غزة — على زاوية شارع داخل سوق الرمال في مدينة غزة، يقف عبد الرحمن العوضي داخل خيمة صغيرة مصنوعة من القماش المشمع، أعدها كمحطة متنقّلة لشحن الهواتف المحمولة؛ مهنة ظهرت مع الحرب وأصبحت منذ ذلك الحين مصدر رزقه.
علق العوضي لوحاته فوق رفوف تزدحم بالهواتف ووحدات الشحن، ويتفحّص ضوء الشمس وكفاءة اللوح الشمسي المثبت فوق خيمته.
الشاب البالغ من العمر 25 عاماً، والخريج من كلية الفنون الجميلة بجامعة الأقصى قبل عامين من اندلاع الحرب، لم يتخيل يوماً أن ينتهي به المطاف واقفاً في الشارع، يتلقّى الهواتف واحداً تلو الآخر ليشحنها مقابل شيكل أو شيكلين.
قبل الحرب، كنت أعمل في الفنون الجميلة والتصميم الجرافيكي، وكنت أخطو خطواتي الأولى في عالم المعارض والإعلانات، يقول العوضي. أما اليوم، كما ترى، فأنا أعمل خلف «نقطة شحن» صغيرة قرب منزلي أحاول من خلالها تأمين الحد الادنى من الدخل للمعيشة.
قضيت أربع سنوات جامعية في الاستوديوهات، أعمل على مشاريع فنية ومعارض وحرف يدوية؛ كل ذلك تحوّل إلى ذكريات لا عودة إليها.
خلال الحرب نزح العوضي مع عائلته إلى جنوب غزة لمدة سنة ونصف. هناك حاول التمسّك ببعض خبرته في الفنون والتصميم، لكنه وجد نفسه مشتت الذهن. “حاولت أن ألجأ إلى يوتيوب لأتابع معارض وفنانين، وأن أنعش معارفي وأرسم وأخطّ، لكن كل ما حولي كان قصفاً ودماراً وخوفاً.”
علق ما تبقّى من أعماله داخل محطة الشحن التي أصبحت اليوم مصدر رزقه الأساسي.
اختفاء الأحلام
عند عودته إلى منزله في مدينة غزة، وجد أن رسوماته وأدواته اختفت. صار غرفته ملجأً لأقارب نازحين. “رسوماتي احترقت ودُمّرت في القصف القريب من منزلنا. أدواتي وألواني واستوديومي… كل شيء اختفى”، يقول.
أُجبر على التكيّف، فخلق مصدر دخل جديداً من لا شيء. “الناس يأتون لشحن هواتفهم. شيكل واحد لكل شحنة. حتى الشيكل صار من الصعب إيجاده لأن السيولة شبه منعدمة في البلاد.”
اقتصاد البقاء
تحوّل العوضي من فنان إلى مشارك في ما يُعرف بـ«اقتصاد البقاء» في غزة يبيّن واقعاً أوسع اختفت فيه المهن التقليدية وبرزت وظائف جديدة تشكّلها الحرب ونقص الموارد.
تدهور الوضع الاقتصادي في غزة بشدة منذ اندلاع الحرب، إذ أجبرت موجة الدمار والنزوح وانهيار الخدمات الأساسية حتى الخريجين المتمكنين على البحث عن أعمال مؤقتة ومرتجلة. ونتيجة نقص الفرص في مجالاتهم المتخصّصة، لجأ الكثيرون إلى أعمال صغيرة وبسيطة وغير رسمية—كشحن الهواتف، وبيع الطعام والمياه، أو تقديم خدمات ضرورية—لتأمين دخل يومي وإعالة العائلة.
يقول رامي الزايغ، باحث اقتصادي أجرى دراسة عن اقتصاد البقاء، إن هذه المهن المؤقتة أنقذت الكثيرين من حافة الموت المحقق بتوفير مستوى أدنى من الدخل وتلبية الاحتياجات الأساسية. “ما حصل أن الحرب رجعت المجتمع عقوداً إلى الوراء، وأعادت مهن كان يمارسها قلة، وفي المقابل خلقت أعمالاً لم تكن موجودة سابقاً في غزة.”
ويشير إلى أن طابع هذه الوظائف يكمن في بساطتها وندرة حاجتها إلى مهارات متخصّصة أو معدات متقدمة. “معظم هذا العمل يُنجز بأدوات بدائية جداً، ويقوم على استثمار أي مورد متاح من أجل البقاء.” ويضيف أن كثيراً من هذه الأعمال تَحمل قدراً من الابتكار—من طرق مبتكرة لشحن الأجهزة والبطاريات إلى آليات لتسجيل الناس على قوائم المساعدات.
