دروس الحرب دعوة لمراجعةٍ استراتيجيةٍ جذرية في غرب آسيا — دول مجلس التعاون الخليجي

أعرب مجلس التعاون الخليجي في بيانه الأخير عن أن «الهجمات الإيرانية أدت أيضاً إلى خسارة حادة في الثقة لدى دول المجلس تجاه إيران، مما يتطلب من الأخيرة المبادرة ببذل جهود جادة لإعادة بناء الثقة». إن السعي إلى إعادة الثقة في منطقتنا هدف نبيل وضروري، ورغم أن إيران اتخذت خطوات سابقة في هذا السبيل، فإن من الضروري أن يعترف الجميع بحصة كل طرف في حالة التوتر المؤسفة الراهنة.

العدوان غير المبرر على ايران كان نتيجة حسابات خاطئة وسلسلة من الأخطاء الصريحة. انطلق هذا الهجوم من وهم مفاده أن إيران باتت ضعيفة وغير قادرة على المقاومة أو الرد الحازم على حملة واسعة شنّتها قوتان نوويتان بدعم من أطراف إقليمية. أوحت بعض صناع القرار في واشنطن وتل أبيب وعواصم إقليمية بأن مزيجاً من الضغوط الاقتصادية والتخريب والعمليات السرية والاغتيالات وجرائم حرب عشوائية سيقضي على الجمهورية الإسلامية أو يُكبّل رد فعلها. لكنهم أخطأوا التقدير. كان رد إيران محسوباً وحازماً في آن معا، وأظهر قدرة عسكرية وصموداً تعدى تأثيره حدود المنطقة.

لدول مجلس التعاون العربية نصيبٌ وافر من هذه الحسابات الخاطئة، وربما كان لإيران دور في توجيه بعض التقديرات الخاطئة لديهم. على مدى خمسة عقود وقف بعض جيراننا في مواضع تاريخية منحازة – داعمين عدوان صدام حسين ومتواطئين أحياناً مع إسرائيل في اعتراض صواريخ أُطلقت دفاعاً عن النفس بعد اغتيال قائد عربي داخل الأراضي الإيرانية. وشجّع بعضهم الولايات المتحدة علناً على توجيه ضربات عسكرية ضد إيران، بل طالبوها أحياناً بإدراج قوات بحرية إيرانية على قوائم الأهداف. بالمقابل سمحوا لإسرائيل والولايات المتحدة بإقامة قواعد عسكرية على أراضيهم لتخطيط وتنفيذ ودعم عمليات عدوانية ضد إيران. هذا التحالف العملي جعل من أراضيهم منصة انطلقت منها اعتداءات أحدثت أضراراً بشرية ومادية جسيمة للشعب الإيراني.

مع تزايد بوادر الاستعداد الأمريكي لشن موجة جرائم حرب ممنهجة ضد المدنيين والبنى التحتية الإيرانية، بدا بعض جيراننا غير راغبين أو غير قادرين على منع استخدام أراضيهم ومجالاتهم الجوية ومرافقهم العسكرية لأغراض تلك الهجمات، رغم أنها طالت إخوانهم المسلمين في إيران. ارتكبت أخطاء استراتيجية قادت إلى توهم أن إيران ستظل عاجزة عن الرد أو متغاضية عن مشاركة هؤلاء في العدوان. هذا الوهم انهار درامياً، واضطرت إيران إلى الرد — مرغمةً لكنها محسوبة ومقيدة نسبياً — على الهجمات التي أُطلقت أو دُعمت لوجستياً من أراضي دول المجلس.

