ربما لا تكون رحيل محمد صلاح عن ليفربول مفاجأة كروية من الطراز الأول، لكنها تثير أسئلة كثيرة حول مستقبل أحد أشهر لاعبي الدوري الإنجليزي — وبلا شك أفضل لاعب أفريقي في جيله.
صعد النجم المصري إلى قمة كرة الأندية مع الريدز، نادي كان نائماً قبل أن يتحول صلاح إلى نجم قيادي يقود الفريق لتحقيق لقبين في الدوري الممتاز ودوري أبطال أوروبا، ما عزّز مكانته عالمياً.
الخلاف العلني هذا الموسم مع المدير الفني آرنه سلووت وما تلاها من إصلاح علني وعودة بعد عزلة فرضها النادي إثر انتقاده لإدارة الموسم، جعل نهاية مسيرته في انفيلد أمراً لا مفر منه. تتناول تغطية “الجزيرة سبورت” الخيارات المتاحة أمام اللاعب (33 عاماً) والإلهامات الممكنة لمشواره المقبل، وهل نكون أمام نهاية عهد الملك المصري أم لا.
نهاية حقبة في الدوري الإنجليزي
الاستمرار في الدوري الإنجليزي مع نادٍ آخر يبدو مستبعداً لأسباب متعددة، رغم أن أرقام صلاح توحي بأنه قادر على مواصلة الأداء في أقوى دوري في العالم. المشاعر والولاء سيشكلان جزءاً أساسياً من قرار اللاعب؛ ورسالة الوداع التي وجهها لجماهير ليفربول عند إعلان رحيله تؤكد صعوبة الانتقال لخصم محلي.
قليل من أندية البريميرليغ فقط قادرة مالياً على ضم صلاح — وغالبها الأندية المتنافسة على مراكز التأهل لدوري الأبطال. استُبعد فوراً أرسنال ومانشستر سيتي ومانشستر يونايتد، والأخير لأسباب تتعلق بالتنافس التاريخي مع ليفربول، ليس مجرد منافسة على المراكز. نيوكاسل، آستون فيلا وتوتنهام قد تُنظر إليهم كخيارات قابلة، لكن عروضهم المالية ستكون محدودة إن لم يرغبوا في المساس بهياكل رواتبهم. إجمالاً، استقدام اللاعب بحزمة مالية تنافس عروض الشرق الأوسط أو الولايات المتحدة سيتجاوز قدرة كثير من الأندية الإنجليزية.
هل ستتجدد محاولات الدوري السعودي؟
الخيار الأوضح والأكثر ترجيحاً هو الانتقال إلى الدوري السعودي. عندما تفجّر الخلاف بين صلاح وناديه هذا الموسم لم تتأخر الأندية السعودية في عرض أحضانها. بعد تعاقدات ضخمة مع أسماء عالمية مثل كريستيانو رونالدو ونيمار، وفي ظل فشل ضم ميسي، فإن التعاقد مع أعظم لاعب عربي ظهر في الدوريات الكبرى سيعد إضافة كبرى للدوري والإنجازات التي سعى لها.
الانتقال إلى السعودية طُرِح كاحتمال منذ زمن قبل اضطرابات هذا الموسم، ومع خروج صلاح من أوروبا فإن التوجّه إلى المنطقة كان يبدو مساراً طبيعياً. سرعتُه في الرحيل عن ليفربول مع تصاعد التوترات كانت العامل الصادم الوحيد.
هل يطرأ تدخل من الدوري الأمريكي (MLS)؟
الخيار الآخر المرجح هو الانتقال للدوري الأمريكي. من ديفيد بيكهام إلى ليونيل ميسي، سعى الدوري الأمريكي منذ وقت طويل إلى بناء اسمه على نجوم عالميين، ولا يزال يرى في استقطاب أسماء لامعة طريقاً لتعزيز علامته العالمية. خطف صلاح من أمام أنظار الأندية السعودية ممكن، لكنه سيكون إنجازاً هائلاً.
ضم أفضل لاعب أفريقي وعربي إلى البطولة الأمريكية سيشكل ضربة قوية في المنافسة بين أقوى دوريين خارج أوروبا من حيث العطاءات المالية. لو حركت الـMLS ملف صلاح فسيركز بلا شك على حالة عدم اليقين في الشرق الأوسط كميزة تفاوضية، إلى جانب الإغراءات الحياتية لعائلته وفرص الترويج التجاري واللمعان الإعلامي الذي قد يوفره الانتقال إلى الولايات المتحدة، كما حصل مع ميسي وبصمة بيكهام وملكية إنتر ميامي.
