لأول مرة منذ غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، قفزت أسعار النفط هذا الأسبوع إلى ما فوق مئة دولار للبرميل، مدفوعةً بتصاعد حالة عدم اليقين في سوق الطاقة بعد اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل على ايران في 28 فبراير.
حوالي 20٪ من نفط العالم يُنتج في منطقة الخليج، وغالبية هذه الشحنات تمر عبر ناقلات عملاقة عبر مضيق هرمز. هذا الممر البحري الضيق، الذي يفصل بين إيران وسلطنة عُمان، يبلغ عرضه عند أضيق نقطة نحو 21 ميلاً بحرياً (39 كيلومتراً).
تمر عبر المضيق أكثر من 20 مليون برميل يومياً، أي ما يعادل خُمس الاستهلاك العالمي للبترول وما يوازي ربع النفط المتداول بحراً.
(الجزيرة)
وفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية، يسافر أكثر من ثلاثة أرباع إمدادات النفط العالمية (79.8 مليون برميل يومياً) عن طريق البحر، مروراً بعدد محدود من نقاط الاختناق الحيوية التي لا تملك بدائل عبور سهلة.
لماذا ترتفع أسعار النفط؟
منذ اندلاع الحرب مع ايران، تلاشى النشاط الملاحي في مضيق هرمز تقريباً. أدت الهجمات على السفن والتشويش على معدات الملاحة إلى أن يفضل معظم مشغلي السفن رسوّها على حافة الممر بدلاً من المخاطرة بالعبور. هذا الانقطاع في التدفق أدى إلى اضطراب حاد في سلاسل الإمداد العالمية. مع محدودية العرض وتصاعد الطلب، من المرجح أن تستمر الأسعار في الارتفاع مما يزيد الضغط على المستهلكين والشركات.
رغم هبوط الأسعار مؤقتاً يوم الاثنين بعد تصريحات للرئيس الأميركي السابقة دونالد ترامب بأن «الحرب مكتملة تقريباً»، حذر المحلّلون من أن المستويات المرتفعة قد تستمر إذا لم يُبرم اتفاق بين واشنطن وتل أبيب وطهران لوقف العمليات العسكرية.
«المسألة كلها تتعلق بالمخاطر»، قال إسماعييل جابييف، محلل سلاسل الإمداد في شركة CarbonChain، للجزيرة. «فكر بالمضيق والطائرات المسيرة الرخيصة. المشكلة ليست في حجْر مادي—إيران لم تبنِ سداً عبر البحر—بل في عامل الخطر. السلاح الرخيص سيبقى يمثل تهديداً حتى لو دُمِّرت مواقع الإطلاق لأن الإطلاقات الخفية قد تستمر لأشهر. ما دام القتال مستمراً، فالاضطراب مرشح لأن يطول. لا أرى أي تقدم حقيقي أو تسوية في الأفق».
أي الدول تعتمد أكثر على نفط الشرق الأوسط؟
نحو 89٪ من النفط الذي يمر عبر مضيق هرمز يتجه إلى الأسواق الآسيوية، وتتصدر كل من الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية قائمة المشترين. إذا بقيت الحركة مقيدة، سيضطر مصدرّو الخليج للبحث عن طرق بديلة، لكنها محدودة؛ فخط الأنابيب السعودي شرق–غرب وخط أنابيب أبوظبي (حبشان–الفجيرة) يوفران سعة مجتمعة تقارب 4.7 مليون برميل يومياً.
يمتد خط الأنابيب السعودي من حقول النفط الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، وهو من القنوات القليلة التي تتجاوز المضيق تماماً. ومع ذلك، من بين 7.2 مليون برميل يومياً صدرتها السعودية في فبراير، اعتمدت 6.38 مليون برميل يومياً على المرور عبر المضيق، وفق بيانات شركة Kpler لتحليلات التجارة العالمية.
قدّرت شركة Gavekal Research أن مصدّري الخليج، بمن فيهم إيران، قد يعيدون توجيه ما يصل إلى 3.5 مليون برميل إضافية يومياً إلى محطات خارج المضيق. لكن طالما بقيت الغالبية العظمى من حركة الناقلات معلّقة، ستواجه الأسواق عجزاً مفاجئاً في العرض يقدّر بنحو 15 مليون برميل يومياً.
«أنا متشكك إلى حد ما إزاء تلك البدائل»، قال جابييف للجزيرة. «نعم، هناك خط الشرق–غرب وأنبوب الفجيرة، لكن من ناحية السعة لا يقارنان بالطريق الرئيسي». وأضاف أن هناك أيضاً خط كركوك–جيهان من محافظات العراق الشمالية إلى تركيا لكنه يقتصر على إنتاج الحقول الشمالية. الإنتاج العراقي الكبير يأتي من الحقول الجنوبية، لذا فهو تعويض جزئي لا كامل.
