جولة الامتنان مع صاحب النيافة جويل م. كونزن

لمحة عامة

تجسِّد حياة المطران جويل ماثياس كونزن التزامًا طويل الأمد بالتعليم والإيمان، من خلال قيادة متواضعة أثرت في المدارس الكاثوليكية وكرّست نفسه لخدمة وإلهام الشباب.

نشأت في لكنيسة المشيخية، ولم تكن التعليمات الدينية المسيحية غريبة عنه؛ لكن لقاؤه لاحقًا مع تقاليد الماريست والكاثوليك فتح أمامه آفاقًا مهنية وروحية جديدة. في صيف 1982، وبعد عامٍ من التدريس في نظام مدارس مقاطعة ديكالب، اكتشف إعلانًا لوظيفة تدريس اللغة الإنجليزية في مدرسة الماريست بشمال أتلانتا. جذبته رسالة الأخوية الماريستية التي تهدف إلى “جعل يسوع معروفًا ومحبوبًا من خلال تعليم الشباب على مثال مريم”، فقدم طلبه مع تردد لكنه كان متحمسًا.

تواصله مع المطران كونزن —حين كان أبًا روحانيًا ومديرًا في المدرسة— بدأ بشفقة وثقة. أول لقاء بينهما هدأ مخاوفه سريعًا؛ عيناه الحانيتان وصوته الدافئ أزالا أي رهبة، وحولهما الحوارُ إلى احترام متبادل. خلال السنوات الثلاث التي قضاها في الماريست، كان المطران كونزن نموذجًا للرعاية والتواضع، أظهر كيف يكون القائد الخدوم والمعلّم المرافق للطلبة لا القاصي عنهم.

أذكر زيارتَيْن بارزتين: الأولى في ثمانينيات القرن الماضي، عندما توظفت لأول مرة، والثانية في 15 أكتوبر 2025، عندما التقيته في مقر أبرشية أتلانتا في سمرنا. رغم مرّ السنين وارتقائه إلى رتبة مطران، بقيت ملامحه وسلوكه ومبادئه كما هي — هادئة، محبّة، ومكرِّسة للآخرين. جئتُ معه ومعي زجاجة من غلين موراي سكووتش كعربون امتنان، فاستقبلني بابتسامة دافئة ودعانا للجلوس والحديث لساعات.

ولد جويل ماثياس كونزن في أوك هاربور بولاية أوهايو، الأصغر بين أخوين. كان والده صيدليًا وتزوج أمّه بعد أن فقدت زوجته الأولى للحياة، فكانت والدته، التي كانت معلمة قبل ولادة الأبناء، تؤمن بقيمة التعليم وتجعله جذابًا ومهمًا. منذ الصغر أحب دروس التعليم الديني واللقاءات التي كانت تعقدها الراهبات، وتذكر أنه تحدث مع قسيس رعيّته في نهاية الصف الثامن عن رغبته في أن يكون كاهنًا؛ مما أدى إلى إرساله إلى كليّة جوزيفينوم البابوية في كولومبوس أثناء دراسته الثانوية، حيث تخرّج عام 1968.

يقرأ  جولة داخل المعرض الاستعادي لويفريدو لامفي متحف الفن الحديث (موما)

شغفه بالأدب دفعه لنيل بكالوريوس في الأدب الإنجليزي من كلية سانت مينراد عام 1972، ثم انضم إلى جمعية مريم في واشنطن العاصمة، مظهرًا عطاءه الروحي بوعده الديني في 1975. بدأ مسيرته التعليمية في ثانوية سانت بيتر شانيل، حيث درّس الأدب واللاهوت، وتعلم دروسًا عملية عن إدارة المدرسة وتعدد المهام، من التدريس إلى إدارة مكتبة المدرسة ومرافقة أحد الإخوة الدينيين المسنّين.

واصل تحصيله الأكاديمي بحصوله على ماجستير في اللاهوت النظامي من الجامعة الكاثوليكية بأمريكا عام 1978، ثم ماجستير في اللاهوت الرسولي من مدرسة نوتر دام للاهوت في نيو أورليانز عام 1979، وبعدها رُسِم كاهنًا. خدم في مناصب رعوية وكنيسة وسجّانًا روحيًا قبل أن يعود إلى الماريست عام 1980 كمدير للقبول والمساعدات المالية، ومع ذلك استمرّ في التدريس، فتقدّمت له الإدارة بمنصب مدير المدرسة فيما بعد.

عندما تولى منصب مدير مدرسة الماريست عام 1982، لم يكن يدرك جميع تعقيدات القيادة، لكنه اتسم بالشغف لخلق فريقٍ تربوي متماسك. كان ناقدًا بنّاءً للمعايير والضوابط، ومعروفًا بصرامته في تطبيق اللوائح—وهو ما أثار اعتراضاتٍ أولية من طلبة الصفوف العليا—لكن حكمته وكونه لا يزال معلمًا داخل الصف جعلته قريبًا من الطلاب وملموسًا في حياتهم. ما ميّز قيادته كذلك رغبته في البقاء “في الخطوط الأمامية” عبر الاستمرار في التدريس، لأن ذلك منحه نبض المدرسة وفهمًا عمليًا للمشكلات التي يواجهها المعلمون.

