أحلامي في إيران ماتت قبل أن يحلّ وقف إطلاق النار أخبار: حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران

سينا* شاب في الثامنة والعشرين من عمره يعمل مساعد تحرير فيديو، وكافح بجد ليبني حياة في طهران. بعد أن أنهى الخدمة العسكرية الإلزامية رفض العودة إلى مدينته نيشابور في الشرق الإيراني، مدركًا أن فرص شاب لديه خلفية في مونتاج الأفلام والمسرح الطلابي المستقل ضئيلة هناك. عبر صديق من الجامعة استقر في استوديو لصناعة محتوى الفيديو بالعاصمة، وصعد من مساعد كاميرا إلى مساعد محرر فيديو خلال ستة أشهر، قبل أن يفقد وظيفته نتيجة الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران. كما رواه لأريا فرهند.

مرت أيامٌ على هدوء الأسلحة، لكن الشرارة الخجولة من الأمل التي شعرت بها عند إعلان وقف إطلاق النار تبددت سريعًا. من بين كل السير الذاتية التي أرسلتها يائسًا، اتصل بي شركة واحدة فقط لإجراء مقابلة. الراتب المعروض بالكاد كان يغطي الحد الأدنى للمعيشة. أسرتي تستمر في الاتصال من نيشابور، يعيدون نفس الجملة: «ارجع، هناك عمل لك هنا». ما يقصدونه كحبل نجاة يشعرني وكأنه ملح على الجرح.

كنت قد توقفت عن قبول نقود والدي، وزاد راتبي، وكنت أشتري هدايا لأختيَّين. لأول مرة في حياتي شعرت باستقلالية حقيقية. الآن أجلس في شقة جدتي الفارغة في طهران، أحدق في هاتف بالكاد فيه اتصال بالانترنت، أنتظر عرض عمل لا يأتي.

هذا ما فعلته بي الحرب: لا خدش واحد في جسدي، لكن كل شيء آخر — ضاع.

كروسان على السطح

صباحَ بدء الحرب كنا في اجتماع إحاطة نشرب الشاي. أحضر أحد الزملاء كروسان طازجًا. ثم سمعنا هدير طائرة مقاتلة، صفير، وبعد ثوانٍ انفجار.

لم تكن ردة فعلنا الفورية خوفًا، بل فضولًا ساذجًا. نخالف كل أدلة البقاء التي قرأناها في الحرب السابقة، تجمعنا في المصعد وصعدنا إلى السطح، والأكواب لا تزال في أيدينا. أعمدة الدخان تعلو في أرجاء المدينة. ثم وقع انفجار آخر، قريب لدرجة أنه صمّ الآذان. ركضنا نحو السلالم.

يقرأ  الآن يظهر الوجه القبيح لـ«الوضع الطبيعي الجديد» في غزة

أرسلنا المدير إلى منازلنا. المدينة تجمدت. سائق سيارتي اتصل ليخبرني أنه لا يستطيع المرور في الاختناق المروري، فبدأنا المشي — أربعون دقيقة تحت شمس لاهبة، نتجاوز ناسًا متروكين وسيارات متوقفة. في نقطة ما فقد سائق في منتصف العمر هدوءَه، انحرف إلى حارة الباصات عكس السير. ظهرت حافلة وجدت نفسها في مواجهةٍ مباشرة فشل السائق في الخروج من المأزق. بدا كأنه سينفجر. لم أنتظر؛ واصلت المشي.

ذهبت إلى بيت جدتي. لسمعها الضعيف لم تسمع أي انفجار وكانت سعيدة جدًا لرؤيتي. شربت الشاي، جلست أمام التلفاز أحاول استيعاب ما يحدث، ثم تناولت الغداء ونمت.

تفريغ المدينة

عندما استيقظت مدت يدي إلى الهاتف، فتذكرت أن الانترنت مقطوع. أنا شخص يملأ كل لحظة فراغ باللعب عبر الإنترنت أو تصفح إنستغرام. من دون أي منهما، كان الملل خانقًا. لم أستطع التدخين أمام جدتي، والامتناع القسري زاد من توتري.

في الأيام التالية تفرّغت المدينة من أهلها. كلما خرجت إلى الزقاق — متذرعًا بمهمة سريعة لأتمكن من تدخين سيجارة — رأيت عددًا أقل من الناس. في مبنانا بقيت خمس شقق فقط من أصل اثنتي عشرة مشغولة. كان يمكنني أن أقرأ ذلك من فراغات موقف السيارات.

عندما نفدت احتياطياتي من السجائر لم يكن عند دكان الحي نوعي المألوف، والسوبرماركت كان يبيعها بضعف السعر. وبما أن صرف راتب مارس لم يكن مضمونًا، اكتفيت بنوع رخيص غير معروف. كان طعمه كاستنشاق دخان عادم شاحنة.

