، نيجيريا — في مسجد بعيد عن مراكز الحرب المتفجرة في الشرق الأوسط، احتشد المئات لمواساة بعضهم بعضًا بعد تولي ابن آية الله علي خامنئي منصب المرشد الأعلى لإيران، إثر اغتيال والده في هجوم مشترك أميركي-إسرائيلي. ارتسمت على وجوه الحاضرين مظاهر الحزن والتأمل، وترددت صلوات رتيبة بصوتٍ انهماهي عبر مكبرات الصوت حتى انكسر أحيانًا من شدة الأسى، بينما مسح شابٌ دموعه بهدوء.
أعلنت طهران يوم الأحد تعيين مجتبى خامنئي خليفةً لوالده، ورأى كثيرون في كانو أن هذه الخطوة تُمثّل ضمانةً لاستمرار “مقاومة” الزعيم السابق. اغتيال المرشد الكبير الأسبوع الماضي أثار مشاعر عميقة بين أقلية المسلمين الشيعة في نيجيريا، الذين يربطون هويتهم الدينية والوجدانية ارتباطًا وثيقًا بالجماعة الشيعية الأوسع. في هذا السياق قال الأكاديمي داودا نالادو، البالغ من العمر ستين عامًا، إن مقتل خامنئي لم يكن حدثًا سياسيًّا عابرًا بل كان إسكاتًا لمعنى روحي وقِيَميّ بالنسبة لهؤلاء.
يُنظر إلى خامنئي، الذي كان يبلغ من العمر 86 عامًا عند مقتله، كمعمارٍ صلب للبناء السياسي والعسكري في الجمهورية الإسلامية، إذ صاغ أجهزة الدولة وصار تأثيره أحد أعمدة نفوذ ايران في المنطقة، وعمل على ترسيخ مبدأ الاعتماد على الذات في مواجهة العقوبات الغربية، وكان يرد بقوة على من ينتقده. ومع ذلك، شهدت سنواته الأخيرة تحديًا داخليًا غير مسبوق حين تحولت الأزمة الاقتصادية الحادة في يناير إلى احتجاجات شعبية واسعة سُحقت بقسوة؛ وقالت تقارير إن آلافًا قُتلوا في قمع تلك الاحتجاجات، وهو ما استغلته الولايات المتحدة كمبررٍ للحرب الحالية، بينما اتهم خامنئي قبل مقتله عناصر وصفها بـ”الإرهابية” مرتبطة بأميركا وإسرائيل بأنها وراء العنف.
منذ انطلاق العمليات الأميركية والإسرائيلية ضد ايران في 28 فبراير، تجاوز عدد القتلى داخل البلاد ألف ومئتين وخمسين شخصًا على الأقل، من بينهم فتيات قُتلن في هجوم استهدف مدرسة في ميناب جنوبي البلاد، كما تسببت الغارات بأضرار جسيمة في مستشفيات ومساكن ومواقع تراثية. وفي نيجيريا نفسها، خرجت جماعات شيعية إلى الشوارع احتجاجًا على الحرب؛ فقد شهدت كانتو وكادونا وكيبي وغومبي وباوتشي وكاتسينا وحتى مدينة لاغوس المختلطة الطوائف تجمعات غاضبة تطالب بإنهاء الهجمات على ايران.
قال نالادو إن “الولايات المتحدة وإسرائيل فرضتا هذه الحرب معًا… وإيران لديها حقٌ مشروع في الدفاع عن نفسها”.
أقليّة صغيرة لكنها مؤثرة
يشكل المسلمون حوالى نصف سكان نيجيريا البالغ عددهم نحو 200 مليون نسمة، والغالبية الساحقة منهم من أهل السنة، بينما يقدّر عدد الشيعه في البلاد بين مليون وخمسة ملايين بحسب تقديرات متباينة. يُفصل التباين بين السنة والشيعة في مسائل تفاسير القرآن وتعاقب الصحابة على قيادة الأمة بعد وفاة النبي محمد.
تعد الحركة الإسلامية في نيجيريا (IMN) أبرز التيارات الشيعية وأكثرها تأثيرًا. يقودها إبراهيم الزكزّاكي، عالم دين ذا حضور قوي وقد أسهم في توسيع قاعدة التشيع في بلد كان شبه غالبيته سنّية. وُلد الزكزّاكي في أسرة من علماء السنة، لكنه تأثر بإيران الثورية عام 1979، وسافر في ثمانينات القرن الماضي لمواصلة دراسته، حيث التقى آنذاك بالمرشد الروحي روح الله الخميني، تجربةٌ كان لها أثر جوهري في تكوين رؤيته. عند عودته إلى زاريا بولاية كادونا أسس حركته التي اتبعت مناهج كروية قريبة من فكر الخميني، وأسست برامج رعاية اجتماعية ودعمت طلابًا للدراسة في الخارج حتى امتد نفوذها إلى ملايين الناس مع مطلع الألفية.
انتقد الزكزّاكي المتعاقبين من حكومات نيجيريا في خطبه، واتهمه منتقدوه بعدم الاعتراف بالدولة النيجيرية. كما اتهمت السلطات أتباع حركته بفرض قواعد زيّ صارمة في زاريا رغم عدم امتلاكهم صفة رسمية لفرض ذلك. أدت هذه الأنشطة، مع ظنون حول دعم إيراني، إلى وضع الحركة على رادار الأجهزة الأمنية، وإن لم ترد أدلة قاطعة على تسليحها بنفس الطريقة التي دعمت بها طهران حلفاء إقليميين آخرين.