تعلم المطران كونزن مع الوقت كيفية التعامل مع فروق التعلّم وضرورة توظيف المناهج بثراءٍ ومرونة، كما أدرك أهمية تشجيع الحياة المدرسية خارج حصص المنهج —المسرح، والموسيقى، والرياضة— لأن حضور القائد لهذه النشاطات كان يرفع من مشاركة الطلاب ويزيد ارتباطهم بالمدرسة. ونتيجة لذلك، وصفه معظم طلابه بأنه قيادي ذو غاية، مهتم بإنجازاتهم داخل وخارج الصف، ومتوفِّر دائمًا لهم.

يقرأ  جولة حول العالم بسترة «فلسطين حرة» — الصراع الإسرائيلي الفلسطيني

لم تكن مسيرته خالية من التحديات. في أواخر الثمانينيات واجه نموذج إدارة ثلاثيًّا فُرض عليه داخل المقاطعة الماريستية، وهو ما دفعه لمغادرة المدرسة مؤقتًا. خلال فترة غيابه أكمل دراسات عليا في إدارة التربية وخدم في مناصب إدارية رفيعة، ثم تولى مديرية مدرسة أخرى في أوستن بولاية تكساس قبل أن يعود إلى الماريست في 1999 في ظل هيكل قيادي أوضح وإشراف مباشر من رئيس المؤسسة. خدم بعدها بامتنانٍ وولاءٍ ثمانية عشر عامًا إضافية حتى نال في 2018 دعوةً استثنائية للانضمام إلى قيادة أبرشية أتلانتا كمطران مساعد ووكيل عام ومشرف إداري.

خارج نطاق عمله المباشر في مدرسة الماريست، كان له أثر واسع في التعليم الكاثوليكي: شارك في إطلاق برنامج Reach for Excellence المجاني، ولعب دورًا محوريًا في تأسيس أكاديمية نوتردام في دولوث ومدرسة كريستو ري آتلانتا اليسوعية، كما ساهم في تمويل مجمعٍ خدمي تعليمي وصحي خيري في غانا باسم بابا فرنسيس/مطران كونزن. رغم كونه شخصية محورية حصلت على جوائز واعترافات عدة —منها تكريم وزاري سابق وجوائز وطنية للإبداع في التعليم— ظل يُعرَف بتواضعه ورفضه للبحث عن الأضواء.

في جولته الشخصية لشكر مربين أثروا فيه، ذكر المطران عددًا من المعلمين الذين شكلوا مساره: معلمة الصف الثاني السيدة ماري إيبلينج، راهبة الدين في المرحلة المتوسطة الأخت ماري باتريشيا، أستاذ الأدب في الثانوية مونسيجنور ليونارد فيك، وأساتذته في الكلية، الذين جمعوا بين معرفة عميقة وقدرة على التواصل والتقرب من الطلاب.

نصيحته للمعلمين الناشئين عملية وواضحة: لا تكن انتقائيًا في أولى سنواتك، اقبل الفرص المختلفة واكتسب الخبرة منها، ودوّن تفضيلاتك لتتمكن من بناء مسار مهني صادق وواع. المعرفة الذاتية والصدق مع النفس تُعدّان مفتاحين للنجاح والرضا في حقل التعليم.

يقرأ  ريال مدريد يبقى صاحب أعلى إيرادات في كرة القدم — ليفربول يتخطى مانشستر يونايتد

يتحدث المطران كونزن أيضًا بوضوح عن تحديات المعلم المعاصر، لا سيما التوازن بين التعليم الحضوري والتعليم الافتراضي. يرى أن التعليم عبر الشاشات يُعطي بُعدًا ميكانيكيًا للتفاعل ويفتقر إلى دقّة التواصل الاجتماعي التي تُعدّ حاسمة في بناء المهارات الحياتية، كما يحذّر من أثر وسائل التواصل على اللغة والسرد المختصر الذي لا يهيِّئ الشباب للتواصل الفاعل. لذلك يحث المعلمين على إشعال رغبة القراءة لدى الطلاب ومواجهة تأثير التقنية على جودة التعلّم الدقيق والشامل.

انتهت زيارتي له بشعورٍ عميق بالامتنان ليس فقط لتأثيره عليّ شخصيًا أو على التعليم عموماً، بل لأنني قابلت قائدًا روحياً ذا خلقٍ رفيع. عاش حياة مكرسة للخدمة المتواضعة، مخلصًا لمهمته التربوية والروحية تحت اسم مريم. كان ذلك الظهور الأخير في مكتبه بالأبرشية تذكيرًا بأن القِيَم الحقيقية والاقتدار الهادئ قدما نموذجًا يحتذى به للجميع.

أضف تعليق