يقرأ  واشنطن تؤكد ارتفاع تدفّق المساعدات إلى غزةفلسطينيون يتهمون بـ«تجويع مُدبّر» في خضم الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني

للمضي قُدماً، لا بد من أن يتخلى جيراننا عن التصورات المنحرفة عن الماضي وادعاءات الضحية المضللة. يواجهنا لحظة انتقالية؛ فأحداث الحرب كشفت هشاشة نماذج الأمن المستورد وقوة القوى المحلية وشبكات الأمن الإقليمي. بدلاً من التمسك بتحالفات الأمس، سيكون من الحكمة التوقف وإعادة التقييم. الدرس الصائب من هذه الأزمة يدعو إلى الاعتماد على الذات، وتعزيز الفاعلية الإقليمية، وبناء منظومة أمن شاملة ومحلية.

أولاً، إيران وجيرانها العرب باقون في هذا الفضاء الجغرافي. لقد صمدت إيران أمام عقوبات وإرهاب مدعوم من الخارج وحروب هجينة ومحاولات اغتيال على مدى عقود. السكان، برغم اختلافاتهم، يتكاتفون عندما تواجه بلادهم تدخلات خارجية. لدى طهران وسائل لردع التهديدات الوجودية، وموقعها الجغرافي يمنحها قدرة على إحداث آثار مدمرة في الأسواق العالمية إذا دُفع الأمر إلى حده. طول فترة ضبط النفس الإيراني أعطت انطباعاً خاطئاً بأن مضيق هرمز مفتوح للجميع بينما كانت إيران محرومة من حقوقها بفعل عقوبات غير قانونية وأخلاقية تُكسب جيرانها أرباحاً على حساب معاناة إخوتهم الإيرانيين.

أهم من ذلك أن قوة إيران ليست مستوردة أو مصطنعة؛ هي نتاج داخلي راسخ في متغيّرات لا تتبدّل: تاريخ مديد لحضارة دولة مستمرة، ثقافة غنية مترابطة، شريحة شبابية مثقفة، وغريزة بقاء تشكلت عبر قرون من مقاومة الهيمنة الخارجية. لا ضغط خارجي قادر على محو هذه الأسس. من يراهن ضد هذه الحقائق لا يلوم إلا نفسه على تجاهل الجغرافيا والتاريخ والديموغرافيا.

ثانياً، إن نموذج «الأمن مقابل التنمية» الذي اتبعه بعض الدول العربية أظهر عيوباً جوهرية. كانت المعادلة بسيطة: اشترِ الأمن عبر إنفاق مبالغ طائلة على أنظمة سلاح متطورة واستضافة قواعد أجنبية — وأحياناً مراكز تجسس أو نشاطات إسرائيلية — واستقطاب الاستثمار تحت جناح ذلك الأمن المستورد. هذا النموذج لم يوفر أمنًا حقيقياً ولا الاستقرار اللازم للنمو الاقتصادي المستدام.

يقرأ  هلوسات الذكاء الاصطناعي في التعلم والتطوير: ما هي وما أسبابها؟

أنصفت بعض العواصم الأمريكية وإسرائيل على حساب بلد مسلم أدى إلى تآكل سمعتها في العالم الإسلامي، وتفاقم هذا الضرر بخطاب قاسٍ ومحتقر من إدارة البيت الأبيض تجاه تلك الدول. والتقارير التي تذكر أن واشنطن تفكر في إجبار جيراننا على تحمل فاتورة حرب شُنت بظلهم ولصالح إسرائيل تُبرز مدى السخرية الكامنة في هذا الترتيب. أسوأ ما يمكن فعله هو التمسك بهذا النموذج الفاشل بعد أن تخمد نيران المعارك؛ ربط الأمن والمستقبل الاقتصادي بأشقّاء خارجيين يستخدمون قواعدهم منصةً للعدوان هو وصفة للاعتماد المستمر والإذلال المتكرر.

ثالثاً، أنماطاً سياسية وقانونية جديدة فرضتها الحرب يجب الاعتراف بها. وجود قواعد أمريكية أُستخدمت منها عمليات اعتداء تهدف عملياً إلى «محو حضارة إيرانية» لا يمكن النظر إليه كشراكة أمنية بريئة أو حيادية؛ بل هو تهديد وجودي — كما برهنته الحروب الماضية والنزاعات المتكررة. هذه المنشآت ليست لحماية المضيف بل أحياناً على حسابه. الدول العربية التي لا تزال تستضيف مثل هذه القواعد تشارك فعلياً في عسكرة المنطقة، بمن فيها مضيق هرمز، وهو ممر حيوي لاقتصاداتهم.