تصاعدت الاحتكاكات بين أعضاء الحركة والشرطة حتى بلغت ذروتها في 2015 حين منعت فعالية للحركة مسار موكب قائد الجيش النيجيري، وهو ما اعتبرته السلطات محاولة اغتيال، فداهمت قوات الجيش وشنّت قمعًا أودى بحياة ما لا يقل عن 350 شخصًا، من بينهم ثلاثة من أبناء الزكزّاكي، في واقعة وصفتها منظمات حقوقية بأنها مذبحة. أُصيب الزكزّاكي وزوجته في غارة على منزلهما وفقد الزعيم جزءًا من بصره، ووضعت العائلة تحت الإقامة الجبرية لسنوات رغم أوامر قضائية بإطلاق سراحهم، قبل أن تُدرَج الحركة كـ”منظمة إرهابية” عام 2019. أُفرِج عن الزكزّاكي عام 2021 فسافر مع أسرته إلى طهران لتلقي العلاج. التقى الراحل علي خامنئي الذي وصفه بـ«مقاتل حقًّا في سبيل الإسلام».
تشيّع الجماعة الشيعية في نيجيريا خامنئي داخل مسجد في كانو، فيما اتهم أعضاء حركة الإمام موسى الصدر (IMN) السلطات بممارسة الاضطهاد على مدار سنوات. ووصف خبراء حقوق الإنسان حملة القمع عام 2015 بأنها مذبحة.
توازن نيجيريا
غالبًا ما أدت التوترات بين القوى الأمنية المتعاقبة وحركة زكزكي إلى إجبار ابوجا على اعتماد سياسة توازن دقيقة، في محاولة للحفاظ على علاقات لطيفة مع إيران. كما أن بروز جماعات مسلحة أيديولوجية مثل بوكو حرام منذ 2009 زاد من شبهة الدولة تجاه الحركات الدينية. فقد أعلنت السلطات عام 2013 توقيف ثلاثة مشتبه بهم بانتمائهم لحزب الله في كانو بمساعدة مسؤولين إسرائيليين ادّعوا أنهم تسللوا إلى الصف الشيعي.
عند اندلاع الحرب في 28 فبراير، تحرّكت الحكومة في ابوجا بحذر، داعية إلى الحوار ومعبّرة عن «قلق عميق»، كما أعلنت خططها لإجلاء نحو ألف من مواطنيها من إيران، غالبيتهم من الطلاب.
بقيت السلطات النيجيرية صامتة ولكن يقظة بينما احتشد الشيعَة في مسيرات مشاعل في مدن عدة. وفي العاصمة أُغلقت شوارع رئيسية وانتشرت القوات الأمنية، منعًا لأي تجمعات.
«من المرجّح أن تخشى السلطات اندلاع أعمال شغب قد تُستغل قبيل الانتخابات العامة في يناير»، قال آدمو.
تواصل نيجيريا أيضًا عملها مع الولايات المتحدة لمكافحة الجماعات المسلحة داخل البلاد، خاصة بعد وصول جنود أمريكيين الشهر الماضي.
في كانو، رغم غضب الكثيرين من مقتل خامنئي، عبّرت الجماعة عن ارتياح لاعتلاء ابنه المنصب. قال أحد أعضاء IMN، وعرّف بنفسه مصطفى KK، لقناة الجزيرة إن خلافة مجتبى خامنئي «نعمة» و«درع أمام غطرسة أمريكا وعدوان إسرائيل». وأضاف: «يجسد مجتبى روح التحدي، ويضمن استمرار الجمهورية الإسلامية الإيرانية قوية في مواجهة الأعداء. بالنسبة لنا في الحركة الإسلامية بنيجيريا، قيادته مصدر فخر وأمل في النضال العالمي ضد الطغيان».
من جهته، وصف نالادو الإمام الجديد بأنه «مناسب ومؤهّل».
«خامنئي سيمضي، وخامنئي سيبقى» — هكذا عبّر، «من يقف مع إيران سيتنفّس الصعداء ويعلق آمالًا كبيرة، ومن يعاديها لن يهدأ باله. إرث الخميني وخامنئي مستمر».
في قاعة المسجد المزدحمة رفع بعض المشيّعين صور الخميني وعلي خامنئي وعلم إيران، ومع ارتفاع ترديد الهتافات كانوا يضربون صدورهم مرّات عدة مع الإيقاع، طقس رمزي ينقل الألم والتضامن.
مع أن الغالبية كانت من أتباع زكزكي، تردّد بعض الحاضرين في الإعلان عن انتمائهم إلى IMN نظرًا للتوصيفات الرسمية للحركة، مشيرين إلى أن تجمعهم كان لأسباب دينية وأخلاقية لا سياسية. ومع ذلك، عبر آخرون بصراحة عن غضبهم من دور الولايات المتحدة في الحرب على إيران ومن تعاون حكومة نيجيريا مع الجيش الأمريكي.
قال الطالب في الدراسات العليا وصاحب مزرعة، صلاح الدين يحيى الحسن، إن الضربات الأمريكية الإسرائيلية على المدارس والأماكن المدنية في إيران «عمل متهوّر وبربري». وأضاف: «أنا إنسان، وإنسانية الناس والمسلمبن قتلت بدم بارد. فليعالجوا مشاكل مواطنيهم، لا أن يثرّوا الدمار للمجتمع الدولي بأسره».