السيادة لا تُنتزع بالقصف اعتداءات إسرائيل على لبنان

توجّه قادة لبنانيون إلى واشنطن لإجراء أول مفاوضات مباشرة مع إسرائيل منذ أكثر من ثلاثين سنة، في مسعى لاستعادة السييادة يواجه شروطاً تكاد تكون مستحيلة التنفيذ.

بموجب اتفاق وقف إطلاق النار الذي أُعلن في 16 نيسان/أبريل، طُلب من لبنان “إظهار قدرته الفعلية على فرض سيادته” كشرط لتمديد الوقف الهش للقتال. من جهة أخرى، احتفظت إسرائيل بالحق في اتخاذ “كل الإجراءات الضرورية للدفاع عن نفسها، في أي وقت”، وإبقاء قواتها منتشرة على التراب اللبناني.

هذا هو الإطار الذي سيُفترض أن تُمارَس من خلاله السيادة اللبنانية. يُنتظر من بيروت التحرك ضد تسليح حزب الله، بينما تحتفظ إسرائيل فعلياً بحرية عسكرية مفتوحة داخل الأراضي اللبنانية، من دون طريق واضح وموثوق لردعها.

من منظور واشنطن، تبدو المنطقية بسيطة: حزب الله أضعف، وطهران تحت ضغط، ودمشق متقبلة، والحكومة في بيروت لم تكن يومًا أكثر انغماسًا في تلبية مطالب الولايات المتحدة. من منظور البيت الأبيض، قد يبدو المشهد تلاقي مصالح: لحظة يُمنح فيها لإسرائيل هامش تحرّك عسكري للاحتلال وتهجير مجتمعات الجنوب وطرح مساحات ضمّ محتملة، وفي المقابل يُفترض أن ينبني دولة لبنانية يُمكِن للولايات المتحدة تشكيلها.

لكن حكومة أكثر قابلية للتأثير لا تعني بالضرورة حكومة قادرة على الحُكم فعلاً. ثمة طريق لتفكيك سلاح حزب الله وتوحيد السيادة اللبنانية، لكنه ليس المسار الحالي الذي تفرضه الولايات المتحدة وإسرائيل.

حزب الله والدولة وحدود القوة

لا يمكن لأي حجة جادّة في شأن الدولة اللبنانية أن تتجاهل ما أقدَم عليه حزب الله؛ أكثر من أي فاعل لبناني آخر، هو الذي نَزع من الدولة احتكار القوة. بنى وحافظ على بنية عسكرية خارج المؤسسات الرسمية، واحتكر لنفسه حق تشكيل قرارات الحرب والسلم، واستخدم حق النقض على قرارات حكومية، وتخلّص من كثير من خصومه داخلياً بالقوة أو بالتهديد بها. النتيجة كانت نظاماً هجينا كانت السيادة فيه موجودة في القانون وليس كاملة في الممارسة.

يقرأ  الأمم المتحدة: مئات الآلاف محاصرون جراء القتال في السودان

إلا أن الاعتقاد بأن القوة الخارجية قادرة على تصحيح هذا الوضع قد رُدِّد سابقاً وفشل. ففي 1982 غزت إسرائيل لبنان لطرد قيادة منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت؛ نجحت في إخراج القيادة لكنها لم تُنتج حكومة لبنانية مستقرة أو تسوية تتوافق مع ما تريده إسرائيل.

دخلت الحرب الأهلية اللبنانية مرحلة جديدة وربما أكثر وحشية، تجسدت في احتلال إسرائيلي دام حتى عام 2000. ومن هذا الاحتلال وُلد حزب الله وتماسك واستمد الشرعية التي يستفيد منها اليوم.

القوة الغاشمة بدلت توازنات آنية مراراً، لكنها ساهمت أيضاً في خلق الأرض الاجتماعية والسياسية التي نمت فيها شرعية مسلحة جديدة.

وقد سبق للبنان أن عاش هذا النمط بشكل آخر: كلما ضعف راعٍ تقليدي انتقل آخر لملء الفراغ، مدعياً أنه سيدافع عن السيادة اللبنانية وفق شروطه الخاصّة.

اليوم ينسجم ذلك مع النمط نفسه: نفوذ حزب الله وإيران يتراجع بعد عقدين من الهيمنة، وواشنطن وإسرائيل تحاولان إرساء نفوذ جديد. لغة السيادة تعمل مجدداً أحياناً كغطاء لما لا تكون السيادة عليه موجودة بالمضمون.

قادة بلا نفوذ

حكومة الرئيسين نواف سلام وجوزيف عون، التي شكّلت بدعم أمريكي-سعودي بعد حرب 2024 مع إسرائيل، هي أول حكومة وحدة وطنية تضم حلفاء لحزب الله مع موقف واضح نحو توحيد القوة العسكرية تحت سلطة الدولة.

وبموجب هذا الموقف بدأ الجيش اللبناني تفكيك بنى حزب الله جنوب نهر الليطاني قبل تجدد القتال الشهر الماضي. ومنذ ذلك الحين، صنّفت الحكومة الجناح العسكري لحزب الله منظمةً غير مشروعة، وطردت السفير الإيراني، وكلفت الجهات المختصة بتحديد واعتقال وترحيل عناصر من الحرس الثوري الإيراني.

بعض هذه الخطوات كانت استعراضية، وبعضها كان حقيقياً، لكن الجميع قُيِّد بالواقع الراهن الذي يتمثّل بقلة النفوذ لدى الدولة اللبنانية داخلياً وخارجياً. ومع ذلك لم يتوقف سلام وعون عن المحاولة.