رابعاً، التمدد الإسرائيلي في المنطقة لم يجلب إلا مزيداً من الصراعات وسيؤدي إلى تآكل الاستقلال الوطني. إسرائيل لا تكتفي بالاستيلاء على أراضٍ؛ بل تمتد إلى أنظمة القرار عبر شبكات ضغط وذراع نفوذ معقدة. إنها تستنزف السيادة من الداخل، فتحول صنع القرار الوطني إلى امتداد لمصالحها. يكفي إلقاء نظرة على كيفية عمل جماعات الضغط في واشنطن أو نظائرها في عواصم أوروبية لفهم النمط. الاستياء الأميركي من كيف تُفرض مطالب إسرائيل على حساب دم ومال أميركيين ينعكس سلباً على سمعة من هرع لتطبيع العلاقات مع تل أبيب أو تقليد سلوكها. شعوب المنطقة تستحق سياسات خارجية ليست مفروضة من بعيد. نظام يبتز راعيه لا يمكن أن يُؤمّل منه أن يعامل من يسلمون أمنهم إليه معاملة أفضل، خصوصاً حين يتعلق الأمر بـ«القبة الحديدية» الفاشلة.

يقرأ  سابالينكا ضد أنيسيموفا — نهائي السيدات في بطولة أمريكا المفتوحة للتنس: موعد انطلاق المباراة والإحصائيات | أخبار التنس

خامساً، والأهم بناءً، المبادرات الإيرانية السابقة — مثل مبادرة سلام هرمز، وجمعية حوار غرب آسيا المسلمة، وشبكة الشرق الأوسط للبحث والتطوير الذري — بينت رغبة حقيقية في التواصل مع الجيران لبناء شبكات تعاون إقليمية شاملة. تجاهل هذه المساعي أو رفضها اعتماداً على وهم الأمان الأمريكي كان خطأ تاريخياً. الطريق إلى الأمام يمر عبر تصحيح الأخطاء السابقة واحتضان نظام أمن إقليمي محلي قائم على المصالح المشتركة.

تتمتع غرب آسيا بثروات هائلة، وموارد طاقة، وثقافات عريقة، ودين مشترك، وتاريخ مترابط عبر قرون. يجب استثمار هذه المقومات لبناء شبكة إقليمية جديدة قادرة على مواجهة تحديات مشتركة — من ندرة المياه وتغير المناخ إلى تنويع الاقتصاد والتقدم التكنولوجي — دون وصاية خارجية. تصميم هندسة أمنية يبنيها الإقليم ومن أجل الإقليم لم يعد شعارات مثالية، بل ضرورة استراتيجية.

هذه الحرب أنهت عصر الأوهام المريحة. الأمن لا يُشترى ولا يُستغنى عنه عبر طرف ثالث آتٍ ليغتصب مصالح الجوار. مع هذا النزاع لم يعد ممكنًا تجاهل الواقع أو دفن مظالم إيران تحت السجادة. الأجانب حاضرون لانتهاز الفرص وسيرحلون عندما تفوق الكلفة الفائدة؛ أما نحن فمعاً إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. إيران أثبتت أنها لا تُقهر بآلات حرب القوى العظمى، وأن رغبتها في العيش بسلام مع إخوتها المسلمين حقيقة قائمة. السؤال الحقيقي هو هل ستتحلى بقية دول غرب آسيا بالحكمة للتكيف مع هذه الحقيقة الثابتة؟ فلنغتنم هذه اللحظة لبناء مستقبل تقوم فيه الاحترام والكرامة والأمن والازدهار المتبادل.

الآراء المعبر عنها في هذا المقال تعكس رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

أضف تعليق