طهران — في أرجاء العاصمة الإيرانية عادت الحياة إلى نسقٍ يبدو أقرب إلى الطبيعى: الأسواق والمقاهي والمحلات تفتح أبوابها مجدداً، وبعض الطرق السريعة تعجّ بحركة المرور بعد وقفٍ هش لإطلاق النار مع الولايات المتحدة بات سائداً إلى حدّ كبير بعد أسابيع من الضربات المدمرة التي شنّتها واشنطن وإسرائيل.
غير أن المتسوقين ما زالوا متحفظين.
«أنت واقف في محل، معظم السلع متوفّرة، لكن كثيراً ما يصبح السؤال عمّا إذا كنت تريد شيئاً أم أنك تحتاجه» قال شاب من سكان غرب طهران طلب عدم كشف اسمه. «الكثيرون باتوا يقتصرون على شراء الأساسيات فقط».
مع تصاعد القلق بشأن المستقبل وتغيّر عادات الاستهلاك، تحرّكت الحكومة لضمان توافر الغذاء والأدوية في محاولة لامتصاص الضغط المتزايد الذي يفرضه الحرب على الناس.
أضافت الحكومة يوم الأحد بنداً إلى تعليمات تنفيذ الموازنة السنوية لإعادة سعر الصرف التفضيلي لاستيراد السلع الأساسية مثل القمح والأدوية والمعدات الطبية وحليب الأطفال، في مسعى لتسهيل واردات الضروريات. يخطط الجهاز التنفيذي لتخصيص ما يصل إلى 3.5 مليار دولار من حصّة الإيرادات النفطية والغازية لشبكة من الأمناء لاستيراد هذه السلع، على أن تُشتَرى بمعدل صرف رسمي يعادل 285 ألف ريال للدولار — وهو أقل بكثير من معدل السوق المفتوح الذي يبلغ نحو 1.55 مليون ريال، وأيضاً أدنى من معدل الموازنة البالغ نحو 1.23 مليون ريال وفقاً لوسائل الإعلام الرسمية.
يمثّل هذا التحول تعديلاً جزئياً في سياسة الحكومة عن الموازنة التي اقترحتها أواخر ديسمبر والتي دفعت بالتجار إلى الاحتجاجات في طهران ثمّ تعمّمت إلى احتجاجات مناهضة للحكومة على مستوى البلاد. كانت ملامح تلك الموازنة تستهدف إلغاء أدنى معدلات الصرف المدعومة، بحجة أن المعدل المدعوم خلق نظاماً غير شفاف استمر سنوات وسمح بانتشار الفساد من دون أن يخفض الأسعار بشكل ملموس للمواطن العادي.
لكن نائباً في وزارة التعاون والعمل والرعاية الاجتماعية قال لتلفزيون الدولة يوم الأحد إن أسعار السلع الأساسية تأثرت «بشكل كبير» بعد إلغاء معدل الصرف الرخيص. قال يَعقوب انديش إن الوزارة عرضت على الحكومة سيناريوهات مختلفة لـ «ضمان الأمن الغذائي» في 11 فئة من السلع الأساسية التي شهدت زيادات حادة في الأسعار خلال الأشهر الماضية، لكنه رفض الإفصاح عن أرقام دقيقة لمدى الارتفاعات.
بالإضافة إلى اعادة سعر الصرف المخفّض، تقيّم الحكومة إمكانية زيادة حجم المساعدات الشهرية وقسائم الشراء الإلكترونية للمواطنين لتعويض جزئي عن أحد أعلى معدلات التضخم الغذائي في العالم. كل شخص مؤهل حالياً للحصول على ما يعادل أقل من عشرة دولارات شهرياً.
الاستعانة بالصندوق السيادي
تلجأ الحكومة أيضاً إلى صندوق الثروة السيادي المتضرّر من العقوبات لتمويل شراء السلع الأساسية، في أحدث خطوة من نوعها خلال سنوات لاحقة. نقلت وسائل الإعلام الرسمية عن نية سحب ما يصل إلى مليار دولار من صندوق التنمية الوطني لشراء واردات من السكر والأرز والشعير والذرة ووجبة فول الصويا واللحوم الحمراء ولحوم الدواجن «بهدف تكملة الاحتياطيات الاستراتيجية».
