رفض إقامة مركز نزوح في منطقة بيروتية يزيد المخاوف الطائفية؛ إسرائيل تشن غارات على لبنان

بيروت، لبنان — في أواخر مارس أُلغي مشروع حكومي لإنشاء مركز لإيواء النازحين في حي القِرنطينة بعد احتجاج شعبي واسع. اعترض عدد من السياسيين والمحتجين على إقامة المركز لأسباب عدة، من بينها ازدياد الأزمات المرورية حول مرفأ بيروت ومخاوف صحية. كما طفت دواعٍ طائفية على السطح، إذ قاد جزء من السكان المسيحيين في القرنتينة الاعتراض على استقبال النازحين الغالبية منهم من الشيعة، مستدلين بمبررات ديموغرافية وشعارات طائفية تذكّر بلغة الحرب الأهلية اللبنانية (1975–1990).

مصدر كبير للتوتّر هو استهداف إسرائيل للنّازحين اللبنانيين، ما جعل كثيرين يخشون أن استضافة أبناء وطنهم قد تجلب مزيداً من الخطر إلى منازلهم وعائلاتهم. كما عمّت انقسامات حادة داخل لبنان بشأن الحرب؛ فأنصار حزب الله، الجماعة الشيعية المسلحة التي تقاتل إسرائيل، يؤكدون أنها تجنّبت الحرب لمدة خمسة عشر شهراً رغم انتهاكات إسرائيل المتكررة لوقف النار في نوفمبر 2024، بينما يتّهمها خصومها بأنها منحَت إسرائيل ذريعة للغزو بعد هجمات شنّها الحزب على إسرائيل في الثاني من مارس، ما أدّى إلى نزوح 1.2 مليون شخص.

مع تفاقم الحرب الإسرائيلية على لبنان وتصاعد الخلافات الداخلية، يخشى البعض أن تدفع العنف اللبنانيين نحو مواجهة واسعة أو حتى حرب أهلية، رغم بدء هدنةٍ مدتها عشرة أيام.

الخوف والتمييز

في الثاني من مارس كثّفت إسرائيل حربها على لبنان للمرة الثانية خلال أقل من عامين. وبعد أكثر من عام دون ردّ على هجمات إسرائيل المستمرة، أطلق حزب الله صواريخ عبر الحدود بعد مقتل المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، وفق ما أوردته أوساط متعلقة باندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير. سارعت إسرائيل فغزت قواتها الحدود وهدّمت بلدات بأكملها؛ دُمّرت مناطق في الجنوب والبقاع وضواحي بيروت بقصف جوي وطائرات مسيرة وهجمات من سفن حربية إسرائيلية.

يقرأ  انقسام الائتلاف الحاكم يثير الشكوك حول ترشح تاكايتشي لتصبح أول رئيسة وزراء في اليابان

وترافق استمرار الحرب مع مخاوف من إعادة فتح جراح قديمة؛ لذا كان لقرار الغاء مركز الإيواء المقترح في القرنطينة دلالة خاصة بالنظر إلى تاريخ الحي خلال الحرب الأهلية. قبل اندلاع الحرب، كانت القرنطينة، نسبةً إلى الكلمة الفرنسية «Quarantaine»، من أفقر أحياء بيروت، وتضمّ مزيجاً من المجتمعات: مسيحيين وسنّة، وعمالاً أرمنًا وكردًا وسوريين ومصريين، إضافة إلى وافدين من جنوب لبنان وسهل البقاع الذين جاؤوا إلى العاصمة بحثاً عن عمل.

في بدايات الحرب شنّت حركة الكتائب اليمنية حملة لطرد التجمعات المسلمة من الحي، انتهت بمجزرة القرنطينة عام 1976. تقول ديالا لطيف، باحثة في مركز مارغريت أنستي للدراسات العالمية وتعمل على كتاب عن القرنطينة، إن عدد الضحايا الدقيق لا يزال مجهولاً لكنه يُقدّر بين ألف إلى ثلاثة آلاف ضحية، فيما نُفي كثيرون ممن نجوا إلى مناطق أصبحت تعرف خلال الحرب ببيروت الغربية ذات الغالبية المسلمة.

مصادر مطلعة على مركز الإيواء المخطط له، بينها عامل إغاثة في منظمة دولية تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته، قالت إن الجدل حوله كان جزءاً من حملة انطلقت على منصات التواصل الاجتماعي ثم التقطتها وسائل الإعلام اللبنانية وأحزاب سياسية مسيحية يمينية. الخطاب الموجّه حالياً إلى النازحين في القرنتينة، بحسب لطيف، يعيد إلى الذاكرة منطق الحرب الأهلية: «المنطق الأساس الذي يدفع إلى فصل المناطق هو نفسه الذي حمّس لمجزرة القرنتينة. من اللافت كيف أن هذه القوى اليمينية تُبرز النازِر كخطر حينما كانوا هم الخطر الحقيقي؛ هم من قتل وشرد الناس، وليس العكس. وهذا يعيد ذلك الصدام النفسي والtrauma من تلك الحقبة.»