تلاشت الأيام: قلق البطالة، الملل القاتل، السجائر السرية. حاولت شراء VPN مرتين. الأولى عملت لي يومًا واحدًا فقط. الثانية — البائع حظرني لحظة تحويل المال.

الأقرب ما اقتربت من الموت

الكوابيس الحقيقية جاءت ليلة 5 مارس. انفجار خفيف أيقظني حوالي الرابعة صباحًا. توجهت للمطبخ لأشرب ماءً. ثم مزق الهواء انفجار — صوت احفر في ذهني إلى الأبد. تجمدت. خرجت جدتي من غرفتها مذعورة. جرَدتها إلى المطبخ.

يقرأ  وصول أسطول غريتا ثونبرغ المؤيّد لغزة إلى السواحل التونسية

ثم بدأت وابل الانفجارات. أكثر من عشرة انفجارات متتالية، أقل من عشر ثوانٍ بين كلٍ منها. جلست جدتي على الأرض بجانبي، معقوفة الذراعين حول ساقي ورأسها مطمور. كانت أقرب لحظة شعرت فيها بالموت.

عندما هدأ الأمر أخيرًا، نوافذ الشقة صمدت. تذكرت جدتي كيف أنصفهم صفارات الإنذار في حرب إيران والعراق فكانوا يصلون إلى الملاجئ في وقتها. أكثر ما أذَّاها في هذه الحرب هو غياب أي إنذار — لا صفارات، لا ملاجئ. مجرد انتظار للانفجار التالي. بصعوبة صعدت إلى سريرها. لم أنم حتى الصباح.

عشر أصوات في رأسي

خلال كل ذلك كنت أكرر لنفسي «اصبر». كان مديرنا يأمل أن تنتهي هذه الحرب، كما في النزاع السابق، خلال أقل من أسبوعين. كلما اتصل والداي يترجاني أن أعود إلى نيشابور، قلت لا.

في 17 مارس عقدنا آخر اجتماع عبر الإنترنت. ديون الأستوديو تراكمت، والفواتير بلا دفع، والمدير لم يعد يرى نهاية — لا للحرب ولا لانقطاع الخدمة. مع بداية السنة الإيرانية الجديدة في 21 مارس، سيبقى فقط مئتا موظف من طاقم الأستوديو. الباقون فصلوا من دون أجر.

عند انتهاء المكالمة كان في رأسي عشر أصوات تصرخ. لا يمكنني الاعتماد على معاش جدتي الضئيل. والدي يدعم عائلة مكونة من أربعة. المعادلة قاسية: أعود إلى نيشابور وأعمل في سوبر ماركت عمي. بدل أن أخطط لتحسين حياتي أصبحت أخطط للبقاء.

حزمت أمتعتي ورحلت. كانت رحلة الحافلة عشر ساعات عبر طرق موحشة بالصمت. أكثر ما لاحقني في الذاكرة كانت اللحظات الأخيرة في طهران. شعرت المدينة وكأنها جوف فارغ، بل ظلام لم أر مثله من قبل.

الفراغ

من نيشابور اتصلت بمديري أملاً بغيرة. وضع المسائل الحسابية ببرود. خلال الحرب السابقة واحتجاجات ديسمبر كان بالإمكان انتظار انقضاء الإغلاقات. لكن عامًا من النزف الاقتصادي الذي أكمله هذا الانقطاع دفع الإيرادات إلى الصفر. حتى لو عاد الإنترنت غدًا وعملنا على مدار الساعة أشهرًا، فلن يكفي. الأستوديو لم يتوقف فحسب، بل انهار.

يقرأ  ترامب يعلن رسمًا جمركيًا بنسبة ١٠٠٪ على الأدوية لإرغام شركات الأدوية على إبرام صفقات

حدّثت سيرتي، اشتريت تذكرة حافلة عودة، ورجعت إلى شقة جدتي. لم يكن هناك ما أعود إليه. كنت أحتاج فقط أن أشعر أني أفعل شيئًا.

عندما أعلن وقف إطلاق النار شعرت ببارقة أمل. استمرت حوالي يوم واحد.

حياتي كانت ضبابًا من الحركة: الأستوديو، المسارح المستقلة، المقاهي مع الأصدقاء، الصباحات المبكرة والليالي المتأخرة. الآن تقلص وجودي إلى أربعة جدران. انتهت الحرب، على الأقل الآن. الإنترنت لا يزال مقيَّدًا إلى حد كبير، الاقتصاد في خراب، وسوق العمل الذي كان موجودًا قبل 28 فبراير لم يعد مع وقف إطلاق النار.

في الخارج بدأ الناس يتحركون في الشوارع مرة أخرى. ربما يستأنفون حياتهم. أما أنا فلا شيء يعود لي لأستأنفه.

لا أعلم إلى متى أستطيع الصمود.

*الاسم مُغيَّر لأسباب أمنية

أضف تعليق