رحيل فنان طرح تساؤلات حول جوهر الفن

أعلنت غاليري ثادايُس روباك وفاة الفنانة VALIE EXPORT عن عمر يناهز 85 عاماً. وأكدت مصادر الوكالة أن وفاتها وقعت في 14 مايو، أي قبل ثلاثة أيام من عيد ميلادها السادس والثمانين، بحسب وكالة الأنباء الفرنسية.

وصف ثادايُس روباك في بيان VALIE بأنها “إحدى الفنانات النسويات الأكثر رؤياً وابتكاراً اللّواتي برزن في أوروبا في النصف الثاني من القرن العشرين”. وأضاف أن رحيلها يمثل فقدان منظور فريد داخل الفن المعاصر، وأن أعمالها الرائدة لا تزال تفرض نفسها كقضايا ملحّة.

خلال ستة عقود من الممارسة، أسست Export جسماً فنّياً أعاد التفكير أولاً بالسينما ثم بالفن عامةً. المركز الدائم لاهتمامها كان الجسد، وبالأخص الجسد الانثوي، الذي تعاملت معه كوسيط ملموس لإعادة تعريف وسائط التعبير البصري والزماني.

وُلدت باسم والترود لهنر عام 1940 في لينز بالنمسا، ونشأت في كنف أم عزباء. منذ صباها بدا ميلها النقدي نحو تركيبات السلطة الجنسانية: في سن الثالثة عشرة كتبت عبارة تلخّص رؤيتها النقدية للغة والسلطة.

في عام 1967 اختارت لنفسها اسماً جديداً يقطع مع ألقاب الأب والزوج؛ استلهمت اسم “Export” من علامة سجائر شعبية لتجسّد به فكرة “تصدير أفكاري”. ومن ثم اعتمدت التوقيع الحروفي الكبير VALIE EXPORT كسمة تعريفية فنية.

أنتجت في وقت لاحق سلسلة صور ذاتية بعنوان “نقل الهوية” حيث تجسدت في دور قواد، مقاربة تعمد إلى تقليب الصور التقليدية للأدوار الجنسانية المفروضة. عن ذلك قالت إنها سعيدة باختيارها الاسم لأنه منحها فرصة لصياغة هويتها الخاصة، وفي الوقت نفسه كان جزءاً من موجة أوسع للسعي نحو حرية اختيار الذات في زمن الحركة النسوية.

انتقلت إلى فيينا عام 1960، وتقاربت مع حركة الأكشنست النمساوية وممارسيها مثل هيرمان نيتش وغونتر بروس. لم تنخرط معهم مباشرة في كل أعمالهم، لكنها تأثرت بالحراك الجماعي في المدينة وبالفضاءات التي أوجدت فضائح علنية دفعتها إلى إخراج أفكارها إلى العلن.

يقرأ  دعوة للشفاء المجتمعي «لا أحد يعلم كل ما يلزم» في متحف هاغرتي للفنون — كولوسال

كانت مغامراتها في “السينما الموسعة” ثنائية الاتجاه: من جهة أعمال شكلية تقرّب من سؤال ضرورة الشريط السينمائي المادي—كمثل فيلمها التجريدي رقم 1 (1967–1968) الذي لم يكن شريطاً بالمعنى التقليدي، بل جهاز عرض بلا فيلم يعرض صورة ماء يجري فوق مرآة—ومن جهة أخرى أعمال نسوية طرحت تساؤلات حول ماهية السينما نفسها وراحت تتحدّى ممارسات الأكشنست الذكورية.

في عام 1968 نفّذت مجموعتين تُعدّان من أبرز أعمالها: TAP and TOUCH CINEMA وAction Pants: Genital Panic، وقد وثّق بيتر هاسمان هذه الإيماءات بصور صارت لاحقاً جزءاً من أرشيفها. في عمل TAP and TOUCH CINEMA ارتدت صندوقاً مزوَّداً بفتحات وستم من خلال ستار يمد الرجال أيديهم لملامسة ثدييها؛ أثارت هذه الفعالية حملة صحافية وانتقادات حادة آنذاك، لكن Export وصفتها بأنها استكشاف للجسد كمادة سينمائية: باستبدال الشاشة بالجلد تحوّلت السينما إلى تجربة حسية كُليّة تتجاوز البصر وحده.

كانت Action Pants أقصر الطرق نحو صدام أعمق: دخلت قاعة عرض أفلام فنّي في ميونيخ مرتدية سروالاً بلا فخذ، كاشفةً عن أعضائها التناسليّة، ما دفع البعض إلى وصف العمل بأقصى حدوده الإيحائية. نفت الأسطورة التي ربطت تلك الحادثة بحملها سلاحاً إذ قالت مازحةً إنها لم تذهب “بآلة حربية إلى سينما أفلام إباحية”. لاحقاً طبعت صور هاسمان وعلّقتها بوسترات في أنحاء فيينا، رغم أن كثيراً منها كان يُمزق ويُزال.