ما أعلى سعر سجّله النفط في التاريخ؟
بلغت أسعار النفط ذروتها خلال الأزمة المالية العالمية؛ ففي 11 يوليو 2008 بلغ خام برنت، المعيار الأوروبي، 147.50 دولاراً للبرميل، فيما سجل خام غرب تكساس الوسيط ذروة قريبة عند 147.27 دولاراً. هذا القفز جاء نتيجة ضعف الدولار وتدفّق كبير للأموال المضارِبة أكثر منه انقطاعاً فعلياً في الإمداد.
عبر التاريخ، شهدت أسواق الطاقة صدمات حين تعطلت الإمدادات بالفعل، أبرزها حظر النفط عام 1973، وحرب إيران والعراق في الثمانينات، وحرب الخليج 1990–1991، والغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق عام 2003، وغزو روسيا لأوكرانيا عام 2022.
«أعتقد أن حرب الخليج 1990–1991 هي أبلغ مقارنة لنا»، قال جابييف. «العراق والكويت معاً كانا يمثلان منتجين كبيرين، وكان الاضطراب خطيراً وممتداً—نحو نصف سنة أو أكثر—رغم أن مرحلة العمليات العسكرية كانت قصيرة نسبياً». وتابع أن العالم شهد أسعار نفط مرتفعة لفترة ممتدة ثم واجه تباطؤاً اقتصادياً. «هذا ما يشبه وضعنا الحالي: اضطراب طويل الأمد محتمل، وأسعار مرتفعة مستمرة، وخطر حقيقي لحدوث تباطؤ اقتصادي. المتغير الحاسم، كما في 1990، هو سرعة استعادة الدول المتضررة بنيتها التحتية الإنتاجية وإعادة الإمداد إلى السوق».
كيف يتحول النفط الخام إلى بنزين؟
النفط الخام مادة هيدروكربونية داكنة تُضخ من باطن الأرض وتُكرّر لإنتاج وقود مثل البنزين والديزل ووقود الطائرات، إضافةً إلى عدد كبير من المواد المنزلية. يُصَنَّف النفط حسب كثافته ومحتوى الكبريت؛ فالخام الخفيف الحلو ذو الكبريت المنخفض سهل التكرير وأكثر قيمة. بعد الاستخراج يُرسل الخام إلى المصافي حيث تفصله الحرارة إلى منتجات مختلفة: المنتجات الأخف تتكثف عند درجات حرارة أدنى، بينما تتطلب المنتجات الأثقل، كالإسفلت، درجات حرارة أعلى بكثير.
يحتوي البرميل الواحد على 159 لتراً، أو 42 غالوناً. وبعد التكرير ينتج البرميل عادةً نحو 73 لتراً، أي حوالي 19.35 غالوناً من البنزين لتشغيل السيارات والشاحنات.
ما المنتجات المصنوعة من النفط والغاز؟
النفط والغاز ليسا مجرد مصدر للطاقة؛ بل هما مواد خام لآلاف السلع اليومية. البلاستيك — زجاجات المياه، تغليف الطعام، أغطية الهواتف، والمحاقن الطبية — كله مشتق من النفط الخام. كما يدخل الخام في صناعة الألياف الصناعية مثل البوليستر والنايلون والأكريليك، الموجودة في الملابس الرياضية والسجاد، ويشكّل الأساس لصناعة مستحضرات التجميل مثل الفازلين وأحمر الشفاه والكونسيلر.
تعتمد المنتجات المنزلية أيضاً على مشتقات النفط، كالمساحيق والمنظفات والسوائل وغالبية الدهانات. أما الإمداد الغذائي العالمي فبني في أساسه على الغاز الطبيعي المستخدم لإنتاج الأسمدة التي تزيد غلة المحاصيل وتضمن قدرة الإنتاج على تلبية الطلب.
كيف تؤدي تكلفة النفط المرتفعة إلى رفع أسعار الغذاء؟
تتقدم أسعار النفط وأسعار الغذاء معاً، فطاقة النقل تؤثر على كل مرحلة من سلسلة التوريد الغذائي — من الأسمدة المستخدم في الحقول إلى الشاحنات التي تنقل المحاصيل إلى رفوف المتاجر. ارتفاع أسعار النفط يؤثر مباشرة على تكاليف الشحن والنقل.
«قلب الاقتصاد العالمي هو النقل»، قال الاقتصادي ديفيد ماكويليامز للجزيرة. «المسألة هي نقل السلع من نقطة أ إلى نقطة ب. إنها مسألة لوجستية وسلسلة توريد؛ وفي النهاية، النقل هو الطاقة الحقيقية للاقتصاد العالمي».
تزداد المخاوف من الركود التضخمي — أي ارتفاع التضخم والبطالة معاً — وهو ما استدعته صدمات نفطية كبرى في الماضي. أشار الاقتصاديون إلى أزمات 1973 و1978 و2008 كدليل على أن كل قفزة ملموسة في أسعار النفط ترافقت لاحقاً، بشكل أو بآخر، مع تباطؤ عالمي. وفي البلدان منخفضة الدخل، حيث تنفق الأسر نسبة أكبر من دخلها على الغذاء وتعتمد بكثافة على استيراد الحبوب والأسمدة، قد تتحول زيادة أسعار النفط بسرعة إلى نقص غذائي حاد.