السلطات تؤكد أن لدى البلاد احتياطيات كافية من العملة والذهب، وأنها أعادت توجيه بعض عائدات النفط التي جرى تسويتها بطرق ملتفة على العقوبات إلى الصندوق، لكنها لم تقدم معلومات تفصيلية. وبرغم الحصار الأميركي على الموانئ وقصف منشآت النفط والغاز، قال مذيع في التلفزيون الرسمي إن التحدي الرئيسي ليس زيادة الإنتاج أو إخراج ناقلات عملاقة من مضيق هرمز، بل «جلب ناقلات فارغة إلى منطقتي خارك وجاسك» لتحميل النفط المستخرج.
أقرّت وكالة تسنيم للأنباء، المرتبطة بالحرس الثوري، بأن بعض الناس شعوروا بالقلق حيال الأمن الغذائي في أعقاب الحرب التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير، لكنها اعتبرت من غير الواقعي القول إن إيران قد تواجه مجاعة لأن لها حدوداً واسعة مع دول مجاورة مثل العراق وتركيا وباكستان يمكن عبرها تسهيل واردات السلع. وأشار التلفزيون الرسمي إلى أن أجهزتَي الشرطة وحرس الحدود قد تتغاضى عن بعض مسارات التهريب إذا طرأت ندرة حقيقية في الأسواق.
حُدّدت صلاحيات أكبر لمحافظي المحافظات الحدودية لتمكينهم من تسريع استيراد السلع الأساسية بحدّ أقل من الروتين الإداري. ونقل التلفزيون عن بيزِشكيان قوله إن الحكومة أخطرت رسمياً بتوسيع الصلاحيات، لكن المحافظين مطالبون بإظهار «المبادرة والإبداع» لتلبية الاحتياجات الإضافية أثناء الحرب.
وفي القطاع الطبي، أعلنت هيئة الغذاء والدواء أنها ستبدأ خلال يومين «توزيعاً مركزياً للسلع الإستراتيجية» في المجال الطبي لضمان حصول المنشآت الصحية على الاحتياطيات الاستراتيجية بصورة عادلة وفي الوقت المناسب وتقليل صعوبات الشراء.
مع ذلك، لا تزال المخاوف من نقص السلع قائمة. بدأ بعض الناس في تكديس المعلبات وتخزين المياه، ولتقليل النفقات ألغوا الرحلات والأنشطة الترفيهية، وقلّلوا من زيارات المطاعم أو طلب الطعام عبر الإنترنت.
«لا يصدق» — كما كتب مستخدم باسم هادي على منصة اكس، مشيراً إلى تغريدة له قبل ثماني سنوات حين قال إن تكلفة إطعام 14 شخصاً في مطعم كانت 2.43 مليون ريال، ليفنّد أن ثمن وجبة واحدة اليوم صار أكثر من ستة أضعاف ذلك المبلغ.
قليلون هم الإيرانيون الذين يمكنهم الاتصال بالإنترنت من داخل البلاد خلال إغلاق شبه كامل مفروض من الدولة: إما يُمنحون اتصالاً موافقاً عليه حكومياً أو يدفعون مبالغ طائلة لشراء شبكات افتراضية خاصة أو اللجوء لوسائل التملّص الأخرى. ملايين الوظائف علّقت، وآلاف العمال طُردوا أو أُقيلوا مباشرة نتيجة الإغلاق غير المسبوق للإنترنت الذي دام قرابة شهرين، إضافة إلى قصف بنى تحتية مدنية واقتصادية حيوية مثل مصانع الصلب.
ورغم تأكيدات السلطات أنها ستعيد بناء البنية التحتية، أعلنت أن إغلاق الإنترنت سيبقى سارياً طوال فترة الحرب، مع توسيع نظام وصول إنترنت متعدد المستويات الذي واجه معارضة شعبية لسنوات.
وكانت نقابة التمريض في إيران أول جهة ترفض رسمياً خدمة «الإنترنت برو» التي تبيعها السلطات على أساس أنها تحوّل حقاً أساسياً إلى امتياز مدفوع. وقالت النقابة: «عندما يتاح الوصول إلى الإنترنت العالمي لجميع أبناء إيران، سيستخدمه الممرضون مثل بقية الناس».