الهجمات الإسرائيلية على منشآت الوقود في إيران تهدف إلى «تقويض صمود السكان» | أزمة المناخ

شحنات قنابلية على مخازن وقود ومحطات لوجستية في طهران خلّفت صوراً شبيهة بنهاية العالم: نفط متسرب اشتعل ليشكل أنهاراً من النار، ودخان أسود كثيف يلف مدينة تعدّ عشرة ملايين نسمة، ما غطّى الشوارع والمركبات بطبقات من السخام.

اسرائيل والولايات المتحدة تقولان إن الاستهداف استهدف مواقع عسكرية وحكومية، لكن مسؤولين محليين وسكاناً أفادوا بأن منشآت مدنية مثل مدارس ومستشفيات ومعالم رئيسية باتت تتعرض للضرب بانتظام. وحسب الإحصاءات الرسمية أصبح عدد القتلى جراء هذه الضربات منذ 28 فبراير يصل إلى نحو ١٬٢٥٥ شخصاً.

ما يقدّمه مخططو العمليات الاسرائيلية والأميركية بوصفه إضعافاً مدروساً لبنية الدولة وقطعاً لبُنى لوجستية، يصفه مسؤولون محليون وخبراء بيئيون على أنه حرب شاملة وعقاب جماعي للمدنيين.

شينا أنصاري، رئيسة إدارة البيئة الإيرانية، اعتبرت التدمير المنهجي لمخازن النفط عملاً فاضحاً من أعمال الإبادة البيئية، محذّرة من أن ثمن هذا الاستهداف سيدفعه النظام والناس والبيئة على حد سواء.

الهجمات استهدفت بشكل متسلسل أربعة مرافق تخزين كبرى ومركز توزيع، شملت مصفاة طهران جنوب المدينة ومستودعات في مناطق أقدسيه، شهران، وكرج. في حي شهران أبلغ شهود عن تسرب نفط خام مباشرة إلى الشوارع، بينما كانت درجات الحرارة حول 13 درجة مئوية، ما سهّل انتشار الأبخرة والاشتعال.

أنصاري أكدت أن البيئة هي الضحية الصامتة للحرب: إحراق احتياطيات هائلة من الوقود حبَس العاصمة تحت ستار خانق من الملوثات، مع آثار صحية وبيئية سريعة وعميقة.

العواقب الطبية والبيئية فورية وخطيرة. الهلال الأحمر الإيراني حذّر من أن الدخان يحتوي على تراكيز عالية من هيدروكربونات سامة، وثاني أكسيد الكبريت، وأكاسيد النيتروجين. وأشار إلى أن أي أمطار تمر عبر هذه السحب تصبح حمضية بدرجة كبيرة، ما يعرض الجلد للحروق والرئتين لأضرار بالغة عند التلامس أو الاستنشاق.

يقرأ  مالك مانشستر يونايتد راتكليف ينجو من تهمة الاتحاد الإنجليزي بعد تصريح «مستعمَر»

علي جعفريان، نائب وزير الصحة الإيراني، قال للجزيرة إن هذه الأمطار الحمضية بدأت تلوّث التربة ومصادر المياه، وأن الهواء السام يشكّل خطراً مهدداً للحياة على المسنين والأطفال والمصابين بأمراض تنفسية سابقة، ما دفع السلطات إلى نصح السكان بالبقاء في المنازل.

الدمار أجبر وزارة النفط الإيرانية على تخفيض حصص الوقود اليومية للمدنيين من 30 لتراً إلى 20 لتراً، كما أسفرت الضربات على المستودعات عن مقتل أربعة موظفين على الأقل، بينهم سائقان لصهاريج وقود.

أسطورة القصف الاستراتيجي

اللواء المتقاعد مأمون أبو نوار رأى أن الهدف الأساسي من هذه الضربات يكمن في كسر صمود الشعب الإيراني وشلّ حركة اللوجستيات والاقتصاد، وقال إنهم “الجاهرون بتحضير بيئة إيرانية لثورة على النظام”، وإن الهدف الأوسع هو إيقاف عمل الدولة واحتواء تأثير طهران الإقليمي. وأضاف أبو نوار مخاوف عاجلة بشأن نوع المتفجرات المستخدمة، داعياً إلى فحص شظايا القنابل نظراً لكثافة الدخان غير المألوفة وهطول الأمطار الحمضية.

بعض الاستراتيجيين العسكريين يؤكدون أن ضرب البنى التحتية الحيوية لخصم ما قد يشل الدولة من الداخل من دون الحاجة إلى مواجهة قواته مباشرة. في الحروب الحديثة أصبح القصف الاستراتيجي عبر طائرات مسيرة وصواريخ دقيقة وسيلة منهجية لتدمير الروح المعنوية وإعاقة قدرة الخصم على مواصلة الحرب. بالنسبة لاسرائيل، التي تخوض حرباً بائسَة في غزة وصراعات إقليمية أوسع، يُنظر إلى استهداف مخازن النفط كوسيلة للضغط وإيصال رسالة إكراهية مع تجنّب حرب برية واسعة النطاق.

باحث في الشؤون الإسرائيلية مثل عادل شديد رأى أن الاستراتيجية تهدف إلى جعل الحياة مستحيلة على الإيرانيين العاديين على أمل إشعال انتفاضة، مشيراً إلى التناقض الفاضح في خطاب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي يعلن تأييده للشعب الإيراني في الوقت الذي يُشرف فيه على تدمير سبل عيشه الأساسية.

يقرأ  محكمة جنوب أفريقيا تقرّ: اعتداء شرطة نظام الفصل العنصري أدى إلى مقتل الحائز على جائزة نوبل

رافائيل إس. كوهين من مؤسسة راند يذكّر بأن حملات القصف من هذا النوع نادراً ما تحقق هدفها المتمثل بكسر إرادة السكان؛ بل غالباً ما تؤدي إلى تأثير “التفاف حول العلم” وتوحيد المجتمع في وجه عدو مشترك بدلاً من دفعه للاستسلام.

أصداء تاريخية وانتقام متبادل

التجربة التاريخية تُظهر أن استهداف البنية النفطية نادراً ما يتوافق مع النظريات العسكرية النظيفة، فهو يولّد تداعيات بيئية كارثية طويلة الأمد. في حرب الخليج 1991 تسبّب إحراق آبار النفط الكويتية بكارثة بيئية إقليمية، وخلال الصراع مع داعش في العراق أدى حرق حقول قيرّارة إلى ما وُصف بـ«شتاء داعش» حيث حجبت الأدخنة الشمس لشهور.

الحرائق أطلقَت مخلفات سامة بكميات ضخمة، بينها ثاني أكسيد الكبريت ومركبات أروماتية متعددة الحلقات، مسببة أمراضاً تنفسية حادة، حمضة التربة، ومخاطر مسرطنة طويلة الأمد للسكان المحليين.

مختار حدّاد مدير صحيفة الوفاق حذّر من أن استهداف عُقد الطاقة قد يشعل حرباً طاقية عالمية.

وبحسب تقارير من طهران، فقد ردّ الحرس الثوري الإسلامي بالفعل بضرب مصفاة نفط في حيفا واستهداف قاعدة أميركية في الكويت، ما دلّ على أن دائرة الاشتباك تجاوزت الأهداف العسكرية الضيقة. وفي أعقاب موجات من الضربات الإيرانية أعلنت شركة النفط البحرينية الحكومية “بابكو” حالة القوة القاهرة، واتُهمت طهران أيضاً بالمسؤولية عن استهداف منشآت طاقة في دول خليجية أخرى.

أضف تعليق