طهران، إيران — تسعى السلطات إلى إيجاد سبل لتوفير اتصال محدود لأفراد وكيانات مختارة، في ظل انقطاع شبه كامل مفروض من الدولة على الإنترنت، مع طرح نموذج وصول متدرج يرى خبراء أنه يضلل الحقوق الرقمية للإيرانيين.
أعلن الرئيس مسعود بيزشكيان الأربعاء إنشاء جهة جديدة لمراجعة سياسة التغطية الشبكية تحت اسم «المقر المتخصّص لتنظيم وتوجيه الفضاء السيبراني في إيران»، وعين رئيس الجمهورية الأول محمد رضا عارف، القيادي المعتدل نسبيًا البالغ من العمر 74 عامًا، رأسًا لها.
قال بيزشكيان إنه يتوقع من عارف «إرساء التماسك المؤسسي وتنسيق السياسات والإجراءات بين الجهات المعنية» و«منع الأعمال المتوازية ووضع حد لتعدد الأصوات في إدارة الفضاء السيبراني للدولة»، في إشارة إلى تعدد الهيئات المشرفة على الاتصالات داخل إيران.
من المقرر أن يضع عارف خارطة طريق لِـ«إصلاح حوكمة الفضاء السيبراني»، وربما الأهم من ذلك، مراجعة فعالية أمانة المجلس الأعلى للفضاء السيبراني ومركز الفضاء السيبراني الوطني التابع له.
المجلس الأعلى، الذي يرغب بيزشكيان الآن في إصلاحه، هو هيئة دولة قوية أُنشئت بقرارٍ من المرشد السابق آية الله علي خامنئي عام 2012 للتحكم بالمشهد الرقمي في البلاد. وقد قاد المجلس، وأمينه الحالي محمد أمين أغاميري، سياسات تقييدية صارمة لتقييد وصول الإيرانيين إلى الإنترنت بذريعة «الاعتبارات الأمنية».
يأتي قرار المراجعة بعد نحو 11 أسبوعًا من انقطاعٍ شبه تام على شبكة الإنترنت أثر على أكثر من 90 مليون مواطن، بعدما سبق أن شهدت البلاد انقطاعًا استمر 20 يومًا على خلفية احتجاجات وطنية دامية في يناير. ومع كل الألم الاقتصادي والاستياء العام المتصاعد نتيجة هذا الانقطاع، لا تتضمن الخطّة الجديدة أي جدول زمني واضح لإنهاء الإغلاق.
منذ 28 فبراير، ومع اندلاع المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بقي معظم الإيرانيين مقطوعين تمامًا عن الشبكة العالمية، في إجراء تبرره الحكومة بأنه ضروري لصد أنشطة وكالة الموساد وعوامل ضارة أخرى. ويعد هذا أطول انقطاع إنترنت وطني مسجّل في العالم، حيث يقتصر الوصول على «الإنترانت» البطيء والمتقطع الذي يدعم عدداً من التطبيقات والمحتويات المحلية المعتمدة رسميًا.
توفر الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN) وطرائق الالتفاف على الحظر ممرًا وحيدًا للحصول على خدمات الإنترنت الكاملة، لكن تكلفتها مرتفعة وغالبًا ما تتعرّض للتشويش من قِبَل السلطات. كما أن قوات الأمن تبحث عن وصلات إنترنت فضائية مثل ستارلينك.
أطلق المجلس الأعلى للأمن القومي خدمة موزعة من الدولة باسم «Internet Pro» بأسعار تفوق عدة مرّات أسعار باقات الإنترنت العادية. وتزعم الخدمة أنها تمنح مستخدميها خدمات بدرجة أعلى من تلك الممنوحة للغالبية، ويمكن عبرها الوصول إلى تلغرام وواتساب وChatGPT، بينما تظل يوتيوب ومعظم الخدمات الدولية الأخرى محجوبة.