على الرغم من أن العملين حملَا بعداً جسدياً بارزاً وأعادا توجيه مفهوم السينما إلى ما هو ملموس وحشوي، إلا أن Action Pants بقي يُنظر إليه غالباً كأكثر أعمالها إثارة للجدل وربما أكثرها صراحة. «منذ عام 1970 وما بعدها، كنتُ كثيرًا ما أقترح عرض هذا العمل في المعارض، لكن لم يرغب أحد في عرضه»، قالت لتيت، مضيفة: «عليكم الاعتراف أنه كان ذا طابع بانكي للغاية.»

يقرأ  متحف فنون غرب إفريقيا (MOWAA)الجدل حول تماثيل بينين البرونزية في نيجيريا

كانت أعمال تلك الحقبة تتأرجح احياناً بين هذين الهَمّين. في عمل Ping Pong (1968) كانت تضرب الكرة المسماة على شاشة سينمائية مضاءة لكنها فارغة، أما في Eros/ion (1971) فدحرجت جسدها عارياً عبر سرير من شظايا الزجاج. وقد اتجه بعض أعمالها نحو جانب أكثر غنائية، كما في Finger Poem (1968) حيث تلفظ بأبيات عبر حركات أصابعها أمام الكاميرا؛ وما تكشفه أصابعها لا يتضح إلا في نهاية العمل عندما يلمع النص على الشاشة: «أقول العرض بعلامات الأسطورة.»

فالِي إكسبورت، Einkreisung، 1976. ©VALIE EXPORT

سرعان ما تبعت ذلك سلسلة «تراكيبات الجسد» (1972–1976). في هذه الصور كانت إكسبورت تشكّل جسدها بطرق مختلفة، مبدعةً لوحات بصرية تخرق التوقعات. بعضها رُسمت عليه أجزاء باللون الأحمر أو الأسود مما ضاعف حدة التكوينات. «أردتُ أن أعيد بعض الصفات إلى الجسد الأنثوي التي نُزعت منه»، قالت لتيت.

عند استرجاعها لتلك الفترة قالت لتيت: «في النمسا وفي فيرينا، لم تكن الطموحات النسوية القوية موجودة حقًا. لطالما اعتقدتُ أنه يتوجب على المرأة أن تملك من القوة ما يملكه الرجل. الأمر يتعلق بالسلطة، سلطة التغيير.»

حين أُنتجت أعمالها آنذاك، حظيت بالإشادة لصرامتها المفهومية، وشاركت في معارض مهمة منها Documenta 6 عام 1977 وDocumenta 12 عام 2007. كانت، إلى جانب ماريا لاسينغ، من أول امرأتين تمثلان النمسا في بينالي البندقية عام 1980. وفي الآونة الأخيرة نُظمت لها معارض استرجاعية في مؤسسات مثل Centre Pompidou (2007)، Museum der Moderne في سالزبورغ (2015)، Neuer Berliner Kunstverein، ألبرتينا في فيينا (2023)، ومركز MAK للفن والعمارة في Schindler House بلوس أنجلوس (2024).

في 2019، وفي أول معرض لها مع روباك، أعادت الصالة عرض أعمالها المعروضة في البينالي بمقرها في لندن، ووصفتها بأنها «مزيج من التصوير الاستكشافي، والنحت، وتقنيات جديدة لصوغ الصورة، تتحدى الجمهور عبر فحص سياسات الجسد والإيروتيكية ونظرة الرجل والتحرر.» نالت جائزة ماكس-بيكمان لمدينة فرانكفورت لعام 2022.

يقرأ  رسوم قطط بسيطة ووشوم مصغّرة معبّرة للفنان سونبوم في هونغداتصميم تثق به — يوميات التصميم منذ 2007

درست إكسبورت طوال مسيرتها في مؤسسات مثل معهد سان فرانسيسكو للفنون وجامعة الفنون في برلين، وشغلت منصب أستاذة الوسائط المتعددة والأداء في أكاديمية فنون الإعلام في كولونيا بمدة عشرين عاماً، من 1995 إلى 2005.

عاكسةً مسيرتها ودوافعها الفنية قالت في 2019: «كان فني عدائيًا… العدوانية هي استفزاز، وليس من الضروري أن يفكر متابعويّ كفكري، لكن عليهم أن يُستفزوا ليشكّلوا آراءهم وردود فعلهم الخاصة.»

أضف تعليق