يقرأ  الحرب الروسية–الأوكرانية: قائمة الأحداث الرئيسية — اليوم ١٣٥٣ | أخبار الحرب

التقاطع الحالي مع مصالح واشنطن وإسرائيل مؤقت، وسينهار في اللحظة التي يتحول فيها السؤال من أسلحة حزب الله إلى وجود القوات الإسرائيلية على الأرض اللبنانية.

الحقيقة أن ترتيب الردع الحالي في لبنان لا يمكن كسره عسكرياً قبل استبداله سياسياً. ترسانة حزب الله ليست واقعاً عسكرياً فحسب؛ إنها أيضاً تعبير قاسٍ عن مطلب سياسي: مفاده أن الدولة اللبنانية كما هي لا تستطيع موثوقية أن تحمي أجزاء من سكانها من إسرائيل، وبالتالي يلزم وجود هيكل بديل للردع. يمكن رفض هذا الادعاء ومع ذلك الإقرار بقوته.

إذا كان الغرض تفكيك حزب الله بشكل دائم، فلبنان بحاجة إلى بديل موثوق للوظائف التي أدّاها: الردع العسكري، التمثيل السياسي، الحماية الاجتماعية، وضمان أن ثمة جهة تستطيع تحمّل تكاليف مواجهة إسرائيل. بغياب ذلك البديل، فإن الضغوط العسكرية والاحتلال والانتهاكات الدولية لن تُحسم المسألة بل ستعيد فتحها بشكل أكثر قسوة.

ما الذي يتطلبه حل دائم

مسار سياسي متسلسل هو الطريق الوحيد المعقول للنتيجة التي تقول واشنطن إنها تريدها. يجب أن يبدأ بمبدأ المقابلة: لا يمكن توقع أن يتحرّك لبنان بحزم تجاه قضيته الداخلية الأكثر تفجّراً بينما تحتفظ إسرائيل بحرية عسكرية مفتوحة داخل أراضيه.

إذا كان على مجتمعات الجنوب وبلاد البقاع الشرقية أن تُدرك تغيّراً في بيئة التهديد، فهذا يستلزم وقفاً مراقباً للهجمات، جدولاً زمنياً لانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، وآلية للبت في الانتهاكات لا تُحوّل السيادة اللبنانية إلى ذريعة إسرائيلية بالضرورة. الاتفاق الحالي يفتقر إلى أيٍّ من ذلك، بل يحتوي على عكسه.

تسوية دائمة تتطلّب توسيعاً مرحلياً لسلطة الدولة. الجيش اللبناني قادر على استيعاب مسؤوليات تدريجية، والنشر والمراقبة وتوسيع دوره عبر الزمن.

حتى لو رغبت واشنطن في أن يقاتل الجيش حزب الله، فهي محقّة في أنه لا يرغب ولا يملك القدرة الكافية لفعل ذلك حالياً، لا سيما بينما تضرب إسرائيل البلاد وتدفع واشنطن بإطارات زمنية غير واقعية كأداة دبلوماسية ضاغطة. مطالبة الجيش بذلك ليست تقوية للدولة؛ بل كشف لضعفها وبشارة لصراعات أهلية.

يقرأ  ميسي يسجل هدفين ويصنع هدفًا — إنتر ميامي يتغلب على أتلانتا يونايتد

السيادة تتطلّب عقيدة دفاعية وطنية. إن كان على حزب الله أن يتخلى عن ادعائه بالردع، فيجب أن يُستبدل ذلك بعقيدة تدعمها موارد قابلة للتحقّق ودبلوماسية قادرة على إنتاج ردع تقوده الدولة ضد العدوان الإسرائيلي.

صمود حزب الله لم يقف يوماً على الأسلحة وحدها. نما داخل مناطق فشل الدولة. إسقاط بنيته العسكرية بينما الدولة عاجزة عن توفير الأمن وإعادة الإعمار والخدمات سيؤدي إلى لا سيادة، بل إلى هجران. والهجران هو تربة خصبة لنمو البدائل المسلحة.

ولا ينجح أي من ذلك من دون ضمانات سياسية. ليس المطلوب الاحتفاء بالنظام الطائفي اللبناني ليُفهم أن الانتقالات تفشل عندما تستنتج طوائف رئيسية أن لغة الدولة تُستخدم لترتيب السلطة ضدها. إذا انتهى الدور العسكري لحزب الله، فعلى الشيعة في لبنان أن يروا مستقبلاً لأنفسهم داخل دولة أقوى، لا خارجها.

كل هذا سيستغرق وقتاً طويلاً. قد لا يوفر ذلك لإدارة واشنطن متعة لحظات حاسمة أو طمأنينة درامية، لكنه المنهج الوحيد الذي أثبت لبنان أنه يتحمّله؛ فالتسرّع غالباً ما يكشف تكاليفه.

تقول واشنطن إنها تريد دولة لبنانية أقوى وحزباً أضعف. قد تكون تلك نواياها. لكن أفعالها توحي شيئاً آخر: إدارة الشقاق تحت هيمنة عسكرية إسرائيلية، لا بناء سيادة فعلية.

ذلك المسار ليس مرشحاً لأن ينتهي بضمّ مرتب أو سيطرة منسقة. لبن ان يحمل كثيراً من الذاكرات المسلحة والقصص غير المحكومة والتشابكات الإقليمية. والأرجح أن ما سيحدث هو صراع يصعب إيقافه بمجرد انطلاقه.

الآراء الواردة هنا خاصة بالمؤلف ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري للقناة.

أضف تعليق