تُقدَّم الخدمة لفئات محددة مثل الشركات وأعضاء هيئات التدريس والمحامين وغيرهم ممن تعتبرهم الدولة مؤهلين، لكن بعض الجهات المرتبطة بالدولة تروّج للوصول مقابل مبالغ أعلى بكثير من السعر الرسمي. واعترف رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي هذا الأسبوع بتباينات في تطبيق خدمة Internet Pro ووصفها بأنها «مطرقة تهبط على الرأي العام»، لكنه حذّر في الوقت نفسه من محاسبة من يخالف قوانين الإنترنت.
وعد الحكومة: «مؤقت»
تعِد السلطات بإعادة الإنترنت، لكن ليس قبل انتهاء «الحرب»، ولا توجد بوادر واضحة لموعد ذلك. وفي مؤتمر صحفي بطهران الثلاثاء، هاجمت المتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني الصحفيين عندما ضغطوا للاستفسار عن انقطاع الإنترنت، وقالت مخاطبةً إياهم: «في وضعٍ يقول فيه رئيس الولايات المتحدة إن وقف النار على أجهزة إنعاش الحياة، ما جوابكم؟» وأضافت أن «البلاد في حالة حرب، وعلينا أن نقبل أن أمن الناس شرط الحرب»، مؤكدةً أن الوضع «مؤقت».
يرى خبير الأمن الرقمي أمير رشيدي أن منظومة الوصول المتدرج ستبقى على الأرجح في إيران، وأن جذورها تعود إلى سياسات رُسخت بعد احتجاجات نوفمبر 2019، حين فُرض أول إغلاق شبه تام على الشبكة الذي دام نحو أسبوع وأصبح أداة للحكومة لمواجهة الاضطرابات. قال رشيدي لِـ«الجزيرة» إن السبب الرئيس لعدم تنفيذ السياسة بالكامل حتى الآن كان غياب الإرادة السياسية، وهذه الإرادة صارت موجودة الآن والسياسة تتقدم بسرعة. وأضاف أن المقر الجديد قد يوفّر «آلية تنسيق أفضل لتنفيذ سياسات المجلس الأعلى»، لكنه استبعد حدوث تغييرات جوهرية في السياسة الحكومية.
«ضد الأمن القومي»
قال خبير أمن سيبراني مقيم في طهران، اشترط عدم كشف هويته، إن انقطاع الإنترنت ألحق ضررًا بالبلاد أكثر مما حدّ من الهجمات الإلكترونية والعمليات المعادية. وحتى بعض المسؤولين الحكوميين أعربوا عن قلقهم من السياسة. فقد قال حسين سيمايي سراف، وزير العلوم والبحث والتكنولوجيا، في كلمة الأسبوع الماضي إن «تقلّص الوصول إلى الإنترنت عطّل الاتصالات العلمية والبحثية في البلاد، واستمرار تعطيل الإنترنت للجمهور العام سيكون ضد الأمن القومي».
تجاوز سراف وزير الاتصالات ستّار هاشمي والرئيس حين كتب رسالة مباشرة إلى أغاميري، أمين المجلس الأعلى للفضاء السيبراني، طالب فيها برفع الحظر عن قاعدة بيانات المكتبة الوطنية الأميركية للمراجع الطبية، PubMed، فُتِحت لِلايرانيين بعد أيام قليلة. أما هاشمي، فتباهى أمام نواب محافظين الثلاثاء بأن تطبيقات الرسائل المحلية مثل بله وإیتا وتطبيقات أخرى تجمع قاعدة مستخدِمين تبلغ مئة مليون مستخدم.
تُقدَّم العديد من الخدمات الحكومية والقضائية عبر هذه التطبيقات المحلية التي لا تتمتع بتشفير قوي أو بروتوكولات أمنية عالية. وأجبرت قطع الخدمات العالمية الكثير من الإيرانيين على الاعتماد على تطبيقات محلية، ما منح السلطات قدرة أكبر على مراقبة الاتصالات والتحكم في الوصول إلى الانترنـت.