أسطول الصمود العالمي يواصل الإبحار إليك السبب في سياق الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني

تخيَّل المشهد التالي: أنت مبرمج للانطلاق على متن قارب شراعي ضمن أسطول كبير ينقل مساعدات إنسانية. غادر بعض القوارب قبلك بأيام، لكن قبل موعد انضمامك تعرضت تلك القوافل لاعتراض عنيف في مياه دولية من قبل قوة أجنبية تبعد حوالي 600 ميل بحري عن ساحلها، في انتهاك صارخ للقانون البحري الدولي.

أُصيب ما لا يقل عن ثلاثين من رفقائك في البحر، وأقدمت أربع حالات على الإبلاغ عن اعتداءات جنسية. كما اختُطِف اثنان آخران، سيف أبو كشك وThíago Ávila، وأُقتيدا إلى الأراضي الإسرائيلية حيث وُجهت إليهما تهم تتعلق بالإرهاب وتعرّضا للضرب والتعذيب أثناء الاحتجاز. خاض كلاهما إضراباً عن الطعام احتجاجاً، حتى أعلن عن إطلاق سراحهما لاحقاً.

بكل صدق، بعد معرفتك بكل هذا، هل كنت ستواصل الإبحار؟ وهل تتوقع أن الأغلبية الساحقة من زملائك ستفعل الشيء ذاته؟

بالنسبة لغالبية المشاركين المتبقين في أسطول «الصمود العالمي» — الذين لم تُختطفهم البحرية الإسرائيلية — الإجابة كانت واضحة: نحن نواصل الإبحار.

على الرغم من محاولات إسرائيل ارتكاب ما يمكن وصفه بالإبادة، وبإجلالٍ وتضامنٍ مع الشعب الفلسطيني، يمضي أسطولنا قدمًا. رغم أننا عايشنا أو تلقينا أنباءً عن الاعتراض العنيف، فإننا في طريقنا نحو ميناء مرمريس التركي لنُعيد التجمع. أكتب هذه السطور وأنا على متن أحد القوارب.

لطالما وُصفت قوافل غزة بأنها عروض رمزية، لكن هذا الوصف يغفل نتائج ملموسة حققتها على مر التاريخ: ففي أكتوبر الماضي، وعلى الرغم من اعتراض عنيف آخر، ساهمت مهمة «الصمود العالمي» في زيادة الضغوط الدولية التي أدت إلى إعلان وقف لإطلاق النار بعد أيام من الاعتراض.

المصطلحُ «عرضي» ينبغي أن يُطبَّق بدلًا من ذلك على ذلك «الوقف»، إذ استمر الجيش الإسرائيلي خلاله بقتل الرجال والنساء والأطفال الفلسطينيين ومنع وصول المعونات الإنسانية بكميات كافية.

يقرأ  الهجوم الإسرائيلي في الدوحة يثير إدانات إقليمية ودولية— أخبار الصراع الإسرائيلي الفلسطيني

كل مهمة من مهامنا ساهمت في تقويض شرعية تكتيكات الدولة الإسرائيلية العدوانية والإبادة المركزة. وهذا ينطبق على هذه المهمة أيضاً. حتى قبل أن تكتمل عملية التجمع، وعلى بعد أكثر من 600 ميل بحري من سواحل غزة، نجح الأسطول في إثارة نقاش دوليٍ عندما استهدفت 22 سفينة من أساطيلنا.

ظهرت على إثر ذلك سلسلة من الأسئلة الجيوسياسية، وتعرَّضت قواعد السيادة البحرية المتعارف عليها منذ زمن طويل للتشكيك، مُظهِرةً انتهاك القانون الدولي. ألم يكن من الواجب على خفر السواحل اليوناني الاستجابة لإشارات الاستغاثة الواردة ضمن منطقة البحث والإنقاذ التابعة له؟ ألم يكن يتعين عليهم منع سفينة السجون البحرية الإسرائيلية من مغادرة ميناء إيرابيترا في جزيرة كريت، خصوصاً وأن تقارير وصلت عن تعرُّض النشطاء الدوليين للضرب والتعذيب داخلها؟

بينما يبحر أسطولنا الآن شرقاً، يدخل منطقة بحرية متنازعاً عليها: النزاع اليوناني-التركي الممتد لعقود حول سلطات بحر إيجة، حيث تداخلت المطالبات بالأجواء والمياه الإقليمية ومناطق البحث والإنقاذ منذ سبعينيات القرن الماضي. هنا يصعب أكثر، وليس أقل، تحديد من المسؤول عندما تعمل البحرية الأجنبية في مياهكم.

رغم كل ذلك، نواصل الإبحار. ما نتمسَّك به هو الإرادة الصلبة والعزم على بلوغ غزة في نهاية المطاف. ما نواجهه هو دولة إسرائيلية عازمة على خلق وقائع جديدة في البحر كما فعلت على الأرض لعقود.

المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الضفة الغربية المحتلة صُمِّمت لتجعل قيام دولة فلسطينية أمراً مستحيلاً. والاعتراضات البحرية، التي تمتد الآن أبعد فأبعد عن المياه الفلسطينية، تهدف إلى تقييد حرية البحار بنفس المنطق.

بعيداً عن أن تكون عروضاً رمزية، تحولت مهمة «الصمود العالمي» إلى اختبار قِيمٍ لمدى تورط الغرب في هذه الإبادة ومحاولات إسرائيل لامتداد نفوذها خارج حدودها.

يقرأ  تصاعدت التوترات حول نصب مقترح في نيوزيلندالإحياء ذكرى «نساء الراحة» اللواتي أجبرتهن اليابان على العبودية الجنسية

قد يبدو الأمر مرعباً، لكن لا أحد منا على القوارب بطلاً لا يعرف الخوف، ولم ندعِ ذلك يوماً؛ إنما أصبحت مهمهُ مهمتنا أكثر أهمية بفعل ما جرى في تلك المياه. من الدول المتواطئة مروراً بالمواطنين والنشطاء الذين يواجهون غضب إسرائيل، تضطرنا الأحداث لإعادة تقييم مواقفنا. تدعونا مهمة «الصمود العالمي» جميعاً لاتخاذ موقف.

الآراء الواردة هنا خاصة بالكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

أضف تعليق