أستراليا تتسارع لتأمين إمدادات الطاقة وسط غموض متزايد إثر الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران

ملبورن ـ أستراليا: حملة إعلانية بملايين الدولارات تدعو السكان إلى ترشيد استعمال الوقود «من أجل سائقي الشاحنات» هي إحدى خطوات الحكومة لمعالجة نقص الإمدادات الناجم عن الحرب على إيران.

منذ أوائل مارس، أصبح مضيق هرمز، الذي تمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في أوقات السلم، عمليًا مغلقًا، وتراجع حجم الملاحة البحرية بنحو 95%.

الخلفية الاقتصادية
تعتمد أستراليا بشكل كبير على النفط المكرر في دول جنوب شرقي آسيا التي تستورد بدورها الخام عبر مضيق هرمز. ولذلك اتجهت الحكومة إلى ما يُسمى «دبلوماسية الوقود» وتخفيضات ضريبية على البنزين لمحاولة تخفيف صدمات الأسعار قصيرة الأمد.

ثغرات استراتيجية
يستورد البلد حوالى 80% من احتياجاته من المشتقات المكررة، ومعظمها يأتي من مراكز تكرير إقليمية مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية وماليزيا التي تعتمد على واردات خام من الشرق الأوسط، بحسب حسين ضياء، أستاذ تكنولوجيا النقل والاستدامة في جامعة سوينبرن للتكنولوجيا في ملبورن. وأضاف أن الاعتماد على سلاسل توريد طويلة يجعل أستراليا عرضة بنيوياً للاضطرابات.

السياسة والدبلوماسية
في محاولة لسد الفجوة، لجأ رئيس الوزراء أنتوني ألبانيز إلى زيارات لسنغافورة وماليزيا وبروناي لتثبيت إمدادات الوقود والأسمدة. وبصفته مصدراً كبيراً للغاز الطبيعي المسال والفحم، تملك أستراليا بعض النفوذ في هذه المفاوضات، كما يقول تيم باكلي، مدير مركز تمويل الطاقة والمناخ.

لكن باكلي يشير أيضاً إلى أن موقع أستراليا مختلف جذريًا عن حليفها التاريخي، الولايات المتحدة، التي لا تعتمد بنفس الدرجة على النفط المار عبر مضيق هرمز. «لا نأخذ نفطنا من أمريكا»، قال باكلي، وأضاف أنه لا ينبغي الاعتماد على التحالف مع الولايات المتحدة لتخطي هذه الأزمة: «أمريكا بدأت الحرب. أمريكا لم تكن لديها خطة».

حلول قصيرة الأجل
داخليًا، خفّضت حكومة ألبانيز ضريبة فيدرالية على الوقود إلى نصفها في محاولة للتخفيف عن المستهلكين من وطأة ارتفاع أسعار البنزين. لكن الخبراء يقولون إن هذه الإجراءات لا تعدو كونها «مسكنات» قد تزيد الاعتماد على الوقود الأحفوري بدلاً من معالجة الاختلالات الهيكلية على المدى الطويل. كما وصف كيتان جوشي، باحث مستقل في معهد أستراليا، هذه السياسة بأنها قد تكون «عكسية» لأنها تدعم السلعة نفسها التي تسبب الألم الاقتصادي.

يقرأ  نمر طليق يروع سكان وسط المكسيك بعد فيضانات عنيفة

الانتقال والطاقة المتجددة
رغم وعود حكومة العمل بأن تجعل أستراليا «قوة عظمى في الطاقة المتجددة» بعد حرائق الغابات المدمرة 2019–2020، لا تزال مبيعات السيارات الكهربائية محدودة نسبياً بنحو 10% مقارنة بأسواق مثل الصين. ويظل نظام النقل معتمداً إلى حد كبير على الوقود السائل، كما يلاحظ حسين ضياء.

لمواجهة الطلب على البنزين، قدّمت ولايات فيكتوريا وتسمانيا مواصلات عامة مجانية منذ بداية أبريل، بينما تطرح كوينزلاند تعريفات منخفضة تصل إلى 50 سنتًا. ونيو ساوث ويلز أعلنت استثمار 100 مليون دولار في محطات شحن للسيارات الكهربائية.

