قبر شمّون، لبنان — في أحضان تلال جبل لبنان على بعد نحو ساعة من بيروت، تحوّلت مدرسة إلى ملجأ لعائلات نازحة من جنوب البلاد جرّاء الغارات الإسرائيلية.
كانت الساحة المدرسية تعجّ بالطلاب سابقًا، أما الآن فصارت ميدانًا لتوزيع المساعدات؛ الألعاب الفارغة — زحاليق ومراجيح — تنتظر، والملابس معلّقة بين نوافذ الفصول. داخل الصفوف دُفعت الطاولات جانبًا لتفسح المجال للمراتب حيث نامت العائلات مؤقتًا.
“الأمر صعب جدًا”، قال أيمن مالّي وهو يمسك يد ابنه جاد البالغ خمس سنوات. “لكن عليّ أن أتحمّل لأجل العائلة.” هرب مالّي مع زوجته وخمسة أطفال من حَبّوش قرب مدينة صور بعد أن باشرت إسرائيل قصف لبنان في الثاني من مارس، بعد يومين من شنها ما وصفته حربًا مشتركة مع الولايات المتحدة ضد إيران.
“ننتظر”، قال مالّي عندما سُئل عمّا ينتظرهم في الأسابيع المقبلة. كرّرها: “ننتظر. ربما ينتهي كل شيء يومًا ما ونعود إلى بيوتنا … إذا استطعنا العودة. ليس لدينا خيار آخر.”
كانت هناك ضربات حولنا
في أرجاء لبنان تمتلئ المدارس والمباني العامة والملاجئ المؤقتة بالعائلات الفارّة من جولة العنف الأخيرة. في أواخر نوفمبر 2024 دخل وقف لإطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله حيز التنفيذ بعد أكثر من عام من تبادل الهجمات والاشتباكات، لكن الأمم المتحدة وثّقت تجاوزات متكررة للاتفاقية بما يزيد على عشرة آلاف انتهاك.
في الأسابيع الأخيرة كثّفت إسرائيل ضرباتها وشرعت في غزو بري للجنوب، بعد أن شنّ حزب الله المدعوم من إيران هجومًا ردًا على مقتل المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي في غارة جوية نسبت إليها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير.
تقول السلطات اللبنانية إن الهجمات الأخيرة خلفت أكثر من 1300 قتيل بينهم نحو 120 طفلًا، وأن أكثر من 1.1 مليون شخص اضطروا للنزوح بسبب تهديدات الإجلاء والضربات الجوية التي دفعت السكان شمالًا.
“كان هناك قصف حولنا”، تذكّر بلال حسين (42 عامًا) الطباخ الذي فرّ مع زوجته وأطفاله من صور في الساعات الأولى من القصف. دامَت الرحلة شمالًا يومين، قضيا الجزء الأكبر منهما في زحام السير بينما نامت العائلة في السيارة، وقال بلال: “لم أنم يومين”.
حاولوا اللجوء إلى أربع أو خمس ملاجئ فكانت جميعها ممتلئة. “نريد العودة إلى بيوتنا، إلى مدينتنا. هذا مكاننا.”
الواقع للعائلات النازحة
تتكرر مشاهد قبر شمّون في مناطق أخرى من البلاد، مع وصول عائلات إلى الجبال تُرفض عند أبواب الملاجئ المزدحمة. قالت منظمة “أكشن أغينست هنجر” لقناة الجزيرة إن أكثر من 400 شخص رُفضوا عند مدرسة قبر شمّون لامتلائها، وإنّها تدعم أكثر من 43 ألف نازح في 247 ملجأ جماعيًا.
“رغم جهودنا وجهود المجتمع الإنساني، لا تزال هناك فجوات كبيرة”، قالت سوزان تاكنبرغ مديرة المنظمة في الإقليم. وأضافت أن كثيرين ما زالوا يعيشون في ملاجئ غير رسمية أو في الشوارع، وأن تراجع التمويل الإنساني يحدّ من قدرة الاستجابة ويترك احتياجات حيوية دون تلبية ويعرض الأرواح للخطر.
تتدهور ظروف بعض الملاجئ: تسرب المياه من الأسقف والجدران في مبانٍ عدة، والأطفال يعانون أمراضًا معوية والتهابات عينية. وفي أماكن أخرى تعجز العائلات عن تنظيف الزجاجات والأواني بشكل سليم، ما يؤدي إلى حالات إسهال وقيء بين الرضع. “هذه ليست حالات معزولة؛ إنها واقع العائلات النازحة في كل أنحاء البلاد”، تقول تاكنبرغ.
الأكثر ضعفًا — الأطفال وكبار السن وذوو الإعاقة — هم الأكثر تضررًا. واحد من كل خمسة نازحين طفل، ومع ذلك تظل الظروف بعيدة عن تلبية احتياجاتهم الأساسية أو ضمان سلامتهم.
أثر البنية التحتية
أوضحت المجموعة أن تضرّر البنى التحتية الحيوية، خصوصًا الجسور وطرق العبور على نهر الليطاني، يزيد من عزل جنوب لبنان ويعيق خروج مزيد من العائلات. كما أن أضرارًا في الأراضي الزراعية وطرق الإمداد بدأت تؤثر في الإنتاج الغذائي والوصول إلى الغذاء، ما يثير قلقًا بشأن أمن غذائي طويل الأمد.
تصريحات لمسؤولين إسرائيليين تشير كذلك إلى نوايا لإقامة تواجد أمني طويل أو احتلال كامل للجنوب، ما يجعل الكثير من العائلات تتساءل إن كان لها أي فرصة للعودة إلى بيوتها.
ليس الشئ المادي الذي يقلق محمد المصطفى بائع الحلوى من صور والمقيم أيضًا في قبر شمّون، بل الذكريات: “عشنا في ذلك البيت 40 عامًا. الصور القديمة، حياتنا.” ثم أضاف بصوت مرتجف: “نأمل أن أن نعود ونجدها.”