قسّمَت الحرب الأهلية المجتمعات فيما بينها، وكل طرف ارتكب مآسي وتعرّض لمآسٍ. اليوم تسكن القرنطينة في الغالب مواطنون لبنانيون من المؤمنين بالمسيحية والسنّة، لكن أثر مآسي الحرب لا يزال حاضراً في الذاكرة الجماعية.

يقرأ  سوريا تحدد أكتوبر موعدًا لأول انتخابات منذ سقوط الأسد — أخبار حرب سوريا

تعقّد المشهد أيضاً ارتباط كثيرين في لبنان بين النازحين القادمين من الجنوب وضواحي بيروت الجنوبية وبين حزب الله. وعلى الرغم من أن تأييد الحزب ليس مطلقاً بين كل الشيعة، إلا أن الحزب يستمد أغلبية دعمه من تلك الطائفة، وغالباً ما تزعم حركة أمل وحزب الله أنهما الممثلان الشرعيان الوحيدان للشيعة في لبنان. كما تقول لارا ديب، عالمة الإنسان في كلية سكرِبز في كليرمونت، كاليفورنيا: «النظام السياسي الطائفي في لبنان يسهّل ذلك الربط بين الانتماء الطائفي والحزب السياسي، وخطاب الطائفية موجود عند كل الأحزاب تقريباً، وليس لدى حزب الله فقط. المشكلة أن كثيرين لا يفصلون بين الحزب السياسي والفرد، فيختلط الأمر وتندمج الهويات».

بعضهم يستقبلونهم

أفادت وحدة إدارة مخاطر الكوارث التابعة لمكتب رئاسة الحكومة لوسائل الإعلام المحلية أن موقع مركز الإيواء كان يُجهّز احترازياً لكن لم تكن هناك خطط لتشغيله فعلياً. وعلى مسافة غير بعيدة يقع مركز آخر للإيواء في ذات حي القرنتينة، استقبل نحو ألف نازح من جنوب لبنان وضواحي بيروت الجنوبية وسهول البقاع.

في الموقع، لعب الأطفال كرة القدم بينما جلس الكبار على كراسي بلاستيكية حول المكان وتبادلوا الأحاديث. يدير هذا المركز جمعية لبنانية خيرية تُدعى «أوفر جوا» وافتُتِح في 2024 لاستقبال مجموعة من النازحين الذين كانوا ينامون في خيام وسط بيروت. ومع تجدد الحرب في 2026 عاد كثيرون منهم ثانية. قالت ماري داو، متطوعة مع الجمعية، إن المركز لم يواجه مشاكل مع المجتمع المحلي، وأن بعض النازحين يشاركون الجمعية في إدارة شؤونهم بأنفسهم. قال دعو إن الجمعية الخيرية تعرف هويات جميع النازحين، وأن الأجهزة الأمنية تراقب بيانات المركز عن كثب للتأكد من معرفة من يتواجد في الموقع.

وأضاف أن المركز يوفر كميات كافية من الماء الساخن ويُقدَّم لسكانه طعامٌ لائق، وهو أفضل من كثير من المراكز في بيروت وبقية أنحاء البلاد. وفي بعض تلك الأماكن كانت الظروف قاسية إلى حد اضطر معه النازحون للعودة إلى منازلهم في مناطق تخضع لأوامر إخلاء شاملة من الجيش الإسرائيلي، لكن في مركز «Offre Joie» لم يغادر أحد رغم مرور أكثر من أربعين يوماً على النزوح والحرب.

يقرأ  قسّ أوكراني يشارك رؤى عن الحرب — أمل في السلام

خارج مكتب دعو، كانت نادين (30 عاماً) تجمع مجموعة من الأطفال. نزحت في الثاني من مارس من منزلها في برج البراجنة بضواحي بيروت الجنوبية، وجاءت إلى المركز في القرنتينا برفقة خمسة من أشقائها. قالت إنها ترغب في العودة إلى بيتها، لكن إن طال أمد الحرب فستكون خياراتها محدودة.

«الان، باقون هنا. لا يمكنكِ العودة إلى هناك لأن هناك خطرًا، لكن في الوقت نفسه، بطبيعة الحال، لا مكان آمن. بعض الأماكن أفضل من غيرها. سنصبر. سنصمد.»

أضف تعليق