مخاطر البنية التحتية المحلية
أعادت الحادثة التي اندلع فيها حريق بمصفاة جيولنغ في فيكتوريا إلى الواجهة هشاشة الإمداد المحلي؛ إذ تعتمد البلاد على مصففتين فقط يزيد عمر كل منهما على خمسين عاماً. وتُعد جيولنغ الأكبر بطاقة إنتاجية تقارب 120 ألف برميل يوميًا، والمصفاة الأخرى هي أمبول لايتون في بريزبن.

«الشمس الأسترالية»
ألغى وزير الطاقة والمناخ كريس بوين زيارة إلى مؤتمر سانتا مارتا حول إنهاء الاعتماد على الوقود الأحفوري بعد اندلاع حريق جيولنغ، مؤكداً أن «الشمس الأسترالية لا يمكن أن تقطعها حرب أو غيرها». لفت إلى أن ضوء الشمس لا يقطع مسافة 150 كيلومتراً عبر مضيق هرمز كما يحدث مع النفط، بل يسافر مسافة نحو 150 مليون كيلومتر.

رغم إعلانات دول مثل فرنسا عن خطط كبيرة للتكهين الكهربي، وبالرغم من تعهدات جيران أستراليا مثل إندونيسيا بزيادة قدرة الطاقة الشمسية، لم يعلن بوين مؤخراً عن استثمارات في مشاريع متجددة على المستوى الفدرالي. ولا تزال طاقة الألواح الشمسية في أستراليا تنتشر بشكل رئيسي عبر قرارات ومبادرات للمنازل والولايات، فواحد من كل ثلاثة منازل يملك ألواحاً على السطح، وقد أعلنت أربع من ست ولايات عن تزويد الأسر بثلاث ساعات من الكهرباء مجاناً يومياً.

يقرأ  أستراليا تمنع دخول الزائرين من إيران في ظل تصاعد الصراع في الشرق الأوسط — أنباء عن تصعيد أمريكي–إسرائيلي ضد إيران

أثر التحول الشمسي والبطاريات يبرز تدريجياً في تقليل استخدام الغاز، التي شهدت أسعارها ارتفاعات حادة بعد غزو روسيا لأوكرانيا في 2022، ويساهم الانتشار المتزايد للطاقة الشمسية المزوّدة بالبطاريات في إحداث تغيير منهجي طويل الأمد يقلل التعرض للأزمات المستقبلية.

المحيط الهادئ والجيران الأصغر
قرار بوين بعدم حضور مؤتمر سانتا مارتا أثار تساؤلات خاصة وأنه رئيس مفاوضات مؤتمر المناخ العالمي هذا العام، COP31، الذي استضافته أستراليا سعياً لتحسين العلاقات مع جزر المحيط الهادئ، التي تعتبر تغيّر المناخ تهديدًا وجوديًا لها.

تتحمل هذه الجزر عواقب أشد من ارتفاع أسعار النفط والأسمدة؛ فتوڤالو مثلاً تصرف نحو 25% من ناتجها المحلي الإجمالي على الوقود وأعلنت حالة طوارئ. يقول كريستيان دي بوكيلير، محاضر في الجامعة ملبورن، إن ارتفاع الأسعار «يضرب جيراننا في المحيط الهادئ بشدة، ويجعلهم يكافحون لتأمين الإمدادات الضرورية لتشغيل الخدمات الأساسية».

خلاصة وتوصيات
الخبراء يوافقون على أن إجراءات مثل تخفيض ضريبة الوقود والدبلوماسية الطارئة قد تخفف الضغوط مؤقتًا لكنها لا تحل الاعتماد البنيوي على الوقود الأحفوري وسلاسل التوريد الطويلة. الحلول الأكثر استدامة تتطلب تسريع التحول نحو النقل الكهربي، توسيع البنية التحتية للشحن، وتعزيز قدرات التكرير المحلية إلى جانب تكثيف الاستثمار في الطاقة الشمسية والبطاريات وتقليل الطلب على الوقود كلما أمكن. كما دعا المراقبون إلى نهج أوسع يأخذ في الحسبان هشاشة جيران أستراليا في المحيط الهادئ ويعمل على تخفيف الصدمات عليهم.

ملاحظة لغوية صغيرة: في تقاريرٍ رسمية ورد أن بعض المصطلحات مثل «الاسمدة» كُتبت دون همزات في نشرات سريعة، لكن الصيغة الصحيحة هي «الأسمدة».

أضف تعليق