غير أن هذه الوظائف ليست مستقرة أو دائمة؛ فهي متقطعة ومتغيرة باستمرار، تتشكّل وفق ظروف الحرب نفسها من قصف ونزوح متكرر وعدم استقرار، وتُعد من أصعب تبعات الصراع.
تعكس هذه التحولات انهيار البنية الاقتصادية في غزة. فبحسب أرقام نقلها الزايغ، تقلّص الناتج المحلي الإجمالي بنحو 85 في المئة، وارتفعت معدلات البطالة إلى نحو 80 في المئة، فيما يعيش شبه كامل السكان تحت خط الفقر. في ظل هذه الظروف لم يعد الانخراط في سوق العمل العَرَضي والمُهَتَّكِ شرطاً لفئة محددة، بل امتد ليشمل كافة شرائح المجتمع.
“الجميع صاروا جزءاً من هذا الاقتصاد — رجالاً ونساءً، أطفالاً وبالغين، طلاباً وخريجين، حتى أصحاب الشهادات العليا — دفعهم إلى ذلك الضغوط والحاجة الشديدة”، يقول الزايغ. وأضاف: “ظهرت هذه الأعمال كرد فعل استثنائي ومؤقت في الحياة الفلسطينية، لكنها تطورت مع استمرار الحرب وقد تبقى ما لم تنتهي الأسباب التي خلقتها وتعود الاستقرار.”
“الحياة هنا لا ترحم”
مصطفى بلبول، حامل شهادة في إدارة الأعمال، يدير الآن كشكاً صغيراً لبيع الذرة المسلوقة في سوق الرمال إلى جانب شقيقه. مصطفى الذي كان يعمل لدى شركة محلية تمتلكها عائلة قبل الحرب فقد كل ما بناه مهنياً. نازح من الشجاعية شرق مدينة غزة، يقيم مع زوجته وثلاثة أطفال في خيمة قرب السوق.
“فقدت كل شيء في الحرب… منزلي، عملي، مهنتي. كما ترى فقدت هويتي الشخصية والأكاديمية”، يقول مصطفى وهو يسكب الذرة في أكواب الزبائن. “الحياة هنا قاسية بلا رحمة. وبما أن علي مسؤولية رعاية أطفالي وأسرتي، كان علي أن أعمل في أي عمل متاح.”
ويضيف أن فرص العمل في مجال إدارة الأعمال تلاشت تقريباً في غزة. “الشركة التي كنت أعمل فيها دُمّرت ومخازنها احترقت أيضاً. أصبحت الآن خارج ‘الخط الأصفر'”، في إشارة إلى المناطق الخاضعة لسيطرة القوات الإسرائيلية. وليس هذا الوحيد؛ فقد دمرت آلاف الشركات الخاصة أثناء الحرب.
انهيارٌ تامٌ للاقتصاد. من يجد أي فرصة، حتى وإن لم تكن مناسبة له، يغتنمها فورًا.
حتى تجارة الذرة صارت عملًا هشًا. كانت الذرة تنعدم بين فترة وأخرى في غزة، جنبًا إلى جنب مع كثير من المواد الغذائية الأخرى، لا سيما خلال فترات المجاعة الناتجة عن قيود إسرائيل على الواردات.
“نحاول أن نتقبّل الواقع قدر المستطاع، لكن الأمور تتقلب بطريقة مرعبة”، قال، موصِفًا صعوبة تأمين ليس الذرة فحسب بل أيضًا غاز الطهي، الذي أضطر مؤخرًا إلى استبداله بالفحم والحطب.
“كل شيء صار غاليًا للغاية، وتراجعت القوة الشرائية للناس بشكل كبير”، أضاف مشيرًا إلى الفوضه في أسعار السوق وسط النواقص.
وبالرغم من كل شيء، يواصل مصطفي الكفاح للحفاظ على توازن هش بين البقاء والكرامة.
“آمل أن أعود يومًا إلى عملي السابق في إدارة الأعمال… إلى ثيابي الأنيقة، وإلى مكتبي، وإلى حياتي القديمة… وأن تتحسن الأحوال ولو قليلًا. الجميع هنا منهك ومرهق من ضغوط الحياة.”