هل يبقى في أوروبا؟ إسبانيا، إيطاليا، فرنسا أو ألمانيا
لا شك أن أرقام صلاح ستجعل بعض الأندية الأوروبية الكبرى تنظر إليه باهتمام؛ في بطولات القارة الأخرى قد يجد اللاعب مجالاً للتميز مجدداً. لكن ارتفاع الأجور سيحد من دائرة المرشحين. باريس سان جيرمان وبايرن ميونيخ قد يكونان قادرين مالياً، أما في إسبانيا فربما يقتصر الأمر على ريال مدريد أو برشلونة، وبقيّة الأندية الإسبانية أو الإيطالية سيكون من الصعب عليها منافسة العروض من السعودية أو الولايات المتحدة.
التعاقد لمدة عامين مع لاعب ما زال في قمة مستواه قد يطرح نفسه كخيار معقول لبعض الأندية، لكن يبدو أقل احتمالاً مقارنة بالعروض الضخمة المحتملة من الخارج.
هل تكون هذه النهاية أم بداية جديدة مع المنتخب؟
رغم أن أيام صلاح في أقوى دوري عالمي تبدو قاب قوسين أو أدنى من الانتهاء، لا يعني ذلك بالضرورة إغلاق باب الإنجازات. ربما لن يعيد تحقيق أمجاد الأندية السابقة بنفس الاندفاع، لكن لا يريد صلاح أن ينطفئ نجمه بهذه الطريقة؛ وهناك ملفات خاصة قد تبقى تحركه، أبرزها طموحات المنتخب المصري في كأس العالم وكأس أمم إفريقيا. وحتى لو كان أي مسار جديد خطوة هبوطية بالمقارنة مع قمة أوروبا، فقد يقرّر أن يختم فصول مسيرته بطريقة مختلفة، مستثمراً مكانته وتأثيره على المستويين الرياضي والشخصي.
خلاصةً، قرار الرحيل عن ليفربول يفتح أمام صلاح آفاقاً متعددة: السعودية والولايات المتحدة هما الأكثر ترجيحاً من حيث الأجور والأثر التسويقي، بينما تبقى بقايا فرص أوروبية ممكنة لكنها أقل قابلية للتطبيق. أينما انتهى المطاف، من المرجح أن يكون انتقالاً يضع نهاية لعهد من النجاحات الأوروبية ويفتح فصلاً جديداً، سواء على صعيد الأندية أو في سعيه المتواصل لإضافة إنجاز دولي مع مصر. فقط ريال مدريد وبرشلونة كانا قادرين على منح المهاجم نفس درجة الانكشاف والظهور على مستوى الأندية.
هناك قضيتان كبيرتان—إحداهما رغبة ملحّة جداً—ستبقيان دافعًا لسلاح محمد صلاح.
ولو أنصارّه يقدّونه، وبحق، كملكٍ مصريّ في وطنه وكأعظم لاعبٍ أفريقي في أعين جمهور القارة، فإن صلاح لم يُقْدِ مصر إلى مجدٍ دولي بعد—وخاصة في بطولة الأمم الأفريقية.
أُقصِيَت مصر في نصف النهائي في النسخة الأخيرة أمام السنغال في يناير. تكهّن الكثيرون حينها بأن فرصة صلاح الأخيرة للفوز بكأس الأمم قد تكون قد مراّت.
قد يُطيل التراجع في مستوى الأندية من عمره الدولي، ومع وجود نسخة أخرى من كأس الأمم في 2027، فمن المؤكد أن المهاجم لم يتخلّ عن حلم نيل الأغلى على مستوى القارة—اللقب الذي رفعت مصر بسببه الكأس سبع مرات، رقم قياسي.
لكن أمامهم أولاً كأس العالم 2026. بعد الإخراج من كأس الأمم قال المدير الفني إنّه يأمل أن تُحوّل هذه الآلام إلى وقودٍ لمجدٍ أعظم.
قال حسام حسن عن خسارة 1-0 أمام السنغال: «كانت تحضيرًا جيدًا لنا، جرّبنا عدّة أنظمة لعب خلال البطولة ولعبنا ضدّ أنواع مختلفة من المنافسين. اقتربنا من النهائي، لكن هذه كرة القدم. أنا راضٍ عما حدث وما حققناه. لدينا فريق جيد.»
أثبتت المغرب في قطر 2022 ما يمكن أن تحققه بلادٌ أفريقية حين بلغت نصف نهائي كأس العالم للمرة الأولى في التاريخ.
لن يرضى المنتخب المصري بأهداف أدنى من نقل سطوة ألقاب الأمم إلى المسرح العالمي—وتخطّي إنجاز أسود الأطلس في قطر سيكون هدفاً يسبق كل الاعتبارات بالنسبة للدول الأفريقية في المستقبل القريب.
وبجانب الرغبة في التتويج بكأس الأمم، سيكون الختام بمشاركة مشرفة في أكبر محفل كروي في العالم خاتمةً أنسب لمسيرةٍ مُثقلةٍ بالجوائز والكؤوس من أن ينتهي الأمر بخلافٍ مع النادي الذي يُحبه، أو بخروجٍ من الباب الخلفي إلى الساحة المحلية الساحرة المستديره.